مقاومة العصر تستمر في مواجهة الاحتلال والإبادة – 2

تواصل دولة الاحتلال التركي سياسة إبادة وإمحاء الهوية العفرينية، وحولت عفرين إلى مركز لبقايا مرتزقة داعش وجبهة النصرة، بعد التهجير القسري، وعمليات الاستيطان، وإزالة المعالم التاريخية. والمقاومة كشفت الوجهة الحقيقي للفاشية التركية.

كيف تمارس تركيا سياسات الإبادة في عفرين المحتلة

شهدت مدينة عفرين عقب انطلاق ثورة 19 تموز تطورات على مستوى كافة الأصعدة خاصةً الاقتصادية والاجتماعية والتنظيمية والذاتية وكانت ملاذاً آمناً لعشرات الآلاف من النازحين من معظم المناطق السورية نتيجة الصراعات التي كانت دائرة بين حكومة دمشق والفصائل المسلحة والمرتزقة.

هجمات بغرض الإبادة

شنت دولة الاحتلال التركي، في يوم 20 كانون الثاني عام 2018، هجمات عنيفة على مدينة عفرين، واستخدمت في الهجوم 72 طائرة حربية، واستهدفت أكثر من 185 موقعاً خدمي ومدني وطبي وعسكري، رافقها قصف بالمدافع والصواريخ، أعقبها هجمات برية برفقة مرتزقة الجيش الوطني الذي شُكل من قبل دولة الاحتلال التركي عام 2017، وغطاءهم السياسي ما يسمى بالائتلاف الوطني السوري وبينهم المجلس الوطني الكردي. وسط صمت دولي وإقليمي وتواطؤ روسي عقب إبرام اتفاقية مقايضة مع تركيا.

عقب شن دولة الاحتلال التركي هجومها على مقاطعة عفرين أبرمت كل من روسيا وتركيا اتفاقية في أروقة اجتماعات أستانا، تضمنت انسحاب المرتزقة التابعين لدولة الاحتلال التركي من الغوطة، في المقابل فتحت روسيا الأجواء أمام تركيا لشن هجمات على عفرين التي كان يبلغ عدد سكانها لقرابة 350 ألف نسمة، والبالغ مساحتها 3,850 كم².

ارتكب جيش الاحتلال التركي في أقل من 20 يوم 5 مجازر بحق أبناء عفرين، الأولى كانت بتاريخ 20/ كانون الثاني، إثر استهداف جيش الاحتلال التركي مجبلاً للزفت جنوبي مدينة عفرين، استشهد على إثرها طفل وقرابة 20 عامل، والثانية كانت في قرية جلبرة التابعة لناحية شيراوا بمقاطعة عفرين في 21/ كانون الثاني، راح ضحيتها 10 مدنيين، بالإضافة إلى جرح 12 آخرين. والثالثة في 26/ كانون الثاني في مركز ناحية موباتا بمقاطعة عفرين، وراح ضحيتها 6 مدنيين، والرابعة في 28 كانون الثاني بحق المدنيين في قرية كوبلة بناحية شيراوا بمقاطعة عفرين راح ضحيتها 8 شهداء و7 جرحى و10 مفقودين، والخامسة في 9 شباط في قرية شكتا بناحية شيه في منطقة جندريسه استشهد على إثرها 7 أشخاص.

اشتدت الهجمات التركية نتيجة الصمت الدولي المخزي، فمنذ بدء العدوان التركي على عفرين في 20 كانون الثاني ولتاريخ 17 شباط، استشهد 173 مدني، من بينهم 26 طفل، 21 امرأة. بالإضافة لجرج 464 آخرين، بينهم 50 طفل، و71 امرأة. وارتكبت آلة القتل التركية في 26 شباط مجزرة بحق أبناء قرية يلانقوز في ناحية جندريسه استشهد على إثرها 6 مدنيين، تلتها مجزرة أخرى ارتكبها طيران الاحتلال التركي بحق 13 مدني في مركز مدينة جندريسه. كما استهدف طيران جيش الاحتلال التركي مشفى آفرين في 16 آذار 2018 واستشهد أكثر من 16 مدني بينهم أطفال جرحى كانوا يتلقون العلاج.

وهجر مئات الآلاف من أبناء عفرين نتيجة الهجمات التركية العنيفة بغرض الإبادة بحق أبناء عفرين، وتوجهوا صوب مناطق الشهباء. 

التهجير القسري والاستيطان بعد الاحتلال

بعد احتلال دولة الاحتلال التركي لمدينة عفرين، في 18 آذار 2018، اضطر سكان عفرين للنزوح قسراً من موطنهم نتيجة جرائم جيش الاحتلال التركي ومرتزقته، فلم يسلم لا طفل ولا امرأة ولا حتى الحجر من جرائمهم.  واتبعت تركيا سياسية التهجير بحق القلة القليلة الذين ممن بقوا في ديارهم، فتم فرض قوانين جائرة بحق أهالي عفرين، كارتداء النقاب (اللباس الشرعي حسب مفهوم داعش) على النساء، ومنع خروجهن بدون "محرم"، ناهيك عن اختطاف وتعذيب المدنيين، واغتصاب النساء، والاستيلاء على أملاك المدنيين، ونهب وسرقة الأماكن الأثرية، وتدمير مزارات الشهداء. بالإضافة لتوطين أسر المرتزقة لتغيير ديمغرافية عفرين وطمس هويتها. أعقبها تغيير اللوائح التعريفية بالمؤسسات والقرى والبلدات إلى التركية والعربية، ورفع الأعلام التركية فوق المباني. والاستيلاء على بساتين ومحصول الزيتون وتصديره إلى الأسواق العالمية في إسبانيا وأمريكا، وقطع أشجار الزيتون. 

وبحسب ما وثقته منظمة حقوق الإنسان عفرين - سوريا، تم اختطاف أكثر من 8063 مدني خلال أربع أعوام من الاحتلال، مصير أكثر من ثلثهم لا يزال مجهولاً وإطلاق سراح المئات منهم مقابل فدىً مالية ضخمة.

وفقد أكثر من 655 مدنياً لحياتهم، منهم 498 مدني استشهدوا نتيجة القصف التركي، و90 فقدوا حياتهم تحت العذيب، وجرحى أكثر من 696 نتيجة القصف التركي، من بينهم 303 طفل، 213 امرأة.

وقطع ما يزيد عن 333900 شجرة زيتون وأشجاره حراجية متنوعة، وحرق ما يزيد عن ثلث المساحة المخصصة للزراعة والتي تقدر بأكثر من 11 ألف هكتار منذ احتلاله لعفرين.

البعض من نماذج توطين أسر المرتزقة

في ناحية شرا، وطّن جيش الاحتلال 84 أسرة من أسر المرتزقة في قرية معرسكة، 2200 مرتزقة في قرية مريمين، 69 مرتزق في قرية ترنده التابعة لمركز عفرين، وتوطين نحو 100 مرتزق في قرية معراته، 60 مرتزقاً في قرية ملا خليل في ناحية جندريسه. وفي ناحية شيراوا، تم توطين ما يقرب من 1250 مرتزق في قرية الغزاوية، إضافة إلى 500 مرتزق بالقرب من قرية إيسكا، إلى جانب نحو 560 مرتزق تم توطينهم في منطقة بين قريتي الغزاوية وبرج عبدالو.

وعملت تركيا بتمويل ودعم من قبل منظمات أوربية وخليجية وإشراف منظمة إدارة الكوارث والطوارئ التركية (أفاد) على بناء مجمعات استيطانية في معظم البلدات والنواحي التابعة لمقاطعة عفرين المحتلة، وأنشأت أكثر من 30 مخيم و30 مستوطنة في منطقة عفرين.

وبحسب الاحصائيات الأخيرة فقد وطّن جيش الاحتلال التركي قرابة 400 ألف مستوطن في عموم قرى ونواحي عفرين، 500 عائلة منهم من عرب فلسطين 48.

تغيير الهوية العفرينية

وبعد الهجمات والتهجير القسري، وارتكاب المجازر والجرائم بحق سكان عفرين، وعبر سياسية ممنهجة قام الاحتلال التركي بتغيير معالم عفرين من الجذور، وصبغها بصبغة تركية بحتة بدءاً من تغيير أسماء الشوارع والميادين والمرافق العامة والمستشفيات ورفع العلم التركي فوق المدارس والمرافق العامة، ومنها تغيير اسم دوار نيروز إلى صلاح الدين وفيما بعد تم ازالته بالكامل.

كما تم تغيير أسماء الأماكن إلى أسماء عثمانية، ووضع العلم التركي وصور أردوغان في كل مكان وعلى لوحات الدلالة على القرى والنواحي والمراكز، والبدء بفرض اللغة التركية في المدارس ووضع العلم التركي على ألبسة التلاميذ.

وفي خطوة منافية لكافة القيم والمبادئ الإنسانية والدولية دمرت دولة الاحتلال التركي عبر مرتزقتها الأماكن المقدسة وجرفت مزارات الشهداء الذين هم أعظم قيمة معنوية لدى الشعوب ، ومزارات دينية.

إزالة المعالم التاريخية

ناهيك عن المدارس والمنشآت المدنية والعامة والأماكن الحيوية والخدمية فلم تسلم المعالم التاريخية والأماكن الأثرية من همجية دولة الاحتلال التركي التي دمرت 5 أماكن أثرية تعبر عن تاريخ المنطقة كتل عين داره المصنف كأحد أهم الأماكن الأثرية في سوريا من قبل منظمة اليونسكو، ويعود تاريخ بناء معبده إلى الحقبة الحثية، (أي عام 1200 ق.م)، وموقع النبي هوري الذي يعود تاريخ تشييد أقدم نقطة أثرية فيه إلى الحقبة الهورية 3500 ق.م، وصنفته منظمة اليونسكو كأحد أهم المعالم الأثرية في سوريا والشرق الأوسط.

بالإضافة إلى المعبد الروماني في قرية كالوتا الذي شُيّد في القرن الثاني الميلادي من قبل الروم، وقرية علبيسكة التي تحتوي ضمنها عدة أماكن أثرية كالقلاع والمعابد، ويعود تاريخها للحقبة الرومانية. وقرية كوبلة الأثرية التي تحتوي ضمنها عدداً من الكنائس والمعابد الأُثرية، وتعود إلى الفترة الرومانية. وكهف الدودرية الذي يعد أكبر وأعمق كهف من العصر الحجري واكتشف فيه عام 1993هيكل عظمي لطفل نياندرتالي، عمره عامان، ويعود تاريخه إلى حوالي مئة ألف سنة، بالإضافة إلى قبر مار مازن وغيرها من المواقع الأثرية الأخرى.

وبحسب مديرية الآثار في عفرين تم تخريب وتدمير أكثر من 59 موقع وتل أثرية ومستودع أثري، وأكثر من 28 مزار ديني لمختلف المذاهب والأديان، بالإضافة لتجريف العديد من المقابر وتحويل أحدها إلى أسواق للمواشي.

ولم تقف جرائم الاحتلال التركي عند هذا الحد، بل طالت حتى السكة الحديدية الممتدة من ميدان اكبس في ناحية راجو والمارة من كفرجنه وقطمة في ناحية شرا فقد تم تفكيكها وبيعها.

سياسة الإبادة

نائب الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا بدران جيا كرد، أوضح أن عفرين تتعرض لإبادة منذ بدء الهجمات وحتى الآن، وقال: "مرور أربعة أعوام على الهجمات، هو مرور أربعة سنوات على إبادة الهوية العفرينية، وأربعة أعوام من التهجير، وأربعة أعوام على الانتهاكات والجرائم بحق أهالي عفرين. عفرين تتعرض لإبادة مباشرة أمام أنظار العالم أجمع".

وأكد جيا كرد أن السياسة التي تتبعها دولة الاحتلال التركي بحق عفرين هي سياسة الإبادة، وقال: "السياسة التي تمارسها دولة الاحتلال التركي هي سياسة إبادة وإمحاء الهوية العفريينة، والجميع يرى كيف هجروا سكان عفرين الأصليين قسراً، ووطنوا الغرباء في المنطقة. من الضروري أن ترى المنظمات الإنسانية والمعنية هذه الجرائم وتراقب ما يحدث في عفرين عن قرب، ومحاكمة مرتكبي هذه الجرائم وبشكل خاص المسؤولين الأتراك".

لم يبق منها سوى اسمها

مدينة عفرين التي كانت منبعاً للسلام ومقصداً لآلاف من اللاجئين السوريين، تحولت الآن إلى مركز لتدريب المرتزقة، ويوضح في هذا الخصوص بدران جيا كرد: "الاحتلال التركي يسعى للقضاء على الهوية الكردية، ويسعى لتمرير المنطقة في بوتقة الصهر الثقافي والتغيير الديمغرافي والحرب النفسية، والجميع رأى كيف كشف اردوغان مخططاته في اجتماع الأمم المتحدة حيث كشف مساعيه لتوطين اللاجئين السوريين الذين توجهوا إلى تركيا فيها، وبهذه الحالة يريد تطبيق عملية تغيير ديمغرافية في منطقة".

ونوه بدارن جيا كرد إلى أن الجميع يعلم أن السورين المتواجدين في تركيا أغلبهم تابعين للمعارضة السنية، ويسعى لتشكيل حزام سني على الحدود، وقاعدة يوسع من خلالها مشاريعه الاحتلالية، وقال: "تركيا تعمل الآن من أجل تحويل عفرين إلى مركز للمجموعات المتطرفة الذين يعملون تحت غطاء الإسلام السياسي، لتنفيذ مشاريعها ضمن سوريا وحتى خارج سوريا أيضاً".

جيا كرد أشار إلى أن تركيا تعمل من أجل ضم عفرين إلى تركيا، وقال: "يتم إدارة عفرين وباقي المناطق المحتلة، وكأنها مناطق تابعة لتركيا، من الناحية السياسية والاقتصادية والعسكرية وحتى الثقافية. وهذا مخطط خاص يتم اتباعه بحق عفرين، وهذا جزء من مشروع الميثاق الملي الذي تسعى تركيا لتطبيقه". 

حان الوقت للقضاء على الاحتلال التركي

بدران جيا كرد قيم العام الماضي من المقاومة التي أبداها الشعب العفريني النازحين في مناطق شمال وشرق سوريا وقال: "العام الماضي لاحظنا المقاومة التي أبداها الأهالي لتحرير مدينة عفرين ووصلت إلى مرحلة عالية على مستوى كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك اليوم نرى أن المقاومة التي أبديت كشفت الوجه الحقيقي للفاشية التركية".

وأوضح بدران جيا كرد: "نعلم أن تركيا تعيش أزمة داخلية من الناحية السياسية والاقتصادية، هي نتيجة مقاومة شعبنا من داخل الوطن وخارجها، وهذا ساعد على إظهار الوجه الحقيقي للدولة الفاشية التركية، ووصل إلى مرحلة الانهيار. لذلك نقول يجب أن يكون هذا العام عام رفع مستوى المقاومة أكثر ضد الفاشية التركية، من الناحية السياسية والحقوقية وبرفع وتيرة المقاومة نقرب إنهاء الاحتلال التركي".

وشدد بدران جيا كرد على ضرورة توحيد الجهود كل من في الداخل والخارج للقضاء على الاحتلال، وقال: "نناشد كل من في داخل الوطن وخارجه برفع وتيرة المقاومة، لأنه حان وقت القضاء على الاحتلال التركي الذي احتل عفرين".

الرأي العام العالمي متضامن مع الشعب

وفي نهاية حديثه أشار بدران جيا كرد، أن الرأي العام العالمي يساند الشعب في عفرين ويدعم قضيتهم ومساندة الرأي العام العالمي يعطي قوة هائلة، ويعيق المخططات التركية ويهدمها، وقال: "نحن على ثقة أن العام الجديد سيكون عاماً لتحقيق إنجازات مهمة، وإفشال المخططات التركية وتحقيق إنجازات عظيمة في روج آفا، لذلك يجب علينا أن نقوي من تنظيمنا أكثر وحتى نستطيع تحرير مدينة عفرين وصون الانتصارات التي حققتها ثورة روج آفا".

(سـ)

ANHA


إقرأ أيضاً