مقاومة العصر تستمر في مواجهة الاحتلال والإبادة - 1

سبق الهجوم التركي على مقاطعة عفرين قبل 4 أعوام، ظروفٌ سياسيةٌ، هيأت الأجواء لتركيا لممارسة وحشيتها بالطريقة التي تليق بتاريخها الدموي. على الرغم من تباين مصالح القوى الدولية والإقليمية والمحلية التي شجعت على الهجوم، إلا أنها التقت في هدف واحد، هو خنق المشروع الديمقراطي الناشئ على بقعة جغرافية ضمن الهلال الخصيب.

الظروف السياسية التي سبقت الهجوم التركي على عفرين

مع بداية الأزمة السورية، برزت العديد من القوى على الساحة. وعلى الصعيد العالمي؛ برزت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وعلى الصعيد الإقليمي؛ برزت إيران والدولة التركية المحتلة. كل قوة تدخلت انطلاقاً من دوافع تخصها على الصعيدين الداخلي والخارجي وبأجندات متباينة، ولكن القاسم المشترك بينها هو مزيد من النفوذ والإعداد لمرحلة ما بعد الحرب. حاولت كل قوة أن تكون صاحبة الكعب الأعلى على طاولة الصفقات في نهاية المطاف.

أمريكا سعت من خلال سوريا إلى تحجيم النفوذ الإيراني وتفتيت دولة أخرى، كما فعلت في العراق، وفرض نظام حاكم يتماشى مع مشروع الشرق الأوسط الجديد القائم على تحجيم نفوذ الدولة القومية التي أثبتت فشلها، وإضعاف خصوم إسرائيل وضمان أمنها.

أما بالنسبة لروسيا، فكانت سوريا بوابةً للعودة إلى عالم متعدد الأقطاب وفرض نفسها كقوة عظمى لها وزنها في تشكيل النظام العالمي المراد رسمه؛ انطلاقاً من منطقة الشرق الأوسط.

أما إيران، فواصلت سياساتها التقليدية القائمة على ممارسة حروبها خارج أراضيها وتصفية حساباتها مع الغرب على الأراضي السورية ومنع انتقال جحيم الحرب إلى داخل حدودها. كما تشكّل سوريا ممراً مهماً لإكمال الهلال الشيعي، ابتداء من طهران مروراً ببغداد إلى دمشق ووصولاً إلى بيروت.

أيقظت الحرب السورية أحلام أردوغان الإمبراطورية، ووجد في هذه الحرب المتواصلة منذ عقد من الزمن فرصة ثمينة لتطبيق الميثاق الملّي القاضي بالسيطرة على المنطقة الممتدة من حلب في سوريا إلى كركوك في العراق، والانطلاق من هناك للسيطرة على كامل الأراضي التي كانت سابقاً تخضع لاحتلال الدولة العثمانية.

 على الصعيد الداخلي، لم يكن لدى حكومة دمشق همّ سوى البقاء في السلطة وإعادة الوضع في البلد إلى ما كان عليه قبل عام 2011، أي سلطة مركزية تسيطر على كل مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

القاسم المشترك بين قوى الهيمنة

القاسم المشترك بين كل هذه القوى هو الهيمنة، كلٌّ في حدود القوة العسكرية والاقتصادية والتقنية التي يمتلكها.

ضمن كل هذه الظروف، كانت روج آفا وشمال وشرق سوريا، الوحيدة صاحبة رؤية ومشروع ديمقراطي، لا تلهث خلف السلطة والنفوذ، بل جلّ همها دمقرطة سوريا وإنقاذ الشعوب التي خنقتها الأنظمة السلطوية على مدى قرون متواصلة.

هذا المشروع لم يرُق لقوى الهيمنة العالمية والإقليمية. حتى على الصعيد الكردستاني، فقد سعى الحزب الديمقراطي الكردستاني جاهداً ومعه امتداده في روج آفا، المجلس الوطني الكردي، ولا يزالان، إلى القضاء على الإدارة الذاتية.

الهدف هو شمال وشرق سوريا

الهجمات على الإدارة الذاتية بدأت مع بداية ثورة الـ 19 من تموز في روج آفا، عبر الهجوم على سري كانيه وبعدها عام 2013 على عفرين.

عام 2014 كان الهجوم الأقوى والأعنف الذي شنته مجموعة مرتزقة تابعة لتركيا على الإدارة الذاتية. في الـ 15 من أيلول هاجم مرتزقة داعش مقاطعة كوباني من 3 جهات ووصل المرتزقة التابعون لتركيا إلى مشارف مدينة كوباني، وكانت المعارك تدور في بقعة جغرافية ضيقة تمتد على مساحة بعض الشوارع والأزقة في المدينة المحاصرة، إلا أن مقاومة المقاتلات والمقاتلين والنفير العام الذي أعلنه القائد عبد الله أوجلان ومشاركة مقاتلات ومقاتلين أممين ومن جميع أنحاء كردستان، قلبت الموازين لصالح مقاومة كوباني. وبعد 134 يوماً من المقاومة تم تحرير مدينة كوباني بالكامل في الـ 26 من كانون الثاني عام 2015.

تشكيل قوات سوريا الديمقراطية

مع إلحاق أول ضربة بمرتزقة داعش، انطلقت قوات سوريا الديمقراطية التي تشكلت في تشرين الأول عام 2015 في حملات تحرير متلاحقة في مناطق مختلفة من شمال وشرق سوريا.

مع هذه الانتصارات المتتالية وإعلان الإدارة الذاتية، وسطوع نجمها في سوريا والعالم، انتقلت الدول المهيمنة، وفي مقدمتها الدولة التركية المحتلة، من مرحلة الحرب عن طريق الوكلاء إلى التدخّل المباشر، بعدما فشل وكلاؤها في تحقيق مشاريعهم الهدامة.

في عام 2016، بعدما حرر مجلس منبج العسكري المنطقة من مرتزقة داعش في الـ 12 من شهر آب، وأُعلن عن الانتصار رسمياً في الـ 15 من الشهر ذاته، بدأت تركيا بالاحتلال المباشر لأراضي سوريا، وبالتحديد في الـ 24 من آب 2016. بدأ الهجوم التركي بالتزامن مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي جون ماكين، وقبلها بيوم، أي في الـ 23 من آب، حيث التقى مسؤولون في الحزب الديمقراطي الكردستاني مع مسؤولين في دولة الاحتلال التركي.

احتلال اعزاز وجرابلس والباب

مع هذا الهجوم والاحتلال التركي لمنطقة جرابلس، وبعدها اعزاز والباب وأجزاء واسعة من محافظة إدلب، بدأت النوايا الحقيقية للدولة التركية بالتبلور، وانكشفت الأكاذيب التركية حول "إسقاط النظام" ومعها أكاذيب القوى الدولية التي لطالما تغنت بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان. لم يكن "إسقاط النظام" همّ تركيا الأول، عندما بدأت ملامح مشروع ديمقراطي تظهر بالقرب منها.

لكن تركيا وحدها لم تكن قادرة على احتلال شبر واحد من الأراضي السورية دون موافقة مباشرة من القوتين العظميتين، أمريكا وروسيا.

قبيل الهجوم التركي على عفرين، سلّمت تركيا رقاب مرتزقتها في الغوطة الشرقية ودوما للطيران الروسي ومدفعية قوات دمشق التي أحرقت الأخضر واليابس وهدمت البيوت فوق رؤوس ساكنيها.

روسيا تنسحب وتركيا تبدأ الهجوم

وفي الـ 20 من كانون الثاني 2018، موعد انطلاق الهجوم التركي، انسحبت القوات الروسية من عفرين وفتحت الأجواء أمام الطيران الحربي التركي ليرتكب المجازر.

وتجاوز التواطؤ الروسي مسألة التنسيق مع دولة الاحتلال التركي، إذ رمت بكل ثقلها لمنع احتمال حدوث أي اتفاق بين الإدارة الذاتية وحكومة دمشق؛ للدفاع عن عفرين بشكل مشترك. وهذا ما يفسر تردد حكومة دمشق وكذلك دفعها بقوات غير نظامية قريبة إلى إيران وعدم إشراك القوات النظامية أو إرسال أي دعم لوجستي. عندما أرسلت بضع عشرات من قوات غير نظامية استهدفتهم دولة الاحتلال التركي بشكل مباشر، وأوقعت عشرات القتلى في صفوفهم، ولكن روسيا لم تحرك ساكناً.

أمريكا دعمت الهجوم بصمتها

أما الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ظهر موقفها بوضوح ولم تسعَ بأي شكل من الأشكال إلى وقف الهجوم التركي؛ بل دعمته بصمت، وبزعمها أنها لا تتدخل في المناطق الواقعة غرب نهر الفرات. هذه الحجة الأمريكية سرعان ما انكشف زيفها عندما تدخّل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مباشرة لإيقاف هجوم عسكري روسي على إدلب الواقعة أيضاً غرب نهر الفرات.

أما الاتحاد الأوروبي، فلم تتجاوز ردود فعله نطاق التصريحات التي كانت في إطار تسجيل المواقف لا غير. وعلى الصعيد العربي، لم يكن هناك موقف بارز باستثناء الموقف المصري. حتى الجامعة العربية التي نددت بالهجوم التركي، مع تحفّظ قطر شريكة تركيا في دعم المجموعات المرتزقة، لم تترجم مواقفها إلى أي فعل ملموس.

مقاومة العصر في وجه الاحتلال

في هكذا ظروف، بدأ الهجوم التركي على عفرين. كانت الغالبية تتوقع أن تسقط عفرين في غضون أيام أمام أقوى ثاني جيش في الناتو، مزودٍ بأحدث الأسلحة ومدعومٍ أرضاً بنحو 25 ألف مرتزق، وكذلك مئات الجنود من القوات الخاصة التركية.

على الرغم من كل هذا، قاومت عفرين بقواتها العسكرية وشعبها 58 يوماً متواصلاً. وفي الـ 18 من آذار عام 2018 احتلت تركيا مقاطعة عفرين، وفي تشرين الأول عام 2019 احتلت مقاطعة تل أبيض ومنطقة سري كانيه.

احتلت تركيا تلك المناطق، إلا أن مشروع الإدارة الذاتية لم يسقط وبقي قائماً، وأيقن الشعب في شمال وشرق سوريا وسوريا عامة أن الحماية الذاتية هي ضمان الانتصار وأن الاعتماد على القوى المهيمنة لا يجلب إلا الدمار.

ANHA


إقرأ أيضاً