مناطق حكومة دمشق بين مطرقة الأزمة الاقتصادية وسندان القرارات المنفصلة عن الواقع

في الوقت الذي يواجه فيه السوريون في مناطق سيطرة حكومة دمشق أزمة معيشية واقتصادية خانقة، تأتي الأخيرة وتعمق الأزمة أكثر ضمن مناطق سيطرتها بقرارات لا تمت للواقع بصلة وتزيد الواقع المتردي أصلاً تردياً.

يعاني السوريون في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة دمشق من أزمة اقتصادية خانقة أثقلت كاهلهم بسبب قرارات الحكومة المهمشة لمطالبهم، في الوقت الذي تشهد فيه الليرة السورية هبوطاً حاداً أمام العملات الأجنبية، وقلة فرص العمل وعدم توافق الدخل مع الصرف، مما فاقم الوضع المعيشي لدى أبناء المنطقة أكثر.

ومع بلوغ الأزمة السورية عقدها الأول، تبدو الأوضاع الاقتصادية للبلاد على حافة الهاوية، لاسيما مع عدم وجود أي حلول جذرية تلوح في الأفق وضبابية سبل انتهاء الأزمة.

واستقبل السوريون في مناطق حكومة دمشق عامهم الجديد محملين بأزمات اقتصادية عديدة كان القاسم المشترك الأبرز بينها الارتفاع الحاد في أسعار المحروقات والسلع الاستهلاكية نجمت عن قرارات حكومية لا تمت للواقع بصلة.

قرارات "بهدف التخلص من المواطن!"

وأصدرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة دمشق في 11 كانون الأول/ديسمبر 2021، قراراً يقضي برفع سعر ليتر البنزين الممتاز "أوكتان 90" إلى 1100 ل.س بدلاً من 750 ل.س مبررةً ذلك بأن الحكومة تستورد النفط بثمن يكلفها أضعافاً حتى تصل إلى سوريا بسبب العقوبات على حد زعمها، لتكون هذه الزيادة هي الرابعة خلال العام.

وقوبل هذا القرار بردود فعل مختلفة على مواقع التواصل الافتراضي بين منتقد ورافض وساخر، حيث كتب أحدهم معلقاً بسخرية: "بهدف التخلص من المواطن وزيادة حالات الجلطة والنوبات القلبية تم رفع البنزين، لسا الخير جاي لقدام بالسنة الجديدة ٢٠٢٢".

وأخرى علقت باستهزاء: "من شو بتشكي البسكليت بتجنن وأحلى رياضة".

فيما كتب آخر منتقداً: "أنتم تعيشون خارج الواقع وبعيدين كل البعد عن الشعب والحالة التي وصل لها وقراراتكم تعبر عن ذلك".

وسبق أن رفعت حكومة دمشق سعر مبيع مادتي المازوت والبنزين "أوكتان 90 غير المدعوم"، والموزع خارج المخصصات وعبر "البطاقة الذكية" للآليات والمركبات، ليصل سعر لتر المازوت إلى 1700 ليرة سورية، والبنزين أوكتان 90 إلى 2500 ليرة.

في حين بلغ سعر البنزين في السوق السوداء 3000 ل.س بعد ما كانت 2500 ل.س للتر الواحد، ومادة المازوت الحر وصلت إلى 4000 ل.س، بعد أن كانت 3500 ل.س للتر الواحد.

وبحسب صحفي من دمشق تحدث لوكالتنا (لم يتم الكشف عن هويته لأسباب أمنية)، فأن "سعر مازوت التدفئة المدعوم يصل إلى 500 ل.س للتر الواحد، حيث تحصل كل عائلة على 50 لتر فقط طوال العام!"، أي يجب استهلاك نصف لتر فقط من المازوت كل يوم ما يُعتبر كمية قليلة جداً مقارنة باستهلاك عائلة كاملة من هذه المادة طوال فترة البرد في فصل الشتاء".

وألقت الزيادة في أسعار المحروقات بظلالها أيضاً على أسعار أجرة المواصلات، لترتفع تعرفة سيارات الأجرة بمقدار خمسمئة ليرة للكيلو متر الواحد!

وفي المقابل تشهد كل مواقف وسائط النقل العام ازدحاماً شديداً نتيجة توجه أغلب فئات المجتمع للتنقل عبر الوسائط العامة لانخفاض تكاليفها بالمقارنة مع وسائل النقل الخاص.

الحطب خيارهم الوحيد

وتصدرت أزمة الغاز عناوين الصحف الدولية خلال السنوات القليلة الماضية، دون توضيح من قبل حكومة دمشق حول كيفية النجاة من أزمة ندرة وارتفاع أسعار أسطوانات الغاز في سوريا.

بل على العكس، فقد أصدرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حكومة دمشق قراراً في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، برفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي الموزع عبر البطاقة الإلكترونية بأكثر من ضعفين، ما دفع معظم الأسر إلى شراء الحطب من أجل طهو الطعام والتدفئة نظراً لنقص الغاز المنزلي وغلائه، إلى جانب غلاء سعر مادة المازوت، وسط عدم توفر الكهرباء لفترات تقنين طويلة.

وبحسب الصحفي فإن تعبئة جرة الغاز المنزلي يبلغ 10500 ل.س، بعدما كانت 3800 ل.س، بينما يبلغ سعر جرة الغاز في السوق السوداء 120 و150 ألف.

ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بنسبة 400%

وارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية ضمن الأسواق إلى مستويات غير مسبوقة بين الفترة الممتدة بين 1/1/2021 لغاية 1/1/2022، إذ وصل نسبة ارتفاع أسعار بعض المواد إلى أكثر من 400 %.

وبحسب موقع "المشهد" التابع لحكومة دمشق، فإن نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية التي تشمل الأجبان واللحوم والخضروات والفواكه تراوحت بين 50% و417.91%.

ولفت الموقع ذاته إلى أن الارتفاع الأبرز كان في أسعار الخضراوات وتحديداً البطاطا حيث وصل سعر الكيلو "المالحة" حالياً إلى 2800 ليرة، بينما كان السعر مطلع العام الفائت 670 ليرة، وبلغ سعر الكيلو الواحد للسكر 2600 ل.س، وسعر كغ الملح بلغ 1000 ل.س بعد ما كانت 600 ل.س.

ورجح الصحفي السبب إلى "انخفاض القوة الشرائية لليرة السورية مقابل العملات الأجنبية، والرشاوي على الحواجز، بالإضافة إلى ازدياد تكلفة الشحن العالمية، فكل حاوية كانت تكلف 7000 دولار بينما اليوم تكلف ما يقارب 20 ألف دولار، وذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط، وتبعات وباء كورونا وإجراءات التأمين".

إلى جانب ذلك، يكثر الحديث عن أزمة الخبز ودور الحكومة بتفاقمها، بعد أن عمدت إلى تحديد عدد ربطات الخبز المباعة عبر "البطاقة الذكية" بناء على عدد أفراد العائلة الواحدة، إذ تشهد الأفران طوابير من الناس في سبيل الحصول على ربطة الخبز الذي ارتفع سعره إلى 200 ل.س، رغم استمرار حديث الحكومة عن حل أزمة القمح وتوفير مادة الطحين.

وبحسب الأنباء الواردة من المنطقة، فإن الضباط يشترون ربطة الخبز بـ 200 ل. س ويبيعونها في السوق السوداء بخمسة أضعاف سعرها أي بألف ل. س.

تفشي الغش والفساد

وعلى إثر ضعف القدرة الشرائية لأبناء المنطقة، وتفشي الفساد وغياب الرقابة، انتشرت في الآونة الأخيرة ضمن أسواق مناطق سيطرة حكومة دمشق ورشات تعمل على خلط "بقايا الفروج النيء" وبيعها للأهالي بأسعار أقل من سعر لحم الدجاج في الأسواق، إذ تعمل تلك الورش على طحن بقايا "الفروج النيء" من عظام وغضاريف وخلطها ببعض من لحم الدجاج، الذي يبلغ كغ الصافي منه دون بقايا 9500 ل. س، بحسب ما أفاده المرصد السوري لحقوق الإنسان.

في حين، يبلغ سعر كيلو اللحم البقري في تلك المناطق 22000 ل.س، أما كغ لحم الخروف يبلغ 26000 ل.س، بينما يصل سعر كغ لحم العجل إلى 22000 ل.س.

وتوقع مربو الفروج أن ترتفع تكلفة كغ لحم الفروج إلى 10000 ل. س، بسبب رفع سعر الصويا إلى 2 مليون و800 ألف ل.س، أي بزيادة 400 ألف للطن الواحد تقريباً، محذرين "لن يكون هناك فروج للمواطن بعد شهرين".

وبالتالي مع ارتفاع أسعار الفروج بشكل كبير وانخفاض إنتاج وتربية الدواجن، وتلاعب بعض المستوردين بالأسعار، يواجه السوريين احتمالية حرمانهم من تناول الفروج خلال الفترة القادمة.

أزمة صحية

ولم يسلم القطاع الصحي من تداعيات الأزمة الاقتصادية والانخفاض الذي تشهده الليرة السورية، إذ زادت أسعار الدواء بنسبة 30% رسمياً، أما فعلياً فقد زادت أسعارها ثلاث أضعاف في السوق السوداء، وذلك بعد يوم واحد من الزيادة البسيطة التي طرأت على رواتب العاملين والمتقاعدين لدى حكومة دمشق.

وفي منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أصدر بشار الأسد قراراً بإضافة نسبة 30% إلى رواتب وأجور العاملين في مؤسساتها، أما بالنسبة للمتقاعدين فتم زيادة المعاشات التقاعدية بنسبة 25%، أي أصبح الراتب ما يعادل الـ 30 دولاراً بعد الزيادة، في الوقت الذي قدرت فيه دراسات أن الحد الأدنى الشهري للمعيشة في سوريا يحتاج إلى ما لا يقل عن 250 دولاراً للعائلة الواحدة.

وجاء رفع أسعار الأدوية من قبل وزارة الصحة بدمشق، بعد عدة مطالب لمعامل الأدوية بهدف "تأمين استمرار الأدوية" في ظل ارتفاع تكاليف إنتاجها، وتعرض أصحاب المعامل لخسارات مالية، على حد قولهم.

وتعاني مناطق سيطرة حكومة دمشق، من أزمة مستمرة في نقص الدواء، لا تفلح الإجراءات الحكومية المتخذة بالتخفيف من آثارها على المواطنين.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً