من يرفض التعلم بلغته يرفض وجوده وذاته

تكمن أهمية اللغة بالنسبة للشعوب والمجتمعات في إثبات الذات والوجود، ومن يرفض التعلم بلغته يرفض وجوده وذاته، ويسعى لأن يكون عبداً للآخرين، ويوضح القائد عبد الله أوجلان أنه بقدر ما يرقى مجتمع ما بلغته الأم يكون قد ارتفع بمستوى الحياة أيضاً بالمثل.

تجري مفاوضات ومباحثات بين أحزاب الوحدة الوطنية الكردية والمجلس الوطني الكردي السوري بصدد توحيد الصف الكردي في روج آفا، وقد تمكن الجانبان من خطو خطوات يراها الشارع الكردي رغم بطئها أنها جيدة نوعاً ما.

وتتم هذه المباحثات بعيداً عن الإعلام والرأي العام، ولا يتم كشف محتواها، إلا أن بعض مسؤولي الجانبين يكشفون بخطوط عريضة بعضاً من مجريات المباحثات، حيث اتفق الجانبان مؤخراً على تشكيل المرجعية الكردية العليا، وأكدا على ضرورة أن تضم كافة القوى والكيانات السياسية والمجتمعية والشبابية والنسائية؛ ولاقت هذه الخطوة ترحيباً جماهيرياً بين كافة شرائح المجتمع الكردي في روج آفا وباقي أجزاء أيضاً.

وفي 20 تشرين الأول انضم عضو هيئة الرئاسة لحزب الاتحاد الديمقراطي PYD آلدار خليل لبرنامج بوير (BÛYER) الذي يُبث على فضائية روناهي تيفي (Ronahi TV)، وأوضح أن المجلس الوطني الكردي يقترح أثناء المباحثات ضرورة إيقاف النظام التعليمي في شمال وشرق سوريا وإعادة تدريس مناهج حكومة دمشق، وإيقاف العمل بنظام الرئاسة المشتركة.

مقترحا المجلس الوطني الكردي السوري جاءا بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها مسؤولو المجلس إلى تركيا، وقد أثار هذان المقترحان سخطاً شعبياً واسعاً، وأكد المعنيون باللغة الأم أن مقترح المجلس الوطني الكردي بصدد اللغة الكردية هدفه نسف المباحثات الجارية، وأن الذي يناضل من أجل شعبه يجب أن يحمي لغته في بادئ الأمر.

كما أن مناهج التعليم في شمال وشرق سوريا وُضعت بجهود كبيرة وجبارة، وإعدادها بمثابة ثورة حقيقية وبشكل خاص بالنسبة للشعب الكردي الذي حُرم من التعلم بلغته الأم منذ عقود من الزمن، لأن اللغة هي أساس وجود أي شعب أو مجتمع.

 ويُعرّف بعض المثقفين والمعنيين اللغة بأنها جزء من الثقافة، والثقافة تحدد هوية الشعوب، أي أن اللغة تعني هوية المجتمعات، ووسيلة للتواصل بين أفرادها، وإذا حرمت المجتمعات من اللغة فإنها تُحرم من وسيلة التواصل والتعبير، لذلك لا يمكن لأي مجتمع إثبات وجوده دون وجود لغة خاصة به.

ويعلم المجلس الوطني الكردي السوري الذي يطالب الآن بإيقاف النظام التعليمي في شمال وشرق سوريا وإعادة تدريس مناهج الحكومة السورية جيداً كيف كان أبناء الشعب الكردي يتعلمون لغتهم سراً قبل ثورة 19 تموز وكيف كانت تُدرس، وما كان مصير من كان يضبط معه أي شيء متعلق باللغة الكردية، حتى ولو كانت ورقة مكتوب عليها عدّة كلمات. 

ويوضح الكاتب الكردي دلوفاني دشتي أنّ الإدارة الذاتية خطت خطوات مهمة في مجال تطوير اللغة الكردية والحفاظ عليها، من خلال تعليم الأطفال ضمن المدارس بلغتهم الأم، من الصف الأول حتى المعاهد والجامعات، وقال: "حلم الكرد تحقق رغم أن هناك بعض النواقص ويجب أن نكون يداً واحدة لتطوير مؤسساتنا التي تعتبر أساس وجودنا، واليوم هناك فرصة كبيرة أمامنا لتطوير وتعلّم لغتنا".

وبالنظر إلى مقترح المجلس الوطني الكردي حول إيقاف النظام التعليمي في مدارس شمال وشرق سوريا فإننا نراه محاولة لإنهاء وجود الشعب الكردي، ثقافياً ولغوياً واجتماعياً أيضاً.

ويوضح القائد عبد الله أوجلان في مرافعته المعنونة بـ "مانيفستو الحضارة الديمقراطية" أن اللغة بذاتها تعني الزخم أو الإرث المجتمعي للذهنية والأخلاق والجماليات والمشاعر والأفكار التي اكتسبها مجتمع ما.

وهي الوجود الهوياتي واللحظي المدل والمعبّر عنه بالنسبة للمعنى والعاطفة، والمجتمع الذي يُعبّر عن ذاته يدل على امتلاكه الحجة القوية للحياة، ذلك أن مستوى رقي اللغة هو مستوى تقدم الحياة، أي أنه بقدر ما يرقى مجتمع ما بلغته الأم يكون قد ارتفع بمستوى الحياة أيضاً بالمثل، وبقدر ما يخسر مجتمع ما لغته ويدخل تحت حاكمية ونفوذ لغات أخرى، يكون مستعمراً ومتعرضاً للصهر والإبادة بالمثل.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن الأحزاب المنضوية تحت سقف المجلس الوطني الكردي السوري تدّعي في نظامها الداخلي النضال من أجل الحقوق الثقافية، أليست اللغة إحدى أهم أركان الثقافة، المجلس بمقترحه (شرطه) الأخير بضرورة إيقاف النظام التعليمي في شمال وشرق سوريا وإعادة تدريس مناهج حكومة دمشق، يرفض وجوده وذاته، وينكر كرديته أصلاً، لأن الذي يرفض لغته ويُحبذ لغة غيره وبشكل خاص لغة المستعمرين يرضى بالعبودية والذل.

كما أن مقترح المجلس الوطني الكردي السوري الأخير يظهر مدى زيف ادعاءاته، وعلى رأسها اسمه الذي يوجد ضمنه اسم "الكردي" والذي لم يقدم للشعب الكردي شيئاً منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011 وإلى الآن، بل ظل تحت شماعة ووصاية قوى خارجية وبشكل خاص تركيا، وشرعن لكافة جرائمها بحق الكرد بدءاً من عفرين وصولاً لكري سبي وسري كانيه.

(ك)


إقرأ أيضاً