من بارين كوباني وجمعة بوتان عهدٌ حققته الشهيدة بارين بوتان

"لن أقبل حياة العبيد، وعلى جميع النساء ألا يقبلن أيضاً بالواقع الذي يعشنه"، مقولة كانت ترددها دوماً المقاتلة في وحدات مكافحة الإرهاب بارين بوتان، التي اتخذت من اسم الشهيدين بارين كوباني وجمعة بوتان اسماً لها، وأوفت بعهدها لهما بمتابعة مسيرتهما.

"الشهداء أحياء لا يموتون"، مقولة أثبتها شعب كردستان على أرض الواقع، عبر مواصلته مسيرة شهدائه في القيام بكافة المهام الثورية والوطنية، على الرغم من هجمات وسياسات الإبادة التي مورست عليه، فالمهام التي تركها الشهيد على عاتق الشعب أكملها هو بهدف وأمل جديد.

يقول القائد أوجلان عن مكانة الشهداء إنه "قد حوّل رفاقنا الاستشهاد في معارك المقاومة إلى خلود. وقد قاموا بذلك بشكل يثير الإعجاب والاحترام والمحبة على المستوى العالمي، فالموت الحقيقي هو القبول بالاستمرار في الحياة في ظروف غير لائقة وغير مقبولة ويجب رفضها، وفي بعض الأحيان تكون الحياة أي الخلود".

فتاريخ كردستان الذي نُقش بمقاومة شهدائها الثوريين الذين كرسوا حياتهم للنضال من أجل إيصال شعوبها إلى حريتها التي سلبت منها من قبل الدول المحتلة لها، اليوم تستمر في ثورة 19 تموز من خلال الملاحم البطولية التي أبداها شهداؤها.

الشهيدة بارين بوتان من بين آلاف المقاتلات اللواتي استشهدن خلال المقاومة في ثورة روج آفا وشمال وشرق سوريا لضمان النصر والحرية لشعبهن.

من هي بارين بوتان؟

ولدت الشهيدة بارين بوتان الاسم الحقيقي (رها بشار) في قرية أحرص التابعة لمقاطعة الشهباء عام 2003، ضمن أسرة مكونة من 5 أشقاء، هي الثالثة بينهم.

التحقت بصفوف وحدات حماية المرأة، بعد تأثّرها باستشهاد المناضلة بارين كوباني؛ المقاتلة في وحدات حماية المرأة (YPJ) التي استشهدت في 1 شباط 2018 أثناء هجمات دولة الاحتلال التركي على منطقة عفرين.

وقررت على إثرها التطوع ضمن وحدات حماية المرأة، واتخذت من اسم بارين بوتان اسما حركياً لها؛ كي تسير على درب المناضلة بارين كوباني، أما بوتان فنسبة إلى اسم عمها جمعة بوتان الذي تطوع ضمن صفوف وحدات الحماية الشعبية (YXG) عام 2011، واستشهد عام 2014 في قرية مبروكة بإقليم الجزيرة.

عاشت في كنف أسرة وطنية، كبرت وهي محاطة بكوادر من حزب العمال الكردستاني، لم تقف أسرتها عقبة أمام قرارها بل كانت مشجعة لها.

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2022/08/03/174801_mrwan-bshar_1.jpg

يقول والد الشهيدة بارين بوتان، مروان بشار "أسرتنا لا تبخل بشيء في سبيل تحرير وطننا المغتصب".

ويوضح "هُجّرنا إلى مدينة عفرين بعد احتلال مرتزقة داعش لمقاطعة الشهباء، بقينا في مدينة عفرين سنة ونصف السنة ثم عدنا إلى ناحية أحرص بعد تحريرها".

التعرف على حركة حرية كردستان

تعرفت أسرة الشهيدة بارين بوتان على حركة حرية كردستان في تسعينيات القرن المنصرم؛ يشير مروان بشار "كان منزلنا مفتوحاً لكوادر الحركة، كانوا يأتون دائماً إلى منزلنا خلال سنوات نضالهم الطويلة في المنطقة، وتركوا أثراً عميقاً في الأسرة، تبنّينا نهجاً جديداً، خلقوا فينا الروح الوطنية".

يلفت والدها في حديثه، إلى ما واجهته الشهيدة بارين بوتان في مرحلة الدراسة "درست بارين حتى الصف السادس، ونتيجة هجرتنا لم تستطع إكمال دراستها، فواظبت على تعلم اللغة الكردية، وكانت من المتفوقات في تعلم لغتها الأم".

ويعاهد "نحن لن نتخلى عن درب الشهداء، وسنوصل رسالتهم التي ناضلوا من أجلها، ثمن الحرية هي الشهادة".

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2022/08/03/174744_mjyd-bshar.jpg

أما شقيق الشهيدة بارين، مجيد بشار فيقول: "كانت المناضلة بارين بوتان تعمل ضمن حركة الشبيبة الثورية السورية في مقاطعة الشهباء، وكانت متفانية في عملها وعند استشهاد المناضلة بارين كوباني تطوعت بارين بوتان على الفور ضمن صفوف وحدات حماية المرأة بعدما رأت مشاهد التنكيل بجثتها، ولم تتوانَ في اتخاذ قرارها".

ويضيف: "لقد التقيت بها في عيد الفطر، كنت في مدينة الحسكة أتلقى دورة تدريبية وطلبت الالتقاء بشقيقتي، وبعد ساعات التقيت بها، جلسنا لمدة ساعة وتناقشنا في أمور عديدة، هي بدورها سألت عن أوضاع العائلة وأصدقائها، التقطنا صوراً تذكارية، وبعد ذلك عدت إلى الأكاديمية التي كنت أتلقى فيها دورة تدريبية، كانت تعمل برفقة الشهيدة جيان تولهلدان بمدينة الحسكة".

متحدثاً عن الخصال التي تحلت بها الشهيدة بارين بوتان، "كانت حنونة على أشقائها وشقيقاتها، كانت تحبهم كثيراً، ولكنها في الوقت نفسه كانت كتومة ولا تتحدث عما يدور في داخلها، أبقت كل أسرارها طي الكتمان".

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2022/08/03/174722_qdryh-qasm.jpg

بينما تصفها والدتها، قدرية قاسم، أنها كانت حادة الطباع "تفعل ما يحلو لها، جريئة لكن هادئة، كانت مجتهدة في عملها ولا تتكاسل في القيام بما يُطلب منها، كانت تعمل كعاملة في البساتين وتطلب مني دائماً ألا أتعب نفسي في الأعمال المنزلية"، وتشير إلى ما كانت تقوله الشهيدة لها: "سأقوم بجميع الأعمال بنفسي ولكن أنتِ كوني مرتاحة".

وصيتها

كانت الشهيدة بارين بوتان تردد على مسامع أسرتها، تعهدات من قبيل "سأنتقم لعمي وأحمل سلاحه، وأسير على دربه"، تضيف والدتها "كانت تتصل بعض الأحيان لتطمئن على حال الأسرة، أوصتني بدفنها إلى جانب المناضلتين سوسن بيرهات وآواز أورميه، وطلبت مني عهداً بتلبية طلبها، بينما كنت أرد عليها أريد الموت قبلك ولا أعيش ألم فراقك".

الشهيدة سوسن بيرهات، عضوة المجلس العسكري لوحدات حماية المرأة (YPJ) والمجلس العسكري لقوّات سوريا الديمقراطية الاسم الحقيقي (سوسن محمد)، كانت قد استشهدت إثر هجوم بطائرة مسيّرة تابعة لدولة الاحتلال التركي على مجلس العلاقات في مجلس تل تمر العسكري، أدى إلى ارتقاء 4 مقاتلين إلى مرتبة الشهادة، كان من ضمنهم الشهيدة سوسن بيرهات.

والشهيدة آواز أورميه الاسم الحقيقي (نسرين أحمد)، كانت من بين 121 مقاتلاً أرتقوا شهداء في حملة "مطرقة الشعوب" التي أطلقتها قوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي لشمال وشرق سوريا ضد خلايا مرتزقة داعش الذين هاجموا في 20 كانون الثاني من العام الجاري، سجن الصناعة بحي غويران في الحسكة بهدف تهريب المرتزقة المسجونين فيه.

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2022/08/03/174659_ala-alymh.jpg

"كنت أنا والمناضلة بارين معاً منذ صغرنا، وهذا ما جعلنا صديقتين مقربتين ونقضي جل وقتنا معاً، ولكن عندما قررت أن تتطوع ضمن صفوف وحدات حماية المرأة، لم تخبرني؛ لأنها بطبعها كانت كتومة"، تؤكد ابنة عم الشهيدة بارين بوطان، علا عليمة ذلك.

وتشير "في المدرسة كانت متفوقة في صفها وتحب مساعدة جميع أصدقائها، تحب أن تعيش حياة فيها مغامرة وحرية، وكانت ترغب كثيراً في أن تفعل شيئاً في سبيل وطنها، وأن تكون لها بصمة في الثورة، تلقينا التدريب العسكري مع بعضنا البعض وتعلمنا لغتنا الأم معاً أيضاً، امتازت بشخصية وفية ومرحة".

نضالها من أجل الإنسانية والحرية

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2022/08/03/174645_rwnahy-amanws.jpg

تقول صديقتها في النضال، روناهي أمانوس: "تعرفت على المناضلة بارين في الحسكة، كنت أنا أيضاً أعمل في المجلس العسكري، تلقينا تدريباً مشتركاً في بداية مسيرة نضالنا. كانت تردد دائماً بأنه يجب الانتقام للمناضلة بارين كوباني، وإن كانت قد استشهدت بارين فستولد ألف بارين".

وتذكر الأهداف التي كانت تسير عليها الشهيدة بارين بوتان "كانت تريد تحرير جميع النساء من الظلم الذي يتعرضن له، وتردد بأنها ستناضل من أجل ذلك، وتشدد على أنه يجب عليهن عدم قبول العيش في الظلم والاستبداد الذي يتعرضن له على يد الرجال، كانت تريد لنساء ناحية أحرص التحرر من ضغط المجتمع".

وتلفت إلى أن الشهيدة بارين بوتان، كانت منظمة كثيراً في عملها لا تقبل الأخطاء، وانضمت إلى حملات التحرير ضد مرتزقة داعش في دير الزور وشاركت في معركة سجن غويران.

وتذكر ارتباط الشهيدة بارين بوتان بشكل كبير بالشهداء وبفلسفة القائد عبد الله أوجلان، ولسان حالها يردد دائماً مقولة؛ "لم ولن أقبل حياة العبيد، وعلى جميع النساء ألا يقبلن أيضاً بالواقع الذي يعشنه، وسنسير على درب الشهداء وسنحقق مطالبهم".

استشهادها

ارتقت المقاتلة في وحدات مكافحة الإرهاب بارين بوتان شهيدة، إلى جانب قائدة وحدات مكافحة الإرهاب جيان تولهلدان والقيادية في وحدات حماية المرأة روج خابور، اللتين كان لهما اليد الطولى في محاربة مرتزقة داعش، إثر استهداف دولة الاحتلال التركي بواسطة طائرة مسيّرة، سيارة كن يستقلنها أثناء عودتهن من ملتقى ثورة المرأة في الـ 22 من شهر تموز المنصرم، الذي عقد في مدينة قامشلو يومي الجمعة والسبت (22 و23 تموز المنصرم) بمناسبة الذكرى العاشرة لثورة 19 تموز.

(ي م)

ANHA


إقرأ أيضاً