من المستفيد من اتفاقية أضنة، ولماذا أُعيد إحياؤها الآن؟ - خليل جمال

في الآونة الأخيرة، وخاصة بعد محادثات أستانا التي جرت في 19 تموز 2022 في طهران والاجتماع بين الزعيم الفاشي أردوغان وبوتين في سوتشي في 5 آب 2022، برزت اتفاقية أضنة المتعلقة بالوضع في سوريا على جدول الأعمال.

في هذا الإطار، هناك جملة من الأسئلة التي يجب بداية الإجابة عليها؛ ما هي اتفاقية آضنة وتحت أي ظروف وبواسطة من ولأي غرض، وكيف تطورت وما هي المرحلة التي وصلت إليها اليوم؟

في 20 تشرين الأول 1998 تم التوقيع على "اتفاقية تعاون ضد الإرهاب والتنظيمات الإرهابية" بين وفدي سوريا والدولة التركية الفاشية في مدينة أضنة التركية. بالإضافة إلى الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، لعب الرئيس المصري حسني مبارك ووزير الخارجية الإيراني كمال خرازي دورا مهما في هذا الاتفاق. في ذلك الوقت، كان حافظ الأسد رئيسا لسوريا، وكان سليمان ديميريل رئيسا لتركيا، وكان مسعود يلماز رئيسا لوزراء حكومة  اليسار الأم"  التركية.

وقالت السلطات التركية في ذلك الوقت "لولا وساطة مبارك وخرازي لكانت تركيا ستخوض حربا مع سوريا".

اتفاقية أضنة لم تكن ضد الكرد وضد القائد آبو فقط

كما هو معلوم، قبل اتفاقية، وتحديداً في 9 تشرين الأول 1998، اضطر القائد عبد الله أوجلان إلى مغادرة سوريا نتيجة ضغط الدولة التركية الفاشية وحلف شمال الأطلسي. ووصف القائد آبو هذه المرحلة بـ "المؤامرة الدولية". وبهذا التقييم يتبين أن القوة التي تدخلت في العملية لم تكن فقط الدولة التركية. بعبارة أخرى، اعتباراً من مؤامرة 9 تشرين الأول، بدأت فعليا مرحلة احتلال الناتو لسوريا عبر الدولة التركية. ومع اتفاقية 20 تشرين الأول 1998 المسماة باتفاقية أضنة، حصلت الدولة التركية الفاشية على حق رسمي في غزو سوريا.

وعليه، مع مؤامرة 9 تشرين الأول واتفاقية أضنة، وفي شخص القائد آبو، بدأ تدخل الناتو وإسرائيل، بقيادة الولايات المتحدة، ضد المنطقة بأكملها وخاصة سوريا. لذلك، من الخطأ القول إن اتفاقية أضنة تمت فقط ضد القائد آبو والكرد. لأن اتفاقية اضنة كانت علامة نقطة انعطاف مهمة في تنفيذ "مشروع الشرق الأوسط الموسع". سلسلة التطورات التي تمثلت بغزو أفغانستان والعراق وليبيا وهجمات داعش التحركات الإسرائيلية في المنطقة وما إلى ذلك ارتباطًا مباشرا بالمؤامرة والخطوات التي تلت اتفاقية اضنة. لهذا السبب، وبعد المؤامرة، طرح القائد آبو مشروع الكونفدرالية الديمقراطية في الشرق الأوسط  من خلال المرافعات التي قدمها في سجن إيمرالي، باعتباره ركيزة مهمة لإحباط المؤامرة.

مع تجديد الاتفاقية بدأت مرحلة الاحتلال

تم تجديد اتفاقية أضنة في عام 2010 باسم "اتفاقية تعاون ضد الإرهاب والمنظمات الإرهابية" بين الدولة التركية الفاشية وحكومة دمشق. وبحسبها، فإن هذه الاتفاقية، التي تتكون من 23 بنداً، ستكون سارية لمدة 3 سنوات.  وتضمنت أن تتخذ الدولتان التدابير ضد المنظمات التي تشكل خطراً عليها وأن تمنع جميع نشاطاتها، وبشكل خاص ضد حزب العمال الكردستاني، واتفقت الدولتان على عدم السماح بأي تواجد، أو دعم لوجستي وتدريب ونقل أسلحة، والتعاون في العمليات المشتركة وتسليم الأسرى وتبادل المعلومات والوثائق والاستخبارات.

بعد هذا التجديد، في عام 2011، بدأت مرحلة غزو الناتو والدولة التركية الفاشية في سوريا. كانت القوى التي تسمى بالمعارضة السورية على استعداد للإطاحة بحكومة دمشق في إطار مشاريع "التدريب والتسليح" التي أدارتها الناتو في تركيا. مع انتفاضة الإخوان المسلمين في شباط 1982، والتي دعمتها الدولة التركية الفاشية، بدأت تركيا بحصد النتائج المرجوة لاتفاقية أضنة وتجديدها عام 2010. أي أنه مع اتفاقية أضنة وتحديثها، فإنهم وفي شخص القائد آبو وحزب العمال الكردستاني، تغاضوا عن المذابح ضد الكرد، كما أتاحوا للدولة التركية الفاشية الفرصة لتنفيذ مشروع الميثاق المللي والعثمانية الجديدة. لذلك، كان هذا الاتفاق يعني أن حكومة دمشق كانت تعد لنهايتها، بدلاً من التعاون الثنائي والحرب المشتركة ضد الإرهاب.

المثير أنه رغم وجود العشرات من معسكرات المرتزقة على الجانب التركي، فلا يمكن لحكومة دمشق اتخاذ إجراء واحد ضدهم. أولئك الذين تم تدريبهم وتسليحهم في معسكرات المرتزقة تلك يقاتلون ضد حكومة دمشق الحالية. ومع ذلك، لا يمكن لحكومة دمشق أن تتخذ خطوة واحدة ضد هؤلاء المرتزقة الذين تم دعمهم من قبل الدولة التركية الفاشية، وهم أدوات قمع في يد الدولة التركية الفاشية على أراضي سوريا. ليست هناك خطوة واحدة، بسبب "مقتضيات اتفاقية أضنة"، لا يمكن أن تطالب بها حتى، ولا يمكن أن تقوم بعمل واحد في إطار الخطة المشتركة ضد هذه القوات المعادية لسوريا داخل حدود تركيا.

تم استهداف كل من يدعو إلى سوريا ديمقراطية

رغم اتفاقية أضنة والاتفاقيات الموقعة في عام 2010، لم يكن الكرد طرفاً في الهجمات التي بدأت في عام 2011 بدعم من حلف شمال الأطلسي وتركيا الفاشية للإطاحة بحكومة دمشق. أرادت القوى التي تم تنظيمها تحت اسم المعارضة السورية أن تجعل الكرد شركاء في هذا المشروع مع الدولة التركية الفاشية في الحكومة الجديدة. واصبح الكرد الذين ينتهجون الخط الثالث الذي وضعه القائد آبو، وتحت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، هدفاً لهجوم المرتزقة والدولة التركية الفاشية، لأنهم و من خلال حماية سلامة الأراضي السورية في مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا وروج آفا، ظلوا أوفياء للنضال من أجل سوريا ديمقراطية. في البداية مع جبهة النصرة ثم بهجمات داعش، حاولوا القضاء على الكرد ومناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية. والمشاكل التي تم إثارتها في هذه المراحل معروفة وكذلك مستوى تطور الإنجازات التي تحققت معروف. على الرغم من كل أوجه القصور فيه، فإن الهيكل المستقل لشمال وشرق سوريا كان مصدر إلهام ليس فقط  للكرد، بل لجميع شعوب المنطقة وحتى للبشرية. وبسبب دخول `` نموذج الديمقراطية البيئية وحرية المرأة '' للقائد آبو حيز التنفيذ، فإن الدولة التركية الفاشية والقوى العالمية مثل روسيا، وخاصة الولايات المتحدة / الناتو، التي انحازت إليها، بدأت بشن هجمات سرية وعلنية ضد الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.

اتفاقية الخيانة ضد كل الشعب السوري

وتم احتلال عفرين وسري كانيه وكري سبي على هذا الأساس. زادت الدولة التركية المحتلة الفاشية من هجماتها الاحتلالية بزعم أنها تتماشى مع اتفاقية أضنة، وحكومة دمشق التي ادعت أنها ذات سيادة، التزمت الصمت في وجه هجمات الدولة التركية الفاشية أو أصبحت شريكة في هذه الهجمات. من تصريحات الدكتاتور الأخير الفاشي أردوغان وأتباعه، يمكن ملاحظة أن إدارة دمشق هي أيضا شريك رئيسي في هذه الهجمات. وفي مقابل معارضة قوى الديمقراطية في مرحلة التحالف هذه، ضم العثمانيون الفاشيون في كل خطوة جزءا من أراضي سوريا. إدارة دمشق، التي كانت تقول إن  "لواء اسكندرون أراضي سورية"، قادرة على حماية أراضيها السيادية. لذلك، فإن هذا الاتفاق ليس فقط ضد الكرد، ولكن أيضا ضد الشعب السوري بأكمله.

تم إثارة اتفاقية اضنة قبل احتلال سري كانيه وكري سبي

في 23 كانون الأول 2019، اجتمع الرئيس الروسي بوتين مع زعيم المرتزقة الفاشية أردوغان في موسكو. بعد لقائه مع أردوغان، وصف اتفاقية أضنة بأنها صيغة مؤقتة لبدء مفاوضات مباشرة مع نظام بشار الأسد في سوريا. بعد ذلك بيوم، قال الزعيم الفاشي أردوغان إنه "يجب الإصرار على اتفاقية أضنة" وخلال زيارته لصربيا في 7 و 8 تشرين الثاني 2019، قال أيضًا "نحن هناك بناء على اتفاقية اضنة". .. إذا لم يتخذ النظام إجراءات ضد حزب العمال الكردستاني، فإن لقواتنا الحق في ملاحقتها ". مع اتفاقية سوتشي الموقعة بين روسيا وتركيا في 22 تشرين الأول 2019، صرحت روسيا أنها ستسهل العمل وفق اتفاقية أضنة.

كما تم إثارة الموضوع في سوتشي وطهران

بعد الاجتماع في طهران في 19 حزيران 2022، التقى رئسي والزعيم الفاشي أردوغان وبوتين، وكذلك اجتماع طهران في 5 تموز 2022  بين وبوتين وأردوغان في سوتشي، تم إثارة قضية تجديد اتفاقية أضنة وتطوير العلاقات مع حكومة دمشق. نشهد اليوم تطورات مهمة في هذا السياق. بعد مباحثات طهران وسوتشي، تصاعدت الهجمات على شمال وشرق سوريا. حيث اتضحت إجابة سؤال،  ماهية الاتفاقات التي تم التوصل إليها في سوتشي وطهران، وذلك من خلال الهجمات التي المتصاعدة يوماً بعد يوم. يقر المتحدثون باسم الحكومة الفاشية لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية بأن العلاقات مع الحكومة والاستخبارات في دمشق تعتمد على تفاهمات سابقة. المدعو دوغو برينجك، المكلف من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، قال إنه سيذهب إلى دمشق الشهر المقبل.

في هذه المرحلة، يتم تداول إن حكومة دمشق دخلت في تحالف عسكري مع قوات سوريا الديمقراطية ضد هجوم إرهابي محتمل من قبل الدولة التركية الفاشية، إلا أنها تشارك المعلومات الاستخباراتية مع تركيا الفاشية ضد الإدارة الذاتية. من ناحية، تجبر روسيا حكومة دمشق والإدارة الذاتية على المباحثات، ومن ناحية أخرى، تواصل السعي للتوصل إلى اتفاق مع تركيا الفاشية. من ناحية أخرى، فإن الحكومة الفاشية لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، التي تصرح بأنها تقوم بالتحضيرات لاحتلال شمال وشرق سوريا، فإنها من آخر تؤكد أنها لم تتوقف عن هجمات الإبادة عبر الطائرات بدون طيار والمدفعية. الزعيم الفاشي قال بعد طهران وسوتشي إن "على الولايات المتحدة الانسحاب من شرق الفرات" فإنها تسعى إلى شن هجمات من شانها إفراغ روج آفا من الكرد.

يضحون بالشعوب من أجل مصالحهم

بالتزامن مع الحرب في أوكرانيا، كانت هناك مشاكل كبيرة لروسيا في المجالات الاقتصادية والمالية والعسكرية والسياسية، ولكن أزمة الحبوب من ناحية، وأزمة الطاقة من ناحية أخرى تتحول إلى سلاح. إدارة بوتين، التي تريد الحد من آثار الحصار الحالي، تشجع عداء حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية الفاشية ضد الكرد. سواء في الاجتماعات الثنائية أو خلال لقاءات الوفود، تحول روسيا العداء التركي الفاشي تجاه الكرد إلى سلاح لكسر الحظر المفروض من قبل الناتو. لهذا السبب، فإن الدولة التركية الفاشية تستخدمها لمصالحها الاقتصادية والسياسية. كما رأينا في قمة الناتو في مدريد، لا يختلف نهج الناتو وخاصة الولايات المتحدة كثيرا عن نهج روسيا. هذان الهيكلان العالميان الأساسيان، اللذان يعلن كل منهما الآخر عدواً رئيسياً، ويمارسان هذا العداء من خلال التضحية بالشعوب، ويتبعان سياسة مماثلة في سوريا. إنهم لا يترددون في التضحية بالشعوب من أجل مصالحهم.

رغم كل ذلك، لم تتوقف الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عن البحث عن علاقات تحالف، داعيةً إلى تعبئة واسعة لأبناء شمال وشرق سوريا، ليس فقط ضد هجوم محتمل، ولكن أيضا ضد جميع اشكال الهجمات العسكرية والاقتصادية والثقافية، والسياسية، إلخ. في الواقع الراهن للعالم،  فإن النظم الرأسمالية العالمية ليس لديها أي نهج سوى استخدام الشعوب لمصالحهم الخاصة. بالإضافة إلى الحروب التي لا تنتهي اليوم في ليبيا وسوريا واليمن والآن في أوكرانيا، تظهر الفوضى في أجزاء كثيرة من إفريقيا، مقاربة الحداثة الرأسمالية العالمية بكل أبعادها. هذه القوى التي دمرت البحار والأنهار والغابات تحاول الآن إنهاء عالمنا بالتهديدات بحرب نووية. لذلك، من يريد أن يتعايش مع السياسات المتعلقة بهذه القوى، فإن أحلامه ستفشل سريعاً.

سينهار حزب العدالة والتنمية / حزب الحركة القومية كما انهار الأخوان المسلمين

في الوقت الراهن فإن القوات التي تطلق على نفسها اسم الجيش السوري الحر، تحطمت أحلامهم بالتزامن مع السياسات الأخيرة للدولة التركية الفاشية في سوريا. الأوساط السياسية والاقتصادية في العراق، التي تحاول التواصل مع الدولة التركية الفاشية من خلال الحزب الديمقراطي الكردستاني والتركمان السنة، تعاني من نفس الاستياء من الفوضى العميقة في العراق. يبدو أن القوى الفاشية التابعة لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية سوف تنهار بنفس الطريقة التي انهارت بها جماعة الإخوان المسلمين. عدا عن العلاقات المشرفة القائمة على المبادئ وتقرير المصير، من الواضح أن جميع الأساليب العملية والعلاقات والتحالفات القائمة على المصالح الحالية ستؤدي إلى نفس النتيجة.

لهذا السبب، هناك خيار واحد فقط لشعوب شمال وشرق سوريا الذين يقاتلون من أجل حياة حرة. الحل هو أن الاتحاد حول شعار "حان وقت الحرية" الذي يتطور من خلال التنظيم وأشكال العمل وفق استراتيجية حرب الشعب الثورية.