محمد شيخو .. أيقونة نقلت مأساة الشعب وعشق الوطن عبر الأغنية

على وقع الآلام التي عاشها في المعتقلات وجحيم النزوح في وطنه كردستان، تحول محمد شيخو الذي تغنّى بتفاصيل مجتمعه، وعشقه للوطن والحرية إلى أيقونة للفن الكردي بعد 31 عاماً من رحيله.

ولد الفنان والمؤلف الكردي محمد شيخو في قرية خجوكي جنوب غرب مدينة قامشلو عام 1948، تربّى في عائلة مؤلفة من 14 فرداً (الأب والأم وستة أولاد وست بنات)، وهو الابن الأكبر، أغرم بطالبته نسرين حسين ملك إلى حد العشق، وغنى لها أغنيته المشهورة "Nisrîn"، ثم تزوجها وأنجب منها أربعة أطفال (فلك، إبراهيم، بروسك، بيكس).

درس الابتدائية في مسقط رأسه قرية خجوكي، والإعدادية في مدينة قامشلو، وتقول أخته عمشة شيخو "حاز الراحل محمد شيخو على ريشة ذهبية (قلم) بعد تفوقه على مستوى المدرسة".

ورغم أنه كان مجتهداً في دراسته، إلا أنه لم يكملها نتيجة ارتباطه وعشقه لآلته الموسيقية "البزق" وليس سوء الوضع المادي للعائلة بحسب ما أكده صديقه الفنان سعد فرسو.

في عام 1965 أصيب محمد شيخو بمرض في عينيه،  تسبب بحدوث نقص في الرؤية لديه، وعليه تم إعفاؤه من أداء الخدمة الإلزامية لدى النظام السوري حينها.

ꞌمحمد شيخو فنان العشق والوطنꞌ

محمد شيخو الفنان المغني لآلام ومآسي ومعاناة الوطن، عُرف بفنان الفقراء، فنان العشق والغرام، المغني لكردستان والخادم لقضية الشعب الكُردي، سلّط الضوء من خلال أغانيه على ما يتعرض له أبناء الشعب الكردي في الأجزاء الأربعة من كردستان من اضطهاد من قبل السلاطين الحاكمين لها.

وأشارت أخته عمشة شيخو البالغة من العمر الآن 70 عاماً، والتي تعيش في قرية تمويا القريبة من مدينة قامشلو، إلى إن محمد شيخو بدأ مشواره الفني عندما كان شاباً يافعاً، وأضافت: "كان يأتي بكالونات الزيت والخشب وخيوط من جدائل الأحصنة لصناعة آلة البزق وأوتارها من أجل العزف عليها".

ꞌعاش حياته في ترحال بسبب ملاحقته امنياًꞌ

قضى محمد شيخو حياته بين الحِلّ والترحال، متنقلاً ونازحاً وهارباً من الملاحقة الأمنية، فتوجه إلى العاصمة اللبنانية بيروت عام 1970، وبقي فيها حوالي 4 أعوام وأحيا فيها العديد من الحفلات والأمسيات الغنائية، تعرّف خلالها على عدد من أشهر الفنانين العرب، منهم فيروز ووديع الصافي وسميرة توفيق.

وخلال السنوات التي قضاها في لبنان،  زار محمد شيخو العراق مرتين سجّل فيه بعض أغانيه في القسم الكردي في إذاعة بغداد، وتعرف على الفنانين الكرد هناك، من أمثال تحسين طه، محمد عارف جزيري، عيسى برواري، كما التقى في زيارته الثانية التي كانت عام 1973 مع الملا مصطفى البارزاني.

ꞌسجل أول ألبوماته عام 1974ꞌ

وفي سنة 1974 عاد إلى سوريا وسجّل أول ألبوماته في العاصمة السورية دمشق، وبسبب مضمون أغانيه القومية تعرض للملاحقة من قبل النظام السوري البعثي.

الفنان الكُردي سعد فرسو الذي تأثر بالفنان محمد شيخو قبل أكثر من 51 عاماً، يعمل الآن في محله ديلان للآلات الموسيقية، الكائن على الشارع العام في الحي الغربي لمدينة قامشلو، والذي افتتحه قبل 24 عاماً، يقول: "في الوقت الذي قلّ فيه الفنانون في زمن الصعوبات، وخاصة بعد السبعينيات لم يكن أي كردي يجرؤ على التفوه بكلمة كُردي، كان الفنان محمد شيخو يتعرض للملاحقة من قبل النظام السوري نتيجة أغانيه، ولم يخضع لأحد إنما أراد أن يكون صوت مجتمعه".

ونتيجة لملاحقة النظام السوري له، اضطر محمد شيخو إلى  التوجه إلى باشور كردستان عام 1974، والتحق بصفوف البيشمركة التي كانت تخوض ثورة ضد النظام العراقي.

بعد فشل ثورة البارزاني في العراق بقيادة الملا مصطفى البارزاني نتيجة اتفاقية الجزائر التي وُقّعت بين العراق وإيران في 6 آذار عام 1975، وإيقاف الطرف الإيراني دعمه للبارزاني، حط محمد شيخو رحاله نازحاً في الجزء الآخر المتقطع من وطنه كردستان في روجهلات (شرق كردستان) وزار مدينة مهاباد وسجّل فيها ألبومه الثاني، وإحدى أهم أعماله (أي فلك Ey Felek).

ꞌنفي بسبب أغانيه القوميةꞌ

وبسبب مضمون أغانيه السياسية والقومية، طالبت السلطات الإيرانية  محمد شيخو الكف عن الغناء، وتم نفيه إلى مدينة كردية بالقرب من بحر قزوين على حدود أذربيجان، فتعلّم اللغة الفارسية هناك.

وفي هذه القرية، قام محمد شيخو بتدريس اللغة العربية في إحدى المدارس الثانوية، وهناك أُغرم بطالبته نسرين حسين ملك ابنة أحد زعماء بيشمركة جمهورية مهاباد وتزوجها.

الفنان سعد فرسو أشار إلى أن محمد شيخو لم يستطع الغناء في إيران أيضاً، نتيجة قمع السلطات الإيرانية له، وأضاف: "أرسل محمد شيخو عدداً من أشرطة الكاسيت، ومن ضمنها كانت أغنية "xem u xeyale te ez revndim"، التي أحدثت ضجة بين أهالي مدينة قامشلو، لأن البعض قالوا إن السلطات الإيرانية قطعت يديه أو أصابعه، لكن لم يتسنى لهم معرفة ما حدث معه، نتيجة انقطاع الأخبار عنه".

أغاني القامة الكردية محمد شيخو القومية كانت سبباً في حمل عبء الاعتقال والتعذيب والنفي من قبل النظام البعثي الذي لاحقه على الدوام، فنقل النغم الكردي من الظلمات إلى النور، ومن الزاوية الفلكلورية إلى آفاق فنية أوسع، وطور من خلال إبداعاته  مدرسةً غنائيةً، وشكل لوحة موسيقية فسيفسائية كردية في سوريا.

 

ꞌكان له دور في تطوير الفن الكرديꞌ

ولفت سعد فرسو أن الراحل محمد شيخو كان له دور مع غيره من الفنانين الكرد في تطوير الفن الكردي وتوسيع مقاماته، وإضافة بعض المقامات الأخرى عليه مثل شر عربان، عجم، نهاوند، مقامات غربية بطابع وإيقاع كردي أعطت روحاً للنغمة الكردية، وقال: "هو لم يكن مجرد فنان بل رمزاً رسم معاناة شعبه".

وبعد معاناة مريرة في إيران واتهامه  بالشيوعية عقب قيام الثورة الإسلامية عام 1979، أحيل محمد شيخو إلى محاكم الحرس الثوري ولكن تم تبرئته لاحقاً، وفي هذه الفترة كانت السلطات السورية قد أعفت عنه، فعاد عام 1983 إلى مدينة قامشلو مع عائلته.

ورغم أن النظام السوري قد أعفى عن محمد شيخو، لكنه ظل ملاحقاً من قبل أجهزتها الأمنية المختلفة، وفي هذا السياق تقول شقيقته عمشة أنها ساعدته على الاختباء في منزلها بقرية تمويا مدة عام كامل، وأضافت: "ذات يوم داهمت دورية تابعة للأمن السياسي للنظام السوري المنزل، سارع الفنان محمد شيخو بالوصول إلى سطح المنزل والاختباء تحت أكياس الشحوار، كي لا يراه أحد".

الفن الكُردي تعرض لإنكار تام وحظر مطلق في سوريا، وذلك لتطبيق الإبادة الفنية مرفقة بسياسات الصهر، بحيث لم يُتح أمام الكُرد حتى ولو فتح مدرسة فنية موسيقية، يُحيوا فيها وجودهم الثقافي، حيث دُمّر وأُفني كل ما عُدّ أنه ينبغي تدميره وإفناؤه من بين العناصر المعنية بالكردايتي، لمحو وجود النغم الكُردي.

عمشة أوضحت أن محمد شيخو تعرض للاعتقال مرات عديدة من قبل النظام السوري، وتقول: "سجن مرة في سجن مدينة الحسكة، وتعرض فيها للتعذيب مدة 15 يوم، حيث طلبوا منه ترك الغناء والفن تحت تأثير التعذيب لكنه كان قد حسم أمره وقال: لن أتركها مهما فعلوا".

ꞌهُدد بقطع لسانه وأصابعهꞌ

وبينت عمشة أنه اعتُقل مرة أخرى في مدينة ديريك وهددوه بقطع لسانه، وأصابعه، فقال لهم إن قطعتموها سأعزف على البزق بأصابع قدمي.

وتميزت أغانيه بأنها كانت ذات طابع قومي وثوري بحت، إذ أنه كان ينقل للسامع قصة الشعب الكردي وما يعانيه ،ويسردها على شكل أغنية.

وفي هذا الإطار يقول سعد فرسو: "محمد شيخو دعا من خلال أغانيه إلى الحرية فغنى "azade şêrîn" وغنى عن مظلوم دوغان، وعن كُردستان "ay lê gulê".

ولفت فرسو إلى أغنية "bexçê gula" وقال إنه يسرد فيها صعوبة الطريق وكيفية تخطيها، وأضاف "في أغانيه كم هائل من الآلام والمآسي، فعندما تسمع أغانيه تشعر بنوع من الحزن والألم؛ لم أجد بزقاً يعزف بهذا الحس العالي، له خصوصية وخيال فني في خدمة القضية الكردية، وحنجرته تصدح بآلام ومآسي الكرد".

وبعد عودته إلى سوريا، افتتح محمد شيخو عام 1987 استوديو باسم "تسجيلات فلك" على طريق عامودا، ولم تمر عدة أشهر حتى تم إغلاقه بالشمع الأحمر، ثم اعتقل مع شقيقه بهاء من قبل أجهزة أمن الدولة.

وما زال الاستوديو مغلقاً وفي داخله كافة أشرطة الكاسيت.

وفي 6 آذار عام 1989 أصيب محمد شيخو بنوبة قلبية عقب خروجه من سجون النظام البعثي، وأُسعف إلى المشفى الوطني في مدينة قامشلو، وعلى إثرها فارق الحياة في صبيحة 9 آذار، تاركاً خلفه إرثاً فنياً في 120 أغنية.

وتقول عمشة شيخو إن "النظام السوري استخدم عنفاً ممنهجاً ضده، واستخدم الكهرباء لتعذيبه، وغرز الإبر في أصابعه، وعذبه بمختلف الأشكال، وعند وفاته كانت قدماه مزرقتان نتيجة التعذيب الشديد".

وشُيّع جثمان محمد شيخو من قبل عشرات الآلاف في مدينة قامشلو، ووُري الثرى في مزار الهلالية، وفي كل عام يستذكر أهالي المدينة وفنانوها محمد شيخو في الـ 9 من آذار بزيارة ضريحه، وذلك تلبية لما قاله في إحدى أغانيه.

وتقول الأغنية "gava ez mirim gelî zindiya, min ne veşêrin wekî hemîya. Hemî adara min şiyar kin" وتعني الأغنية باللغة العربية "إذا مت يوماً، لا تدفنوني كما موتاكم، كلما جاء آذار أيقظوني لأعتصر لكم الألم بصوتي".

ꞌذكراه باقيةꞌ

سعد فرسو أكد أن محمد شيخو الذي كان يدعو إلى الوحدة في أغانيه، لو كان موجوداً اليوم لكان رفض هذا الوضع الذي يمر به الشعب الكُردي، وقال: "إن الأغنية الكردية اليوم متطورة، ولكن محتواها لا يسير وفق خطوط المرحلة، فالمرحلة أخوية والفن يجب أن يعزف على إيقاع الكُردايتي".

وفي عام 2011 وعقب انطلاق ثورة روج آفا، وتخليداً لذكرى محمد شيخو افتتح أهالي المدينة مركزاً ثقافياً باسمه، تنظم 6 فرق موسيقية وغنائية وراقصة نفسها ضمنه.

واليوم وبعد مرور 31 عاماً على رحيل الفنان محمد شيخو لا يزال صوته يُسمع في كل الأرجاء، وكأنه حي، وتُسمع أغانيه الآن أكثر من قبل.

ANHA


إقرأ أيضاً