مباحثات الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني والمخاوف التركية

كل مبادرة أو مسعى لتوحيد الصف الكردي، تقض مضاجع الدولة الفاشية التركية، فتبدأ بحبْك وتنفيذ مخططاتها القذرة، وهي نفس السياسة المتبعة منذ قدوم الأتراك من آسيا نحو الأناضول، الذين عمدوا دائما إلى ممارسة هذه السياسة ليس فقط ضد الشعب الكردي بل ضد جميع شعوب المنطقة، بهدف تعزيز وجودهم وبقائهم في المناطق التي يحتلونها.

بدءاً من السلاجقة وحتى العثمانيين، ومن العثمانيين وحتى الأتراك الحاليين، فإن الاستيطان التركي في الأناضول جرى عبر سياسات التهجير ضد شعوب المنطقة، أو قتل الملايين من أبناء تلك الشعوب.

منذ تاريخ الجمهورية التركية قامت العشرات من الانتفاضات الكردية، وتم القضاء عليها جميعاً بالقتل والدم، لأن حكام الجمهورية ورثوا أعمال وممارسات القتل والنهب من أجدادهم العثمانيين، الأتراك البيض ومنذ بداية تأسيس الجمهورية، ورثوا ارتكاب المجازر من الاتحاد والترقي وارتكبوا المجازر بحق الأرمن والسريان، وتم تطبيق نفس المخطط على الكرد والرومان عبر مشروع (إصلاح الشرق)، حيث كشفت الجمهورية للعالم أجمع ما هي الذهنية التي تلتزم بها وتسير عليها.

الدولة التركية قامت بتحييد جميع شعوب الأناضول مثل الأرمن والشركس واللاظ والسريان عبر المجازر والإبادة وعمليات التهجير والصهر القومي، وبعد تحييد هذه الشعوب توجهت بشكل أكثر شراسة إلى الشعب الكردي، وحاولت القضاء عليه جسدياً، وإن لم يتم ذلك، فيجب القضاء على وجوده عبر صهره ثقافياً.

 وحشية وعنجهية تركيا البيضاء، بدأت بارتكاب المجازر ضد انتفاضة الشيخ سعيد، مروراً بانتفاضة آكري وزيلان وديرسم، وفيما بعد وفي زمن حزب العدالة والتنمية، انتقلت وحشية الأتراك البيض إلى الأتراك الخضر، ولا زالت هذه السياسة مستمرة إلى يومنا هذا.

ورغم جميع المجازر وجرائم الإبادة، إلا أنهم هُزموا في مواجهة الشعب الكردي، لذلك تحالف كل من الأتراك البيض والأتراك الخضر ممثلين بحزب العدالة والتنمية وحزب الشعب القومي، وأصبحوا يسيرون على ميراث الدولة التركية، ويفرضون حرباً خاصة، مستخدمين ومستنفرين كافة إمكانات وقدرات الدولة، ولا تزال هذه الحرب مستمرة إلى يومنا هذا.

تحالف حزبي العدالة والتنمية والحزب القومي الفاشي أعلن وبشكل علني وفي كل فرصة أتيحت، أنه لا يتقبل الشعب الكردي، وأن وجود الشعب الكردي هو مشكلة مصيرية بالنسبة له، وبهدف القضاء عليه وإنهاء وجوده وصلت فاشية الدولة التركية إلى ذروتها.

دكتاتورية الفرد الواحد تصرفت وفق مبدأ "إذا كان الموضوع يتعلق بالدولة، فإن  الأشياء الأخرى غير مهمة"، وقاموا بتضخيم دكتاتورية الفرد الواحد عبر النزعات والمشاعر القومية، في مسعى إلى شرعنتها داخل المجتمع، ومع إضفاء الشرعية على الفاشية والدكتاتورية، تصاعدت الممارسات الفاشية ضد الشعب الكردي ووصلت إلى حد ارتكاب المجازر.

ولكن، ورغم كل أساليب القمع الفاشية ومجازر الإبادة ضد الشعب الكردي، فإن معضلة الكرد الأساسية والكبرى هي عدم تحقيق وحدتهم، وعدم التصدي بشكل موحد لهذه الهجمات.

أردوغان الفاشي الذي يقود حزب العدالة والتنمية، يحاول كسب بعض الكرد إلى جانبه، ويحاول مرة أخرى ضرب الكرد بالكرد من أجل إلحاق الهزيمة بهم، ولا زالت هذه السياسة تشكل عائقاً كبيراً أمام الكرد.

خلال القرن العشرين وظروف الحرب العالمية الثالثة، ظهرت فرصة تاريخية للشعب الكردي لتحقيق وحدته، ومحاسبة القوى الفاشية والمحتلين، وذلك لأن الكرد قادوا خلال هذه الفترة مقاومة قل نظريها ضد تنظيم داعش الفاشي، هذه المقاومة دفعت شعوب المنطقة وشعوب العالم، إلى دعم ومساندة الشعب الكردي بشكل لم يشهد له التاريخ مثيلاً، الحرب العالمية الثالثة دفعت شعوب العالم إلى تطوير العلاقات والتحالفات مع الشعب الكردي.

مساعي وحدة الصف الكردي التي بدأت منذ عام 2013، وصلت في يومنا الراهن إلى مراحلها النهائية والحاسمة، ولكن بعض الأطراف وقعت مرة أخرى ضحية المخططات الفاشية للدولة التركية، وقبلت الخنوع للدولة التركية وأدارت ظهرها لآمال وطموحات الشعب الكردي، وبهذا الشكل عملت على إفشال مساعي وحدة الصف الكردي.

في يومنا الراهن ظهرت فرص جديدة، فالأوضاع الراهنة أكثر ملائمة من عام 2013 لتحقيق الوحدة الكردية، ولكنها في نفس الوقت أصعب منها، فقد حاربت القوات الكردية بعد عام 2013 في نفس الجبهة، وناضلت جميع الأطراف الاجتماعية كتفاً إلى كتف ضد مرتزقة داعش التي كانت تشن الهجمات، ومنذ ذلك الوقت تعززت قوة الشعب الكردي وقوة ثورة روج آفا، وذاع صيت السياسة الكردية وصيت قوات الدفاع الكردية في المحافل الدولية، وباتت قضية حقوق الشعب الكردي وحريته تشغل بال الرأي العالم العالمي.

طبعاً من الواضح أن العدو لن يقبل بهذه التطورات، وسيفعل كل ما بوسعه من أجل وضع العراقيل أمام هذه التطورات، وحملات الاحتلال التي بدأت باحتلال كركوك وعفرين واستمرت باحتلال سري كانيه وكري سبي، أمثلة حية على المساعي والمخططات التركية.

كما أن المؤامرة الدائرة في منطقة زينه ورتي في جنوب كردستان، هي أيضاً مساع ملموسة تكشف عن حقيقة الأهداف التركية، فهي من جهة تهاجم وتحتل وتقتل وتهجّر، وإن لم تنجح في تحقيق مساعيها، تقوم ببث التفرقة وتضرب الكرد بالكرد وتضعف قوتهم وبالتالي تسيطر عليهم، هذه هي السياسة التي تتبعها الجمهورية التركية الفاشية منذ مئة عام.

في ظل كل هذه الأوضاع هناك مباحثات تجري بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي في سوريا، والتي يمكن أن تكون بمثابة خطوة أولى نحو تحقيق الوحدة ضد سياسة الإبادة والاحتلال التي تمارسها الدولة التركية. ومن أجل تحقيق ذلك لا بد من تحقيق جملة من الشروط، أهمها أن يبدي الجميع رغبة صادقة في تحقيق الوحدة.

 ومما لا شك فيه أن الوحدة الكردية هي رغبة وأمل كل شخص، وما تبقى ليست بالأمر المهم، لا يوجد ما لا يمكن للكرد التشارك فيه، نعم لا يوجد، حيث لم يتم الاعتراف بعد بوجود وهوية وثقافة ولغة الشعب الكردي، فالنسبة لشعب كبير وأصيل لم يتم الاعتراف بعد بوجوده وثقافته، لا يمكن الحديث عما يمكن أن يخسره هذا الشعب.

الشيء الذي يمكن أن نخسره اليوم هو النضال من أجل الحرية التي تم تحقيقها بتضحيات الملايين من أبناء الشعب الكردي، وكذلك فرصة الحرية التي أوجدها هذا النضال، فإذا فشل الكرد في تحقيق وحدتهم، فإنهم سوف يخسرون فرصة وآمال تحقيق الحرية.

وفي هذه النقطة بالذات تسعى الدولة التركية إلى عرقلة جهود ومساعي تحقيق الوحدة الكردية، كما فعلت في عام 2013 عندما عرقلت المساعي التي بدأت وقتها في جنوب كردستان، لأن الدولة التركية تعدّ الوحدة الكردية بمثابة الموت بالنسبة لها، فاستنفرت جميع إمكانات وقدرات الحرب الخاصة، لذلك فإن الإجراء الأكثر نجاعة لمواجهة هذه الهجمات ومساعي بث الفتنة والتفرقة وفي مثل هذه الظروف هي مواصلة مساعي تحقيق الوحدة الوطنية.

من الأهمية بمكان وخلال هذه الفترة وضع المصالح والحسابات الصغيرة جانباً، وعدم التصرف وفق المصالح الحزبية، يجب ألا تبقى المباحثات واللقاءات محصورة بحزبين فقط، يجب أن تشارك فيها جميع الأحزاب السياسية وجميع المنظمات الاجتماعية وكذلك أبناء المجتمع.

بدايةً يجب توحيد الموقف والرأي حول المبادئ الأساسية، لكي تستمر هذه المرحلة بشكل صائب وصحيح وتصل إلى نتيجة، هذا الشرط يفرض نفسه لأنه شرط لا يمكن التراجع عنه.

ومن الأمور المهمة الأخرى في هذا الموضوع هو الدور المهم والتاريخي الذي يقع على عاتق الإعلام الكردي، إذ يجب على الإعلام الابتعاد عن كل ما من شأنه إعاقة وعرقلة وإفشال الوحدة الكردية.

لأن الحرب التركية الخاصة تمارس مختلف الأساليب والوسائل الخفية والمكشوفة، من أجل تصفية ثورة روج آفا سواء في الداخل أو في الخارج، وقد استنفرت جميع إمكاناتها في سبيل تحقيق ذلك، كما بدأت بالتدخل من أجل إفشال المباحثات التي بدأت في الأيام الأخيرة.

يجب ألا يتصرف الإعلام من أجل نشر الأخبار فقط، لأن ذلك لا يعنى سوى التغافل.

لذلك من الأهمية بمكان بالنسبة للإعلام تناول المساعي والجهود المتعلقة بالوحدة الكردية بروح المسؤولية التاريخية، يجب ألا ننسى أبداً أننا إذا تصرفنا بروح المسؤولية، فإننا سوف نساهم بشكل كبير في تمهيد الدرب التاريخية التي ستوصل الشعب الكردي إلى حريته، وعكس ذلك سيؤدي إلى ارتكاب ذنب كبير.

(ك)