ما يسمى الائتلاف هو عصارة قرن من العداء للكرد والتحول الديمقراطي في المنطقة

مصطفى علو

سيكون النظر إلى ما يسمى بالائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في إطار زمني محدود متعلق بتاريخ الإعلان عنه وحتى وقتنا الراهن ناقصاً، وأي تحليل لهذا الكيان بدون بحث سريع في تاريخ تركيا الحديثة وسياسات القوى الاستعمارية في كردستان القائمة على التفرقة بين ثقافات المنطقة الأصيلة سيشكل مغالطة كبيرة.

كانت القوتان الاستعماريتان التقليديتان (إنكلترا وفرنسا) وبالأخص إنكلترا منهمكتان بتفتيت الإمبراطورية العثمانية (الرجل المريض) قبيل الحرب العالمية الأولى (1914- 1918) ويمهدان الطريق أمام تشتيت منطقة الشرق الأوسط إلى دويلات متناحرة.

وبالفعل تحقق لإنكلترا ما سعت إليه عندما نجحت إلى حد بعيد في تطبيق سياسة (فرّق تسد) على عموم المنطقة والعالم الذي كانت شعوبها يوماً ما لا تعرف الحدود السياسية والأسلاك الشائكة، وكانت متعايشة وفق أسس حياة تشاركية قائمة على التكامل لا التنافر.

ومن أجل الوصول إلى هدفها، كان نموذج الدولة القومية أفضل أداة بيد السلطة. وبدلاً من وجود أمة عربية صيّر العالم العربي إلى 22 دولة كما حدث في أوروبا أيضاً عقب حملات نابليون بونابرت العسكرية.

وكان الدور المناط بجمعية الاتحاد والترقي هو التمهيد لتقسيم المنطقة إلى دول وذلك عندما لعبت دوراً رئيساً في الإعلان الجمهورية التركية الحديثة عام 1923 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المنهارة. وكان تأسيس الجمهورية بداية تقسيم المنطقة التي أقحمت شعوبها في دوامة البحث عن دولة قومية اعتقدت أنها الخلاص وصمام الأمان لوجودها.

بالطبع، للوصول إلى دول قومية متناحرة، كان لا بد أولاً من تأليب الشعوب على بعضها وتفتيت النسيج الاجتماعي والثقافي المتماسك للمنطقة، ولعبت الأولوية الحميدية التي شكلها عبد الحميد الثاني دوراً بارزاً في ذلك، وفيما بعد جمعية الاتحاد والترقي، التي ارتكبت في فترة هيمنتها المجازر بحق الأرمن والمسيحيين في تركيا.

بعدما تحقق لقوى الهيمنة مرادها إلى حد بعيد عبر أداتها في المنطقة وهي الدولة التركية ونجاحها في القضاء على الأرمن (1914- 1915) وارتكباها المجازر بحق العرب وباقي الثقافات الأصيلة في الشرق الأوسط، بقي الكرد الذين لم يكونوا خارج دائرة المجازر شوكة في حلق النظام المهيمن.

ورأت القوى الاستعمارية وأداتها التنفيذية في الشرق الأوسط، الدولة التركية، أن تحقيق الهيمنة المطلقة يمر من إبادة الكرد وإزالتهم من الوجود.

ومنذ ذلك الحين، أي على مدى قرن كامل من الزمن، لا تزال تركيا ومن ورائها القوى الكبرى تعمل جاهدة على إكمال ما بدأته من مخطط لإبادة الكرد وخلق العداوات بين شعوب المنطقة. وما مشروع إصلاحات الشرق الذي أطلقته الدولة التركية عام 1925 إلا غيضاً من فيض في مخطط الإبادة بحق الكرد.

عُمل بشكل رئيس على تتريك المناطق الواقعة غرب نهر الفرات في شمال كردستان. وانتهجت تركيا سياسات تراوحت بين العنف المفرط وصولاً إلى حد ارتكاب المجازر ومروراً بعمليات الصهر والإبادة الثقافية.

مجزرة ديرسم والقمع الوحشي لانتفاضات الشيخ سعيد وسيد رضا وإجبار الكرد على التوجه إلى المدن التركية، حيث يجري تذويب الكرد ثقافياً وتتريكهم بشتى الوسائل، ما هي إلا أدلة على تلك العقلية الفاشية القائمة على الإنكار.

وبعد نحو 15 عاماً من عمليات الإبادة أي بحدود عام 1940 كادت الأصوات التي تنادي بالكردايتية تلفظ أنفاسها الأخيرة في كردستان. ولكن مع بروز حركة التحرر الكردستانية عام 1978 دخل النضال الكردي مرحلة جديدة قائمة على إثبات الوجود وإحياء الهوية القومية والثقافية والمجتمعية للكرد والتركمان على وجه الخصوص.

هذه المرحلة، أدخلت القوى المهيمنة في أزمة حقيقية، وما الانقلاب العسكري في 12 أيلول عام 1980 إلا ردة فعل تلك القوى ضد الهوية الكردية الجديدة البارزة إلى الوسط. ومن منظور القوى المهيمنة كان لا بد من القضاء على هذه الحركة الجديدة وكتم أنفاسها وسد الطريق أمام رياح التغيير بأية وسيلة كانت.

لم تتغير عقلية القوى المهيمنة وكذلك تركيا، بل على العكس أمعنت في تطبيق سياسات الإبادة وركزت جهودها على الكرد بعدما قطعت أشواطاً كبيرة بحق الشعوب الأخرى في الشرق الأوسط.

في سوريا، التي شهدت في أواسط آذار عام 2011 انفجار أزمة جرى التمهيد طويلاً لها عقب إسقاط حكم معمر القذافي في ليبيا وحسني مبارك في مصر وقبله إسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، تدخلت تركيا مباشرة وأعلنت دعمها لما يسمى بالمعارضة السورية ولعبت دوراً رئيساً في تشكيل ما يسمى بالائتلاف في العاصمة القطرية الدوحة بهدف مموه يتمثل بـ "إسقاط النظام" في سوريا.

لكن الدافع التركي الأساسي ومن خلفها القوى الكبرى من تشكيل هذا الكيان كان محاربة الكرد وأي مشروع قد يشكل انطلاقة لتحول ديمقراطي في سوريا قائم على قبول الآخر وتعايش سلمي بين المكونات.

ومع مرور الوقت وتشكيل مجموعات مرتزقة ومظلتها السياسية ما يسمى بالائتلاف التي تبنّت خطاباً مذهبياً متطرفاً قابله خطاب مماثل من حكومة دمشق، بدأت سوريا تشهد حالات قتل على الهوية وانتشرت صور الرؤوس المقطوعة وتفاخر الطرفان بقتل (سني أو علوي) ليهمين الاقتتال المذهبي على المشهد الدموي في سوريا.

تركيا التي زعمت أن هدفها هو "إسقاط النظام" سرعان ما كشّرت عن أنيابها بالتوازي مع تشكيل الكومينات والمجالس في مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين التي طردت منها قوات حكومة دمشق في عام 2012. ومع تشكيل قوات عسكرية في مناطق روج آفا في ذات العام والإعلان عن وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة والآسايش، وبعدها بعامين الإعلان عن الإدارة الذاتية الديمقراطية مطلع عام 2014، اتجهت تركيا ومرتزقتها لخطاب أكثر تطرفاً تجاه الكرد وبدأت تنزل من الدرج خطوة خطوة وتنازلت عن مزاعمها في "إسقاط النظام" وأظهرت أهدافها الحقيقية المتمثلة في القضاء على الكرد ومشروعهم الديمقراطي.

وتمثّل المجزرة التي ارتكبها مرتزقة جبهة النصرة، ربيبة الدولة التركية، بحق الكرد في تل حاصل وتل عران في شمال حلب في أواخر شهر تموز عام 2013 أحد أبرز الوقائع التي تثبت حقيقة الأهداف التركية في سوريا والتي تنفذها عبر ما يسمى بالائتلاف.

مع تقدم المشروع الديمقراطي في روج آفا واكتساب الكرد احتراماً محلياً وعالمياً على الصعيد الشعبي، أعلنت مجموعة مرتزقة عن نفسها في عام 2014 وهو داعش الذي احتل محافظة الموصل العراقية في ذات العام خلال ثلاث ساعات فقط وارتكب مجازر مروعة ودمر الآثار ولكنه لم يسبب أي أذى لأعضاء القنصلية التركية في الموصل.

عقبها توجه داعش الذي رفع راية "إسقاط النظام الرافضي" إلى كوباني في خطوة جديدة لم تترك مجالاً للشك أن تركيا تهدف إلى القضاء على الإدارة الذاتية.

بعد القضاء على داعش في 23 آذار عام 2019، شكّلت تركيا ما يسمى بالجيش الوطني السوري، وهو عبارة عن مجموعات مرتزقة وفلول داعش وجبهة النصرة.  وكشفت الكثير من الوثائق والتقارير وبالأسماء كيف يسيطر مرتزقة داعش وجبهة النصرة على زمام الأمور فيما يسمى بالجيش الوطني السوري والذي يشكل ما يسمى بالائتلاف مظلته السياسية.

وعن طريق ما يسمى بالجيش الوطني السوري ومظلته السياسية، احتلت تركيا عفرين في آذار عام 2018 وأتبعت احتلالها باحتلال منطقتي سري كانيه وكري سبي في عام تشرين الأول عام 2019.

وارتكبت تركيا عبر ما يسمى بالائتلاف مجازر كثيرة في المناطق المحتلة وكذلك عمليات التغيير الديمغرافي وبالأخص مقاطعة عفرين المحتلة التي تقلصت فيها نسبة الكرد إلى نحو عشرين بالمئة بحسب منظمات حقوقية بعدما كانت نسبة الكرد تتجاوز التسعين بالمئة قبل الاحتلال التركي.

مرة أخرى وعبر ما يسمى بالائتلاف، أجرت تركيا عمليات التغيير الديمغرافي غرب نهر الفرات المشروع الذي بدأته في عام 1925 في شمال كردستان، وهي جزء من مشروع شامل قائم على كردستان بدون كرد.

قد تكون هناك أهداف أخرى للقوى المهيمنة من وراء تشكيل ما يسمى بالائتلاف الذي تلقت مجموعاته المرتزقة تدريبات في تركيا ودعمتها أمريكا بنحو نصف مليار دولار أمريكي وفقاً للأرقام المعلنة، تتمثل في محاصرة الدور الروسي الذي بدأ يتنامى مع نهاية أيلول عام 2015، وكذلك عرقلة " الهلال الشيعي" الذي تسعى إيران إلى تطبيقه مروراً من سوريا، لكن يبقى ضرب الكرد والعرب ببعضهم وتأليب السنة ضد العلويين والشيعة والإبقاء على حالة التنافر والتناحر قائمة بين مكونات المنطقة، هو الهدف الأبرز من تشكيل ما يسمى بالائتلاف الذي لم يتوان في كثير من المناسبات عن الجهر بإنكاره للكرد.

وتمتد الأهداف التركية إلى أبعد من ذلك، فهي تسعى عبر ما يسمى بالائتلاف إلى تقسيم صفوف الكرد، ويضم ما يسمى بالائتلاف ضمنه شخصيات تقول إنها كردية. هذه الشخصيات تؤدي دوراً لما أداه الكرد في معاهدة لوزان الذي رسخت تقسيم كردستان إلى أربعة أجزاء.

ربما لم يكن الكرد في تلك المرحلة مدركين لحقيقة الدولة التركية، ولكن بعد نحو قرن كامل من الزمن لا يمكن لمن يقولون أنهم كرد وموجودون ضمن ما يسمى الائتلاف خداع أحد ونفي معرفتهم بالأهداف التركية في إبادة الكرد، وبخاصة بعد دعوة رئيسهم نصر الحريري الدولة الفاشية التركية لاحتلال منبج وتل رفعت.

خلاصة، ما يسمى بالائتلاف هو حركة لها جناح عسكري مؤلف من عشرات الآلاف من المرتزقة المتطرفين لخدمة أيديولوجية قائمة على الإقصاء والإنكار وسد الطريق أمام تحول ديمقراطي في سوريا وكامل منطقة الشرق الأوسط.

ANHA