ما هو جهاز الباراستن -1

على مدى قرون من الزمن كان الشعب الكردي ضحية مصالح دول المنطقة والقوات المتسلطة العالمية. خلال القرن العشرين قست كردستان إلى أربعة إجزاء بموجب اتفاقية سايكس بيكو، وترسخ هذا التقسيم بموجب اتفاقيات لوزان والموصل. وبعد اتقافية لوزان واصل الشعب الكردي نضاله من أجل الحرية.

كيف تأسس جهاز الباراستن في الحزب الديمقراطي الكردستاني PDK

القرن العشرين كان بالنسبة لكردستان قرن الانتفاضات والمذابح التاريخية، ورغم كل هذه الانتفاضات التي اندلعت في كردستان، إلا الشعب الكردي لم يتمكن من تحقيق كيان في المنطقة، والسبب الرئيسي في كل ذلك هو الخيانة الداخلية، والرجعية.

في القرن العشرين دخل الحزب الديمقراطي الكردستاني تاريخ كردستان كقوة عميلة ورجعية، وبشكل خاص بعد أن وقع تحت سيطرة العائلة البارزانية. وبسبب هذا النهج الرجعي، عمل العديد من الوطنيين الكرد إلى الانشقاق عن الحزب الديمقراطي وتأسيس أحزاب أخرى. وبعد ذلك تم تأسيس شبكة (باراستن) العميلة تحت سقف الحزب الديمقراطي الكردستاني. هذه الشبكة العميلة عملت على مد أذرعها الاخطبوطية إلى جميع أنحاء كردستان، ونشرت شبكة واسعة من العملاء.

أسئلة مهمة عديدة تطرح نفسها هنا، من قام بتأسيس الباراستن؟ من عمل داخل هذا الجهاز منذ تأسيسه وحتى الآن؟ لخدمة من يعمل الباراستن؟ وما هي طبيعة العلاقات بينه وبين كل من إيران وأمريكا والدولة التركية، وما هي آلية التواصل مع تلك الجهات؟

نستعرض تاريخ الباراستن وبنيته العقائدية وارتباطاته الداخلية والخارجية من خلال ثلاث ملفات تتناول بشكل مفصل، ومن خلال معلومات موثقة حقيقة، هذه المؤسسة الأمنية المرتبطة بشكل مباشر بعائلة البارزاني المسيطرة على باشور (جنوب كردستان).

تأسس جهاز الاستخبارات للحزب الديمقراطي الكردستاني "الباراستن"  بدعم ومساندة إيران وإسرائيل عام 1965، وكانت علاقات الشاه محمد رضا شاه بهلوي مع القوى المهيمنة، وخاصة أمريكا، جيدة، لذلك كانت جيدة مع إسرائيل أيضاً، وبناءً على هذا الاتفاق، وكي يؤسسوا أرضية جهاز الاستخبارات للحزب الديمقراطي الكردستاني، ذهب كلٌّ من شكيب عقراوي، وعزيز عقراوي ومحمد هرسن إلى إسرائيل، وكُلّف هؤلاء الأشخاص الثلاثة من قبل عائلة البارزاني، وكان شكيب عقراوي حتى وفاته مسؤولاً عن جهاز الاستخبارات وحلقة وصل بين الإسرائيليين وإيران والعائلة البارزانية.

كلّف ملا مصطفى ابنه إدريس بالأعمال العسكرية والمالية، وعيّن ابنه مسعود مسؤولاً عن الأمن، وكان محمد هرسن يعمل بتعليمات مسعود البارزاني إلى حين إنهاء الثورة عام 1975، ويقول شلومو نكديمون المستشار الإسرائيلي الذي كان موجوداً في الجنوب آنذاك: "من أجل جمع المعلومات عن العراق وإرسالها إلى السافاك الإيراني والموساد الإسرائيلي، فقد رأى جهاز المخابرات الإسرائيلي والمخابرات الإيرانية حاجة ماسة إلى تأسيس جهاز المخابرات للعائلة البارزانية"، ومن خلال هذه المصادر أيضاً يتبين لنا أن جهاز المخابرات "-Parastin)الباراستن) أنشأته كل من إسرائيل وإيران، والعائلة البارزانية من جانبها لا تخفي علاقاتها مع إسرائيل، وخلال تلك الفترة، أي في عام 1968 قام الملا مصطفى بنفسه بزيارة إلى إسرائيل واجتمع مع القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، ومع هذه الزيارة استحوذ على الدعم العسكري والأمني، وبعد هذه الزيارة، فإن المجموعة الثانية المؤلفة من مسعود البارزاني وعزيز عقراوي وطاهر علي ولي، وشكيب عقراوي، ومحمد هرسن وغيرهم ذهبوا إلى إسرائيل مرة ثانية لتعلّم فنون الاستخبارات وطرائق تتبع المعلومات، وتطورت العلاقة بين إسرائيل والعائلة البارزانية مع هذه الزيارة إلى مستوى متقدم، واستمرت هذه العلاقات حتى انهيار الثورة.

محمود عثمان وخلال لقاء مع صحيفة الشرق الأوسط السعودية، ومن خلال كتاباته المنشورة في أوروبا يذكر بوضوح بعض النقاط: " ما بين سنوات 1965-1975 افتُتحت أربع دورات كبيرة من قبل الموساد لتهيئة كوادر جهاز الباراستن، وبعدها فُتحت عدة دورات قصيرة وصغيرة، في حين أن الموساد نشطت فعالياته الاستخباراتية في هذه المنطقة وخاصة ضد الدولة العراقية، وبدأت أولى دورات الباراستن في منطقة ﭼومان وتم فرزهم على فروع المناطق، ومن الذين انضموا إلى تلك الدورات :غازي أتروشي وكريم سنجار ويونس روجبياني وجوهر نامق وآزاد محمد ونجيب برواري ومحمد أمين عقراوي وفرانسوا حريري وتحسين أتروشي وفلكدين كاكاي وغيرهم.

كانت وحدات الباراستن موجودة في كل أفرع الحزب الديمقراطي الكردستاني التنظيمية، ومسؤول جهاز الاستخبارات عضو أساسي في لجان الفروع الحزبية للمناطق، وكل رؤساء وأقسام وشُعب الباراستن من الكوادر النشطة والمهمة، والمسؤولية المباشرة يتولاها أحد الأشخاص من العائلة البارزانية، وكذلك الملاحقة أيضاً، وخاصة إذا كان الشخص من سلالة ملا مصطفى البارزاني، وبالرغم أن كلاً من شكيب عقراوي وفرانسوا حريري وكريم سنجار كانوا أكبر سناً وأكثر خبرة، إلا أنه ومنذ تأسيس جهاز الباراستن فإن مسعود البارزاني هو الذي كان يدير هذا الجهاز ويعطيه التعليمات.

وبعد فرانسوا حريري وخاصة في فترة استلام كريم سنجار مسؤولية جهاز الباراستن وفاضل ميراني مسؤولية وزارة الداخلية ازدادت التصفيات الداخلية، وذلك عن طريق رجالاتهم، ومن الأسماء المعروفة  التي تم تصفيتها: شكيب عقراوي حيث تم تسميمه في أمريكا، وريناس وهو أحد الأعضاء، حيث قُتل في منطقة بهدينان، وكان هذا الشخص مسؤولاً عن كادحي كردستان، أبو نتر خرستياني من مانكيش أيضاً كان أحد الضحايا، حيث كان مسؤولاً عن لجنة دهوك للحزب الشيوعي الكردستاني، وكان فرانسوا شابو مهندساً وعضواً في البرلمان الكردستاني من قائمة الآشوريين وعلي كوخي، وغازي أتروشي الذي كان قيادياً نشطاً في مركز الاستخبارات فرع دهوك ويعرف أسرار الشخصيات المرتبطة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذين كانوا يعملون لصالح جهاز أمن الدولة العراقية، تم تصفيته أيضاً كي لا يسرّب المعلومات إلى الخارج.

محمد سلمان برواري الذي كان سابقاً عضواً في جهاز الباراستن في الحزب الديمقراطي الكردستاني يدلي بهذه التصريحات: "بتعليمات عيسى سوار الذي كان قيادياً للبشمركة سنة 1973، قتل 12 من كوادر الحزب الشيوعي العراقي الذين كانوا قادمين من الاتحاد السوفييتي إلى الوطن عبر سوريا وتركيا، وقُتل هؤلاء الأشخاص على الطريقة الروسية، حيث طمروهم في التراب حتى أعناقهم وهم أحياء، وتركوهم هكذا حتى ماتوا، وأحد الضحايا هو أخ للعقيد جلال بالاتاي مزوري عضو المحكمة العسكرية برئاسة المهداوي، وحدثت هذه الحادثة في جبل بى خيرى في الطريق المؤدي إلى زاخو و فيشخابور، والذين قاموا بهذه المجزرة هم: (رمضان عيسى بارزاني وعثمان قاضي زاخوي وعلي هلو سندي والأستاذ شوقي زاخوي."

إن كوادر جهاز الباراستن الذين كانوا يخططون وينفذون هذه الجرائم آنذاك هم: (نجيرفان إدريس بارزاني وفاضل مطني ميراني وقادر قاﭼاغ ونجيرفان أحمد مصري وحميد علي سبينداري وآزاد بوطي وسكفان رشيد فلك وتحسين كمكي...

وهناك العشرات من الأشخاص الذين لقوا حتفهم عبر تصفيات جسدية واغتيالات من قبل جهاز الباراستن، ولا زال مصيرهم مجهولاً لا يعلمه أحد.

المصادر:

1. محمود عثمان  تقييم مسيرة الثورة الكردية والدروس والعبر المستخلصة منها 1961-1975.

2. شلومو نكديمون الموساد في العراق و دول الجوار انهيار الآمال الإسرائيلية والكردية.

3. إنترنت موقع "كردستان بوست" مذكرات عميل البارستن السابق محمد سلمان برواري.

غداً: علاقة الباراستن بشبكة الاستخبارات المناهضة للحركات الثورية

ANHA


إقرأ أيضاً