ليبيا.. "البيضة الذهبية" لإنعاش الاقتصاد التركي

يتساءل الكثيرون حول أسباب تعنت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وإصراره على غزو ليبيا والسيطرة عليها سياسيًّا وعسكريًّا.

يدّعي الرئيس التركي أن تدخلاته في ليبيا جاءت لدعم الشرعية الليبية، ولكن هذا الادعاء ضعيف للغاية كون الشرعية التي تحدث عنها أردوغان غير موجودة على الأرض.

وانتهت صلاحية حكومة الوفاق منذ عام 2018، كما أن شرعيتها سقطت بموجب إعلان المشير خليفة حفتر القائد العام للقوات المسلحة الليبية في نيسان/إبريل الماضي، هذا فضلًا عن كونها لم تحصل على ثقة مجلس النواب الليبي، ولا تحظى بشعبية وجماهرية في الشارع وبين القبائل.

البيضة الذهبية

في واقع الأمر إن تدخل أردوغان في غرب ليبيا لا يمكن وصفه إلا بالاحتلال لأنه يحمل في طياته أطماعًا لم تعد خافية على أحد.

وينظر الرئيس التركي إلى دولة ليبيا على أنها البيضة الذهبية التي ستنقذ دولته من الإفلاس وتنعش الاقتصاد التركي الذي دمره أردوغان بتبني سياسة خارجية معادية لجميع دول المنطقة، بما فيها مصر وسوريا وليبيا والعراق والخليج العربي، فضلًا عن قبرص واليونان وفرنسا، بالإضافة إلى إنفاقه مبالغ باهظة على الجماعات الإرهابية والمسلحة لاستخدمها في نهب ثروات الغير والسطو على مقدرات الشعوب.

 تحظى دولة ليبيا بأهمية اقتصادية كبرى بالنسبة لأردوغان، ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية في ظل ركود الاقتصاد التركي وتبعات جائحة كورونا، ويدل على ذلك تراجع قيمة الليرة التركية وارتفاع نسبة البطالة والتضخم، ومع الجائحة انهارت السياحة وتم إغلاق الأسواق بشكل أدى إلى مزيد من الركود والعجز حتى عن دفع أقساط الدين الحكومي الذي تزيد قيمته على 200 مليار دولار حسب مؤسسة التجارة والاستثمار الألمانية.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مستعد لخوض حرب إقليمية شرسة وطويلة الأمد لتثبيت احتلاله لليبيا، حيث دأب على نقل آلاف المسلحين والمرتزقة والضباط وعناصر المخابرات التركية ودعمهم بالأسلحة وهذا الأمر مثبت بالأدلة والأرقام والبراهين، ولم يعد يخفى على أحد مما دفع الكثير للتساؤل عن أسباب تشبث تركيا بليبيا؟

عمق إفريقي وتعويض عن خسارته لمصر

ينظر أردوغان إلى دولة ليبيا بمساحتها الكبيرة وثرواتها الهائلة على أنها مدخل لاكتساب نفوذ سياسي واقتصادي في الدول المغاربية والعمق الأفريقي وحوض المتوسط، وربما تعويض عادل عن خسارة مخططاته في مصر التي فشلت فشلًا ذريعًا بسقوط جماعة الإخوان المسلمين بعد فشلهم في الحكم، كما أن سيطرة تركيا على ليبيا تعزز مكانة أنقرة العالمية وتمنحها ثقلًا سياسيًّا ودبلوماسيًّا دوليًّا.

كنز مدفون ينعش الركود الاقتصادي

تبدو ليبيا للحكومة التركية وكأنها كنز مدفون ينعش الركود الاقتصادي، فهذا البلد غني جدًّا بالنفط والغاز الذي تستورده تركيا من الخارج بفاتورة سنوية لا تقل عن 40 مليار دولار، ورغم النهب الذي تعرضت له احتياطاته المالية بعد سقوط القذافي، فإن ما تبقى منها يزيد على 80 مليار دولار حسب مؤسسة التجارة والاستثمار الألمانية.

ويصعّد أردوغان معاركه في ليبيا للسيطرة على الذهب الأسود الليبي، والحقول النفطية التي يؤمنها الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر، ولعل أبرزها حقل شرارة النفطي الأكبر في البلاد المكتشف عام 1980، في صحراء مرزق جنوب طرابلس، حيث ينتج هذا الحقل زهاء 300 ألف برميل من النفط يوميًّا، كما يسيطر الجيش على حقل الفيل، الذي يوجد أيضًا في حوض مرزق، ويغطي مساحة واسعة في الجنوب الغربي.

هلال نفطي ومركز تسويق

مكامن الثروة النفطية في ليبيا تكمن أيضًا، في الهلال النفطي شمال شرقي البلاد، وتمتد المنطقة على طول مئتين وخمسين كيلومترًا إلى الشرق، بين سرت وبنغازي، وتضم نحو 80 % من احتياطي النفط في ليبيا، وتخضع لسيطرة الجيش الوطني، وتتمركز فيها أهم موانئ البلاد النفطية مثل ميناء السدرة ورأس لانوف والبريقة والزويتينة.

وفي المقابل، تسيطر الميليشيات التابعة لحكومة فائز السراج والمدعومة من تركيا فقط على حقل البوري البحري غربي طرابلس، ومصفاة الزاوية المجاورة له.

وتزداد الصادرات التركية إلى ليبيا بقيمة تزيد على 2 مليار دولار سنويًّا رغم الحرب لتصبح أنقرة أهم شركائها التجاريين.

ومن هنا تتضح أهمية استمرار تدفق السلع التركية إلى ليبيا، وهناك معلومات تشير إلى تقديم وديعة ليبية بنحو 8 مليارات دولار إلى البنك المركزي التركي، وهناك تحضيرات لبناء محطات للطاقة وقيام شركات تركية باستخراج النفط والغاز الليبيين غرب البلاد ومقابل سواحله.

وتقدر الاحتياطات النفطية هناك بأكثر من 25 مليار برميل، في حين تصل احتياطات الغاز إلى أكثر من 120 تريليون قدم مكعب حسب توقع أكثر من مصدر.

وفي حال صحت تقديرات وكالة الطاقة الأمريكية فإن ثروة النفط والغاز في غرب البلاد لا تقل أهمية عن مثيلتها في الشرق الليبي، كل هذا وأكثر سبب منطقي لاستماتت أردوغان على غزو ليبيا واحتلالها.

 وتشكل المعطيات السالفة الذكر دفعة تبدو الأقوى لمساعدة الاقتصاد التركي على الخروج من ركوده، وربما يكون المشير خليفة حفتر الأكثر دقة في التعبير عن الهدف التركي عندما قال إن تركيا "تسعى إلى السيطرة على الثروات الليبية من أجل معالجة أزمتها الاقتصادية".

(ي ح)

ANHA