لن تحلّ الانتخابات الأزمة السياسية في العراق - رؤوف قرقوجان

عادت الانتخابات العراقيّة إلى نقطة البداية مرّة أخرى. اتّخذ مصطفى الكاظمي الذي وصل إلى السلطة في الـ 7 من أيار عام 2020 قراراً بإجراء الانتخابات في الـ 31 من تموز عام 2020. ووفقاً لهذا القرار فقد كان من المفترض إجراء الانتخابات في الـ 6 من حزيران عام 2021. ومع حلول هذا التاريخ أدّت النزاعات الداخلية إلى تعليق الانتخابات لمدّة أربعة أشهر. وقد حصد التيار الصدري في الانتخابات البرلمانيّة التي أُجريت في الـ 10 تشرين الأول عام 2021 بإقبالٍ محدود بلغت نسبته 41 بالمئة؛ 73 مقعداً من أصل 329 محققاً بذلك الأغلبية في البرلمان. وبحسب النتائج الانتخابية الرسمية فقد حصد حزب التقدّم بقيادة محمد الحلبوسي 37 مقعداً وائتلاف دولة القانون الشيعي برئاسة نوري المالكي 31 مقعداً والحزب الديمقراطي الكردستاني 31 مقعداً أيضاً. وقد خسرت حركة الفتح الموالية لإيران الكثير من قوتها وحصدت 17 فقط فيما كانت قد حصدت في الانتخابات التي سبقتها 47 مقعداً.

الاستقالة الجماعية لنواب التيار الصدري؛ تمهيد الطريق لانتخابات جديدة

لقد كانت الانتخابات العراقية موضع شكّ على الدوام. وكانت الاحتجاجات الجماهيرية على الفساد المتعلقة بالنتائج الانتخابية البرلمانية الأخيرة مثيرةً للاهتمام. لقد كان من المفترض أن تمهّد حكومة الكاظمي الطريق لتشكيل حكومةٍ جديدة بسبب الاحتجاجات الجماهيرية في عام 2019 بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية في البلاد وإجراء الانتخابات الرئاسية بهذا الشكل. لكن الأزمة السياسية العراقية لم تنتهِ بل أخذت بالتعمّق أكثر. ولم يتمكّن البرلمان الجديد من تشكيل الحكومة إذ تمت مقاطعة الجلسات ولم يتم انتخاب رئيسٍ للجمهورية.

 ونتيجة انقسام الأحزاب السنيّة، الشيعية والكردية داخلياً لا يمكن تشكيل تحالفاتٍ تمثّل الأغلبية، كما لا يمكن تشكيل حكومةٍ ائتلافية. ولهذا استقال نوّاب التيار الصدري الذي يتمتع بأغلبية في البرلمان بشكلٍ جماعي ممهّداً بذلك الطريق أمام إجراء انتخاباتٍ جديدة.

إيران وتركيا هما السببان الرئيسيان للأزمة

بغضّ النظر عن مدى تسبّب الانقسام الداخلي السنّي، الشيعي والكردي بالتدهور السياسي في العراق، إلّا أنّ إيران وتركيا هما السببان الرئيسيان للأزمة. وفي الأساس، فقد أثارت المشاكل الاقتصادية الكبيرة والفساد استياء الشعب. لقد أصبح العراق ساحةً تتلاعب فيها القوى الخارجية. وهو ليس في وضعٍ يسمح له بحلٍ أزماته السياسية والاقتصادية عبر الانتخابات. إذ أن الانتخابات لن تشكّل حلّاً حتّى يتم التخلي عن السياسة التابعة لتركيا وإيران.

 

سعت تركيا إلى أن تصبح لاعباً أساسياً في العراق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني. إذ تسعى لزيادة نفوذها العسكري في المنطقة عبر المحاولات الاحتلالية التي تقوم بها بذريعة حزب العمال الكردستاني من جهة والتأثير في المستقبل السياسي للبلاد من جهةٍ أخرى. هذا ولم يتماشَ ترشيح الحزب الديمقراطي الكردستاني لمرشّح يمثّله في الانتخابات الرئاسية العراقية مع الانتماءات السياسية. فبحسب الاتفاق بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني كان ينبغي أن يكون رئيس الجمهورية من الاتحاد الوطني الكردستاني ورئيس إقليم كردستان الفدرالي من الحزب الديمقراطي الكردستاني. وبهذا يكون الحزب الديمقراطي الكردستاني قد انتهك هذا الاتفاق. وقد أدّى قرار المحكمة الاتحادية العراقية بتوجيه تهمة الفساد لمرشّح الحزب الديمقراطي الكردستاني؛ هوشيار زيباري إلى إلغاء ترشيحه.

لقد أعربت تركيا عن دعمها للانتخابات بوضوح على لسان أردوغان الذي قال: "مع الانتخابات الرئاسية سيتحسّن كل شيء "، وقد اعتبر الانتخابات هبةً تصبّ في صالحه.

الأزمة السياسية مؤكّدة

تشهد العلاقات بين تركيا والحزب الديمقراطي الكردستاني مرحلةً استراتيجية. فيما لم يتأخّر الردّ الإيراني على تشابك اتفاقيات الطاقة والغاز والبترول. إذ تمثّل إيران مع ميلشيات الحشد الشعبي قوةً عسكرية كبيرةً في العراق. كما أنّ المجموعات الشيعية الموالية لإيران ذات تأثير فاعل في البرلمان العراقي. ولهذا هناك توازن سياسي يشمل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والأمم المتّحدة ودول الاتحاد الأوروبي. والأزمة السياسية في هذه المعادلة مؤكّدة.

كما لدى الأحزاب المشكّلة للحكومة أيضاً مجموعات مسلّحة. إذ لم تصل إلى السلطة بمفردها، فهذه الأحزاب المؤثّرة على الحكومات من أمثال حكومة الكاظمي والمدعومة من الخارج تسيطر على الحكومة. إنّها متحكّمة بالسياسة وتستخدم الحكومة كما تشاء.

وقد وُضعت حادثة شنكال على الأجندة نتيجة هذه الفوضى. فبغضّ النظر عن عدم ذكر السبب الحقيقي للهجوم الذي شنّه الجيش العراقي على شنكال بوضوح فهو هجومٌ مشتركٌ للحزب الديمقراطي الكردستاني والولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة وإسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي لكسر نفوذ الحشد الشعبي ووحدات مقاومة شنكال (YBŞ). باختصار هناك اتفاق في العراق يفيد باستخدام إيران وحزب العمال الكردستاني كذريعةٍ للهجوم على شنكال.

تدخّل القوى الأجنبيّة يجرّ العراق نحو أزمةٍ أكبر

إنّ ضمان الاستقرار السياسي في العراق الذي تنعدم فيه الإرادة السياسيّة وتُباع فيها المقاعد البرلمانية وتُشترى صعبٌ جداً. ولأنّ شعب العراق الغنيّ بالغاز والبترول لا يثق بالانتخابات؛ فإنّ نسبة الإقبال على الانتخابات تتراجع مع كل دورةٍ انتخابيّة. ولم تحقّق المظاهرات المناهضة للحكومة أية نتيجة رغم استمرارها لشهور. يجرّ التشرذم في البناء السياسي، العقلية القائمة، تدخّل القوى الخارجية لاسيما تركيا تجّر العراق نحو هاويةٍ وأزمةٍ أكبر.

إلّا أنّه يمكن للنموذج الإداري المؤسّس في شنكال أن يكون نموذجاً مهمّاً جداً لمستقبل العراق. إنّ التكاتف الشعبي وحقّ التمثيل في الإدارة، أسلوب الإدارة الذاتية، الدفاع الذاتي، الديمقراطيّة ومبادرات حريّة المرأة هي السبل الوحيدة لحلّ مشاكل العراق. إذ لا يمكن حلّ المشاكل الاجتماعية الحالية بالطريقة السياسيّة القديمة. ويمكن القول بشأن الانتخابات الجديدة أيضاً أنّها لن تغيّر شيئاً ما لم يتغيّر المفهوم الحالي والعقلية القائمة.