لافروف في دمشق.. ماذا في جعبته؟

 كيفارا شيخ نور

ثماني سنوات وسبعة أشهر بعد آخر زيارة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف لدمشق والتي أتت بعد الفيتو الصيني الروسي المزدوج، والذي أذن ببداية حرب باردة جديدة بين واشنطن والقوى الغربية من جهة وبكين وموسكو من جهة أخرى، وتلاها حرب ضروس أكلت الأخضر واليابس، فما الذي حصل وحدا بلافروف الى الوجود بدمشق؟

أهمية سورية لموسكو

وإذا استعرضنا الأحداث التي حصلت في سورية في اندلاع الأزمة هناك، فسنرى أن سوريا وموقعها الجيوسياسي مهم لروسيا، هذا بالإضافة إلى أن لروسيا مصالح تجارية وعسكرية مع سوريا، كما أن البحرية الروسية تمتلك قاعدتها الوحيدة خارج أراضيها في ميناء طرطوس السوري، وسقوط النظام هناك يعني أن روسيا تفقد آخر حليف لها وستفقد ثقة بلدان المنطقة الأخرى بها، وخاصة بعد أن غضت النظر عن تدخل الناتو في ليبيا أيام حكم دميتري ميدفيديف.

فزيارة لافروف هذه تأتي بعد آخر زيارة له في بدايات العام 2012 أي بعد عام من انهيار الوضع في سورية وامتداد بقعة المظاهرات ضد النظام السوري كانتشار بقعة الزيت، فزيارة زعيم الدبلوماسية الروسية حينها مهدت للانخراط الروسي الكامل في الملف السوري.

بدأ الانخراط الروسي في سورية عبر أروقة مجلس الأمن والفيتوهات المتكررة ضد المشاريع المتكررة التي كانت تستهدف النظام السوري، وكذلك التدخل العسكري المباشر عام 2015 والذي أتى بعد تفجير مبنى الأمن القومي في دمشق، والذي كان يضم ما يسمى بخلية الأزمة والذي ذهب ضحيته غالبية قادات الصف الأول لدى النظام السوري، وكذلك سيطرة ما كان يسمى حينها فصائل الجيش السوري الحر على مساحة كبيرة من الأراضي السورية وهجوم المعارضة المسلحة على دمشق.

وتلا هذا التدخل بناء قاعدة بحرية روسية في طرطوس وإنشاء مسار جنيف وأستانا وسوتشي ودحر داعش وخروج القوات الأمريكية من الحدود السورية- التركية وانتشار القوات الروسية محلها، الأمر الذي اعتبرت وزارة الدفاع الروسية أن الإنجاز الأهم لقواتها العاملة في سوريا خلال عام 2019 يتمثل في مساعدة الجيش السوري على بسط سيطرته على مناطق في مناطق شمال وشرق سوريا

وقال قائد مجموعة القوات الروسية في سوريا، الفريق ألكسندر تشايكو، خلال اجتماع في وزارة الدفاع: "يتمثل الحدث المحوري عام 2019 بمساعدة الحكومة السورية على بسط السيطرة على شمال وشرق سوريا بما في ذلك محاصرة منطقة تنفيذ عملية نبع السلام التركية العسكرية مع تسيير دوريات روسية تركية مشتركة... إضافة إلى تنفيذ مهمات خاصة بالدوريات الجوية والبرية".

روسيا التي استوعبت تركيا.. تحاول استيعاب كرد

بعد سنوات من المد والجزر في العلاقات الروسية التركية وخاصة على وقع الأزمة السورية، حيث كان الطرفان يدعمان الطرفين المعارضين بشتى الوسائل العسكرية والسياسية وغيرها، توصلا الى هدنة سياسية (غير عسكرية) كانت على حساب التغيير الديمغرافي في شتى الأراضي السورية.

وأما الآن وبعد مرور قرابة سنة على الوجود الروسي العسكري (غير السياسي) في شمال وشرق سورية، وفي محاولة لتحسين مكان وضع القدم على السلّم في شمال شرق سورية، والذي نتج عن تراجع وغض نظر أميركي منذ شهر تشرين الأول /أكتوبر من عام 2019، حيث تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لمنح روسيا المزيد من النفوذ في سورية.

 فموسكو لاحظت أن وجودها العسكري في تلك المنطقة غير كافٍ، كونها لا تملك فاعلية موضوعية على الأرض التي تشكل ما يقرب من 30 % من المساحة الأراضي السورية- بالذات سياسيًّا مع القوى الفاعلة والنافذة هناك، وأن روسيا تسعى جاهدة إلى ترتيب أوضاع علاقتها هناك، بما يتجاوز الحضور العسكري.

وبالعودة الى الزيارة ومن المتوقع، أن تكون الزيارة مخصصة لتناول ملفات اقتصادية، والمتعلقة بالأوضاع الاقتصادية الكارثية، وخاصة في مناطق سيطرة النظام السوري، حيث الوضع الإنساني والمعيشي الصعب نتيجة كورونا وتأثيرات عقوبات "قيصر" الأمريكية، حيث تخشى روسيا من انهيار اقتصادي كامل، وكذلك تحدثت تقارير أن المحادثات السورية الروسية ستتضمن لأول مرة بندًا خاصًّا عن شمال وشرق سورية.

وكما أنه من المتوقع أن روسيا بصدد التحريك الجاد للملف السياسي، وخاصة بعد أن رأت أن اللجنة الدستورية-على الرغم من الوصف الروسي" الإيجابي" لاجتماعات اللجنة الدستورية- لن تؤتي ثمارها إلا من خلال العودة إلى مسار جنيف الأساسي والمتمثل في القرار الأممي 2254، أي الدستور، وهيئة الحكم الانتقالية، والانتخابات.

وتشير التقارير إلى أن هذا المسعى الروسي، أتى بعد تلقي موسكو رسائل أمريكية واضحة، تجلت في الإصرار الأمريكي على مسار جنيف، وهو ما تأكد بعد زيارة جيمس جيفري إلى جنيف، قبيل الجولة الأخيرة من محادثات الدستور، والذي صرح من مطار أنقرة أثناء عودته من جنيف "بأن هناك تطورات مثيرة بخصوص الملف السوري".

وتدرك موسكو وبشكل جيد أن إصرار النظام السوري على نهجه الحالي، سيسبب بكارثة كبيرة في سورية وخاصة مع تصاعد هجمات داعش ضد المناطق الحكومية في البادية السورية والوضع في غرب الفرات وشرقه، وكذلك سعي واشنطن إلى إصدار الحزمة الرابعة من العقوبات الاقتصادية ضمن قانون قيصر.

وأما بخصوص شمال وشرق سورية، فتشير التسريبات إلى أن هناك مسعىً روسيًّا يحمل رغبات روسيا بمزيد من الاعتراف والتعاون مع الإدارة الذاتية، وخاصة بعد التطور الدراماتيكي بتوقيع مذكرة تفاهم ما بين مجلس سورية الديمقراطية "مسد" وحزب الارادة الشعبية في 31 آب بموسكو، والاستقبال النادر للافروف للوفد الموقع على المذكرة والتي حصلت على الرغم من الإصرار التركي على عدم استقبال لافروف للوفد وإلغاء هذا الاجتماع.

وأخيرًا، تعدّ مناطق شمال وشرق سورية جزءًا من "سورية المفيدة" التي ترغب روسيا بالاستثمار الاقتصادي بها، والتي تُعدّ الأغنى بالثروات الباطنية والزراعية، وكما أن روسيا تريد أن تكون هناك علاقة جيدة بين الإدارة الذاتية مع النظام السوري، الذي يعاني من تفاقم أوضاعه الاقتصادية بعد قانون قيصر.

(آ س)