لا يتم إيقاف الاحتلال بالولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بل بالقوة الذاتية – أحمد بيرسين

يواجه كلّ من أردوغان وشريكه بهجلي هزيمةً خطيرة بعد فشلهما في تحقيق النتيجة المرجوة من الهجوم الاحتلالي الذي تم شنّه على زاب، متينا وآفاشين. ولم يكن هذا كافياً بالنسبة لهما فقد اتّخذا قراراً بشنّ هجومٍ جديد على روج آفا.  

إنّ قرار شنّ هجومٍ جديد على روج آفا ليس موضوعاً على الأجندة التركية فحسب بل يعدّ من أكثر المواضيع إثارةً للنقاش على الصعيد الإقليمي والعالمي. وعدا عن الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، الناتو، الاتحاد الأوروبي، الدول العربية في المنطقة، سوريا وإيران فهو موضوع على أجندة الشعوب التركية والمعارضة التركية أيضاً. وبالطبع فهو يقع على أجندة الشعب الكردي وأصدقائه أكثر من أي طرف آخر. وبغض النظر عن قول المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين: "عندما يتعلّق الموضوع بأمننا، فإننا لا ننتظر موافقة أحد" ينبغي رؤية أنّ كل هذه المفاوضات ليست فقط من أجل الحصول على الموافقة من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، بل هي في الوقت نفسه من أجل الحصول على دعمهما. فهل يا ترى ستعطي هذه القوى الضوء الأخضر، وإن فعلت فهل ستتمكن من تحقيق "الانتصار" الذي ينقذ سلطة أردوغان؟

لم تتّخذ الولايات المتحدة الأمريكية موقفاً واضحاً بعد

يعلم الجميع أنّ الهجوم الاحتلالي والاستبدادي الذي يتم شنّه على باشور كردستان يجري بموافقةٍ ودعمٍ من الناتو، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية. وبغض النظر عن مدى تنفيذ الكاظمي للهجوم على شنكال بأمرٍ من تركيا فإن الجميع يدرك أنّ الولايات المتحدة الأمريكية هي الفائزة بحكومة الكاظمي. دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس في تصريحه إلى الالتزام بعملية وقف إطلاق النار التي انتهكتها تركيا عدّة مرات، إذ أنّ أي هجوم جديد من شأنه أن يعرّض عملية مكافحة داعش وأعمال التحالف الدولي، لاسيما أمان الجنود الأمريكان للخطر. ثم أفاد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في تصريحه حول روج آفا بأنّ العملية التركية ستزعزع استقرار المنطقة. رغم كل هذه التحذيرات وخلق تصور أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ضد الاحتلال؛ يجب إدراك أنّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تتّخذ موقفاً واضحاً ضد تركيا إلى الآن. وهذا يشير إلى استمرار المفاوضات بينهما.

لا يمكن لتركيا إطلاق أي عمليةٍ بدون موافقة الولايات المتحدة الأمريكية إلّا بالاتفاق مع روسيا. وهذا يشير إلى نجاح السياسة الروسية باستخدام أردوغان ضد الناتو كحصان طروادة. اعتراض أردوغان على طلب السويد وفنلندا بالانضمام إلى الناتو، ولاسيما ضد سياسة الباب المفتوح للناتو والتي تعد في الأساس سياسة الولايات المتحدة الامريكية، سيكون خسارةً كبيرةً لأمريكا والناتو وانتصاراً أخراً لروسيا. يدرك أردوغان هذا جيداً وليتوجّه إلى روسيا فإن شريكه بهجلي يهدّد في الوقت نفسه بـ "إذا لزم الأمر فإننا سنخرج من الناتو". يسعى بهذه الطريقة إلى تحويل الوضع الجديد الناجم عن الحرب الأوكرانية- الروسية إلى فرصة لإعادة تصميم دول الناتو بما يتماشى مع مصالحها.

مساعي حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية السابقة لاجتماع الناتو

تسعى فاشية أردوغان- بهجلي التي ستلتقي بلافروف في الـ 8 من حزيران إلى تعزيز موقفها عبر المفاوضات قبل المشاركة في اجتماع الناتو في مدريد في الـ 29- 30 حزيران الجاري. كما تسعى فاشية أردوغان- بهجلي إلى الحصول على الموافقة النهائية لجميع دول وقوى الناتو من خلال دعم سياستها؛ سياسة الاحتلال، الإبادة والإنكار ضد الكرد. وبالطبع يطالبان بدعم سلطتهم مرةً أخرى. كما أنّ المسعى الثاني هو رفع الحظر المفروض على الصناعة الدفاعية في دول الاتحاد الأوروبي، والحصول على الموافقة في شراء طائرات F16 الجديدة وتحديث الطائرات القديمة لاسيما موافقة الولايات المتحدة الأمريكية، رفع عقوبات )كاتسا) والموافقة على احتلال وإبادة مناطق مثل كوباني، تل رفعت والشهباء خلال فترة قصيرة والسماح لها بالسيطرة على هذه المناطق.

المناطق التي يرغبون باحتلالها وردود الفعل

من ناحيةٍ أخرى، روسيا قلقة جداً من استمرار هذه الحرب لفترةٍ طويلة، إذ أصبحت الحرب الأوكرانية بالنسبة لها من الأن مستنقعاً يمكن أن تغرق فيه إن لم تحرز فيه تقدماً خلال مدة قصيرة. إذاً هل ستقبل حكومة دمشق بسيطرة تركيا على تل رفعت، الشهباء، منبج، كوباني والأهم السيطرة على طريق M4 لإبعاد تركيا عن الناتو؟ هل ستوافق إيران على هذا؟ كشف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية معارضته للاحتلال. كيف ستعتمد روسيا على سوريا وإيران رغم معرفة أنّ تركيا لم تخرج من المناطق التي احتلتها وكيفية استخدامها لخدمة مصالحها؟

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مقابلة له مع موقع روسيا اليوم: "لا يمكن لتركيا أن تظل غير مباليةً بما يحدث في سوريا" وفسّر وكأنّه "يمنح الضوء الأخضر لتركيا" وبغض النظر عن أنّ روج آفا كانت نقطة مهمةً على أجندة اجتماع أردوغان وبوتين إلى أنّه لم يتم اتّخاذ موقف واضح بعد. علينا رؤية أنّ هذا القرار سيكون قراراً صعباً بالنسبة لروسيا مثلها مثل إيران وسوريا. من جهةٍ أخرى؛ فإن روسيا هي دولة ضامنة إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية بحسب الاتفاقية التي عُقدت بعد حربي سري كانيه وكري سبي. وإن سمحت روسيا لتركيا بالهجوم فستنعدم الثقة بها لدى الشعب الكردي وعلى الساحة الدولية أيضاً.  

لن يقتصر المخطط على 30 كم فقط

يمرّ الكرد بمرحلة تاريخية وحرجةٍ جداً. لأن العالم يُشكّل من جديد، وتسعى فاشية أردوغان- بهجلي إلى القضاء على أدنى دعمٍ للكرد على الساحة الدولية. كما تسعى لإعادة إحياء الميثاق الملّي عبر العثمانية الجديدة. ولهذا وبغض النظر عن حديث أردوغان عن عمق 30 كم، فقد قال عضو الهيئة القيادية لحزب العمال الكردستاني مراد قرايلان إنّ هذا خطٌ يبدأ من عفرين ويمتد إلى حلب وباشور كردستان سيدكان وديانا. وفي الحقيقة إنّ التحضير لنقل مليون لاجئ سوري إلى هذه المناطق هو ذراعٌ آخر لهذا المخطط الهجومي والاحتلالي الشامل وذلك من أجل شرعنته على الساحة الدولية وإلزام المعارضة الصمت. 

إن التزمت الولايات المتحدة الامريكية وروسيا والرأي العام العالمي الصمت حيال هذا الاحتلال ولم تبدِ أي اهتمامٍ لها فإن أردوغان سيتوجّه بعد حفاظه على السلطة في انتخابات 2023 هذه المرّة إلى مناطق روج آفا التي تشمل قامشلو وحقول النفط. ولم يعد سرّاً أنها سيطرت بخيانةٍ من الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالفه على حقول النفط في باشور مثل حقول كركوك والموصل.

احتمالية شنّ أردوغان/ بهجلي للهجوم عاليةً جداً

هل يا ترى ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بدعم ولادة هتلر جديد أم سيمنعان ذلك؟ لكن في الحقيقة خلق الموقف الأخير المعارض لانضمام السويد وفنلندا للناتو والأزمة الأخيرة مع اليونان ردود فعلٍ كبيرة في الاتحاد الأوروبي وعلى الساحة الدولية. كما لن يكون من السهل على أحد بما فيهم الدول العربية أن تلتزم الصمت حيال هذا الاحتلال في المنطقة. ونعلم أنّ أردوغان قد غضّ الطرف عن روسيا التي لديها خلافات كبيرة مع سلطة أردوغان- بهجلي على صعيد الدفاع عن مصالح الناتو والولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة. وهناك أسباب عديدة لترجّح الولايات المتحدة الأمريكية حكومة أخرى غير حكومة أردوغان في الانتخابات القادمة. من المهم جداً بالنسبة لروسيا اهتمام أردوغان بمصالحه أكثر من اهتمامه بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية والناتو والبقاء داخل الناتو كحصان طروادة بوصفه أداةً مفيدةً جداً. ولكن وعلى الرغم من كل هذا فإنّ مخاطر واحتمالية قيام أردوغان بحركة الهجوم والإبادة هذا بدون الموافقة المشتركة لهاتين القوتين عالية جداً.

هل تملك سلطة أردوغان- بهجلي القوة الكافية للقيام بكل هذا وحدها؟ يمكن للجميع أن يرى بوضوح أنّه لم يتمكّن من تحقيق أي نتيجة من الهجمات التي يشنّها على مناطق زاب، آفاشين ومتينا بدعمٍ من الولايات المتحدة الامريكية والناتو وأنّها تكبّدت خسائر فادحة بفضل مقاومة الكريلا. وقد أثبت هذا لعشرات المرات أنّ قوات الكريلا لم توقف الاحتلال بدعم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بل بقوتها الذاتية. ومن المعروف، بأنّه سواء تلقّت فاشية أردوغان الدعم الذي تسعى إلى الحصول عليه من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا أم لا؛ فإنّ قوات سوريا الديمقراطية، وحدات حماية الشعب، وحدات حماية المرأة قد اكتسبوا خبرةً كبيرةً من عمليات احتلال عفرين، سري كانيه وكري سبي وأنهم يستعدون لمواجهة الهجوم بقواتهم الخاصة. وقد شاركوا ذلك بأنفسهم. قررت جميع شعوب شمال وشرق سوريا بما فيهم الكرد، العرب، التركمان، الشركس، الأرمن، الآشور، الكلدان مقاومة هذا الاحتلال. ينبغي أن نعلم أنّه مثلما توقف جميع الكرد إلى جانب الكريلا، فإنهم سيقفون إلى جانب أهالي شمال وشرق سوريا في حربهم ضد الاحتلال والإبادة.

قد يدفع حياته أيضاً ثمناً لذلك

مثل هذا الهجوم سيثير ردود فعل العالم أجمع وسيكون من الصعب جداً على الولايات المتحدة الأمريكية شرح ذلك للرأي العام مثلما كان في عهد ترامب. وينبغي أن يرى المرء أنّه إن اّتبع التحالف الوطني أردوغان وقالو أقاويل فارغة مثل "المصالح الوطنية"، لا تستغلوها في السياسة الداخلية" و"عدم التستر على المشاكل الداخلية بتنفيذ العمليات على الحدود" فلن يفوزوا في الانتخابات. ولاشكّ أنّه يتم الحساب ليقف جميع الأشخاص اليساريين، الاشتراكيين، والمؤيدين للديمقراطية والحرية مثل حزب الشعوب الديمقراطي ضد هذا بشدّة، ففاشية أردوغان- بهجلي ليست قوية كما تبدو. يمكن في هذه المقامرة الخطرة "سيخسر حياته أيضاً طالما أنّه يسعى للثأر لوالده".

ANHA