كيف يُفشل الموقف الشعبي السياسات التركية تجاه مناطق شمال وشرق سوريا؟

على الرغم من محاولاتها المتكررة، واتباعها كافة السبل لتفكيك مكونات الشعب في مناطق الإدارة الذاتية، عبر احتلالها لبعض المدن، وتجنيد العملاء في المنطقة، إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها نتيجة الموقف الشعبي الذي كان وما يزال الفيصل في مواجهة السياسات التركية.

تحارب دولة الاحتلال التركي، طوال تاريخها، شعوب المنطقة، وخاصة تلك التي تسعى إلى نيل حريتها، ولربما كان نموذج العداء التركي لمناطق شمال وشرق سوريا ذات التجربة الفريدة في الأعوام العشرة الأخيرة، خير مثال على ذلك.

العداء التركي تجاه المنطقة واحد، ويظهر للعلن بأساليب مختلفة، فتركيا تهاجم المنطقة عسكريًّا، وتسعى إلى احتلالها وإفراغها وتغيير ديمغرافيتها ومحو هويتها ولغتها، كما تتّبع سياسة الحصار، والتجويع، والحرب الخاصة عبر إدخال العملاء لتفكيك مكونات الشعوب، ونشر الفتن واتباع سياسة الأرض المحروقة، من خلال شنها الهجوم على بعض المدن وتدميرها، وتشريد آلاف الأسر.

 'الهجمات المباشرة وغير المباشرة'

مع بداية تحرير المناطق في شمال وشرق سوريا، حاولت الدولة التركية، بشتى الطرق، زعزعة الأمن الاستقرار فيها، واتبعت سياسة الحرب بالوكالة، ودعمت مرتزقة داعش، وجبهة النصرة، لشن الهجوم على المنطقة، وأبرز ما قام به مرتزقتها هو الهجوم الذي شنوه على مدينة كوباني عام 2014، والتي خاضت وحدات حماية الشعب فيها معركة العصر ضدهم، وكانت بداية النهاية لهؤلاء المرتزقة.

وبعد أن مُني مرتزقتها بالخسارة في مدينة كوباني، دخلت دولة الاحتلال بشكل مباشر على الخط، لتعلن الحرب على مدينة عفرين في 20 كانون الثاني عام 2018، وقامت بقصفها بالمدفعية الثقيلة، وإعلان هجوم برّي من قبل قواتها، ومرتزقتها، ومساندة الطيران الحربي لها، وسط مقاومة شديدة من وحدات حماية الشعب والمرأة.

وتسبّب هذا الهجوم بنزوح عشرات الآلاف من المدنيين، الواقعين تحت مرمى النيران التركية، وسط تنديد دولي لم يتعد البيانات، وحجة تركية بإعادة اللاجئين الى هذه المنطقة بعد تحريرها، وانسحاب مفاجئ من الشرطة العسكرية الروسية من هناك.

ولم تقف أطماع دولة الاحتلال عند هذا الحد، بل قامت بهجوم جديد، وهذه المرة بحجة إقامة "منطقة آمنة" للاجئين المقيمين على أرضها، وأعلنت الحرب، في العام الماضي، على مدينتي كري سبي/ تل أبيض، وسري كانيه/ رأس العين في الـ 9 من أكتوبر، بعد انسحاب القوات الأمريكية من هناك، والذي عُدّ بمثابة ضوء أخضر لهذا الغزو التركي.

وتجاهلت دولة الاحتلال التركي ما نجم عن عمليتها السابقة في مدينة عفرين، من نزوح للمدنيين، وتدمير البنى التحتية، بل تعدت هجمات تركيا على مدينتي كري سبي/ تل أبيض وسري كانييه/ رأس العين جرائم حرب بحق المدنيين، وقامت بقصفهما وسط دفاع قوي من قبل قوات سوريا الديمقراطية، وانتهى الهجوم بانسحاب قوات الديمقراطية إلى مسافة الـ30 كيلو مترًا من الحدود، بعد توصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تفاهم على انسحاب هذه القوات.

وتسبّب الهجوم التركي على هاتين المنطقتين بنزوح أكثر من 300 ألف مدني، وتدمير البنى التحتية، وقام مرتزقة دولة الاحتلال بقطع الطرق أمام المدنيين والقيام بإعدامات ميدانية لهم على الطريق الدوليM4 ، وكان من ضمن الضحايا الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف.

أمام الهجمات التركية العسكرية على المنطقة الساعية إلى هدم المشروع الديمقراطي الوليد، كان الموقف الشعبي عاملًا مهمًّا في عدم وصول تركيا إلى تحقيق أهدافها.

ويرى الرئيس المشترك لمجلس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD)) في إقليم الفرات أحمد شيخو أن "دولة الاحتلال نجحت في شراء المرتزقة، وتمكنت من استغلالهم، ولكنها فشلت في شراء شعب المنطقة، والحرب التي أعلنتها على مناطقنا، واحتلالها لبعض المناطق كعفرين ومدينتي كري سبي/ تل أبيض وسري كانيه/ رأس العين دليل على فشلها في الوصول إلى أهدافها المرجوة عبر حربها غير المباشرة، بالوكالة، عبر مرتزقتها".

 https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2020/12/02/071650_ahmd-shykhw.jpg

وأضاف "لذا، على جميع المكونات ألا يهابوا الحرب التركية، لأن الصمود في وجهها سيجبرها على التراجع عن فكرة الهجوم".

وبعد كل ما قامت به دولة الاحتلال التركي من قصف للمدن، وتدمير للبنى التحتية، ما زالت الى يومنا هذا مستمرة في أعمالها الشنيعة، مستغلة أي فرصة تتاح لها لقتل المدنيين، بغية تهجيرهم من المنطقة، تارة عن طريق عملائها وتارة عبر طائراتها المُسيّرة، التي تستهدف منازل المدنيين، والمجزرة التي ارتُكبت في قرية حلنج بمدينة كوباني عن طريق طائرة مُسيّرة خير دليل على أفعالها الانتقامية تجاه الشعب الأعزل، والتي راح ضحيتها 3 شهداء من النسوة الكرديات المدنيات، ناهيك عن قصفها اليومي لناحية عين عيسى وزرع الرعب في قلوب المدنيين هناك.

يقول عارف بالي، نائب رئيس مجلس عوائل الشهداء في إقليم الفرات، إن "دولة الاحتلال التركي دعمت بشكل مباشر المرتزقة ليهاجموا مناطقنا، وفتحت لهم الحدود، وبسببها استشهد المئات من أبنائنا، ولكننا في النهاية انتصرنا على مرتزقتها، وهذا ما دفع بها إلى استهداف منازل المدنيين عبر الطائرات المُسيّرة في الفترة الأخيرة".

وأضاف "يجب أن نبقى في أرضنا، لأن تخلينا عنها يعني تخلينا عن دماء شهدائنا، وعلى الشعب في مناطق الإدارة الذاتية ألا يفكر، مجرد تفكير، في الخروج من هذه الأرض لأن الخروج يعني التخلي عن الهوية والأرض".

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2020/12/02/071722_aarf-baly_1.jpg

'الحصار والحرب الخاصة وتجنيد العملاء'

الحرب الخاصة وما يرافقها من حروب نفسية وإعلامية وثقافية وتجنيد للعملاء، كانت وما تزال أبرز الأسلحة التركية في مواجهة مناطق شمال وشرق سوريا، والهدف التركي دائمًا كان تدمير المجتمع وتفكيك مكوناته باستخدام كافة الوسائل والسبل.

المخابرات التركية استغلت المئات من أبناء المنطقة، الذين هربوا من الحرب في المنطقة إلى تركيا، قدمت لهم آلاف الدولارات لتجنيدهم كعملاء لصالحها، وتدريبهم وإدخالهم الى مناطق الإدارة الذاتية لتنفيذ مخططاتها، واستخدامهم كسلاح في وجه التلاحم الذي يعيشه الشعب بسلام في هذه المنطقة.

ولكن مع إلقاء القوى الأمنية القبض على عدد من هؤلاء العملاء، بات وعي سكان المنطقة أكبر تجاه هذه المخططات التي يبدو أنها لن تعود بالكثير من الفائدة بعد الآن على تركيا.

عن هذا يقول أحمد شيخو: "إن دولة الاحتلال التركي معروفة عبر تاريخها بمحاربة شعوب المنطقة بكل السبل، وغالبًا ما تعتمد على تجريد الشعوب التي تعيش بسلام من الأخلاق، لأن تماسك المجمعات يسبب القلق لها، لهذا تحاول بشتى الطرق تفكيك المجتمع لوضعه تحت سيطرتها، وعندما تفشل في الوصول إلى مبتغاها، فإنها تتبع طرق المافيا، وهذا ما لاحظناه بعد ثورة روج آفا بعد فشلها في فرض الحصار وشن الهجمات، فإنها تتبع طريقة تجنيد العملاء من أبنائنا، عبر إغرائهم بالمال لتضمهم إلى صفوفهم لينفذوا مخططاتها، لكنها فشلت في هذا المخطط".

ويشدد عزت أوسكلي أحد وجهاء عشيرة الكيتكان، أكبر عشائر المنطقة، على ضرورة ألا ينجر شباب المنطقة خلف ما تسعى إليه دولة الاحتلال التركي، لأن هذا الطريق لا عودة منه.

ودعا الأهالي إلى ضرورة الحفاظ على أبنائهم من خلال إرشادهم إلى الطريق الصحيح، ومساندتهم فيما يعانون منه من المشاكل النفسية، التي من شأنها أن تكون سببًا رئيسًا في انحرافهم نحو درب العمالة.

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2020/12/02/071742_azt-awskly.jpg

كما كان الحصار التركي المفروض على المنطقة منذ انطلاق الثورة في شمال وشرق سوريا، عبر إغلاق تام للحدود، أحد وسائل الحرب التركية التي كانت تريد من وراءه إخضاع شعب المنطقة، لكن حدث العكس في الداخل، عندما بدأ الناس يعتمدون على قواهم الذاتية وإمكاناتهم القليلة المتاحة لتطوير نظام حياتهم اليومي، تناسبًا مع التطورات المحيطة بهم على الجغرافية السورية.

وعن هذا الموضوع، يقول عزت أوسكلي: "على الأهالي عدم الخضوع لسياسة الحصار التي تحاول دولة الاحتلال من خلالها إخلاء المنطقة من سكانها، لإدخال مرتزقتها إليها، ولهذا يجب عليهم مواجهة سياسة الحصار تلك بالمقاومة والصمود لأننا اليوم أمام خيارين، البقاء أو الفناء".

 (ج)

ANHA


إقرأ أيضاً