كومونة باريس و كومين روج آفا ما هي العلامة الفارقة بين التجربتين ؟

بالرغم من أنها لم تدم سوى 72 يوماً إلا أنها شكلت بتضحياتها انعطافاً تاريخياً من السلطة إلى الديمقراطية في قلب أوروبا، إنها كومونة باريس (كومين) التي قتلت في المهد، وبالمقابل ما الذي جعل تجربة الكومين في شمال وشرق سوريا تصمد رغم كل الهجمات التي لا تزال قائمة؟

في الـ 18 من آذار عام 1871 تأسست كومونة باريس من العمال والكادحين المناوئين للسلطة وأسسوا نظام إدارة ديمقراطي بعد عقود من قرفصة البرجوازيين على رقاب الشعب. وبالرغم من عمرها القصير إلا أنها أنجزت تغييرات راديكالية على صعيد الديمقراطية وأشركت الشعب في كافة القرارات التي اتخذتها.

وتشكلت الكومونة بالأساس من العمال الذين دافعوا عن فرنسا حين عجز الامبراطور نابليون الثالث عن مواجهة جيش بروسيا إحدى الممالك الألمانية الزاحفة باتجاه فرنسا.

كومونة باريس ألغت التجنيد الإجباري  والجيش الدائم وشكلت ما عرف حينها بالحرس الوطني وهم من العمال الذين يحملون السلاح. كما حددت كومونة باريس رواتب الجميع بشكل متساو ووضعت السطات التشريعية والتنفيذية بيد الشعب وفصلت الدين عن الدولة وأنهت حكم مقصلة الكنيسة.

كارل ماركس يشير إلى أن الكومونة قد سعت لتحرير التعليم من السلطات المفروضة عليه سواء من الدولة أو الكنيسة، وجعله مجانياً ومتاحًا للجميع. أما بالنسبة للنظام القضائي؛ فقد أرادت الكومونة رفع الحصانة عن موظفي القضاء، ليصبحوا قابلين للخلع، بل أقرت أن يجري انتخابهم في المستقبل بطريقةٍ مكشوفة. طبقت الكومونة أيضًا الشعارات القائمة على تكوين حكومة قليلة النفقات، فأصبحت الأداة التي حطم بها نظام الطبقات الاجتماعية عن طريق إنكار الملكية والاتجاه إلى العمل الحر المشترك، عوضًا عن استعباد العمال واستثمارهم.

توقيت ظهور الكومونة هام للغاية، ففي وقت كانت الرأسمالية التجارية في القرن السادس عشر التي تحولت إلى رأسمالية صناعية عقبها، تتحول إلى رأسمالية مالية مع بدايات القرن التاسع عشر. كان ظهور الكومونة في هذا التوقيت مصدر قلق كبير للنظام الرأسمالي الذي لم يرق له تشكل نظام ديمقراطي بعيد عن الاستغلال ويؤمن بالتشاركية أي أنه يلغي نظام الربح الأعظمي المبدأ الأساسي للرأسمالية المالية.

وبينما كانت الكومونة مشغولة بتنظيم نفسها، لم تكن حكومة الدفاع الوطني في فرساي الفرنسية لتضيع الفرصة للقضاء على نظام الكومونة.

وبينما كانت فرنسا في حرب مع بروسيا الألمانية تصالح المتخاصمان وتركا الحرب لتحقيق غاية مشتركة وهي إنهاء كومونة باريس. بالفعل تصالح بسمارك مع أدولف تيير في فرنسا وحرر بسمارك الآلاف من الجنود الأسرى الفرنسيين بغية المشاركة في الحرب على الكومونة.

وبالفعل تعرضت كومونة باريس لهجوم وحشي من قبل جيش حكومة الدفاع الوطني وجيش بسمارك وقصفت باريس بالمدفعية ويقال أن نهر السين تلون بالأحمر من كثرة المجازر التي ارتكبها الجيش النظامي بحق سكان باريس والمدافعين عن الكومونة. وجرى الهجوم الأكثر وحشية من 21 أيار وحتى 28 أيار أو ما يعرف في التاريخ السياسي الفرنسي بالأسبوع الدامي. وفي 28 أيار 1871 تم القضاء على الكومونة.

قاومت الكومونة وقدمت عشرات آلاف الشهداء من أجل حماية نفسها والمحافظة على وجودها إلا أنها لم تحقق أهدافها ولكنها تبقى ميراثاً نضالياً لا يستهان به في درب النضال ضد السلطة.

لكن ما الذي غاب عن الكومونة أو ما الذي كان يجب أن تفعله الكومونة ولم تفعله من أجل ديمومة وجودها؟

العديد من الباحثين في تاريخ فرنسا والحركات المناوئة للسلطة وللنظام الرأسمالي يشيرون إلى أن السبب الرئيس الذي أدى إلى انهيار الكومونة هو عدم وجود مشروع واضح لها وترددها في اتخاذ القرارات بسبب غياب برنامج محدد لها.

ويشير آخرون إلى أن بقاء الكومونة في وضع دفاع خامل وعزلها عن فرنسا وبقاءها محصورة في نطاق باريس هو سبب القضاء عليها.

على سبيل المثال، يقول كثير من الباحثين إن كومونة باريس لم تضع يدها على البنك المركزي وكان بإمكانها توظيف تلك الأموال الضخمة في خدمة الشعب. ويرى آخرون أن الكومونة التي لم تهاجم الجيش النظامي تركت الأخير يستجمع قواه وينظم صفوفه واستغل الفرصة المناسبة للانقضاض على الكومونة. كما أن بقاءها في نطاق جغرافي ضيق حال دون انتشار فكرها في فرنسا وانضمام الكثيرين إليها.

بالانتقال إلى روج آفا ونظام الكومين فيها الذي بدأ مع ثورة 19 تموز 2012 أي في عامها التاسع حافظ هذا النظام على نفسه بالرغم من القصور في التطبيق الناتج عن الفهم غير الصحيح لنظام الكومين. ولم يبق الكومين على حاله أو بعبارة أخرى لم يبق ثابتاً بل تطور فيما بعد إلى مجلس وتوج في 2014 بإدارة ذاتية على مستوى مقاطعات الجزيرة وكوباني وعفرين حينها وتطور لاحقاً إلى الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

طبعاً خلال الأعوام التسعة كان نظام الكومين دائماً في مرمى القوى المهينة على الصعيد الدولي والإقليمي ولا يزال عرضة لكافة الهجمات بشتى الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية. فما الذي أبقى نظام الكومين صامداً وواقفاً على قدميه في وقت توقع فيه كثيرون انهياره مع أول هجوم.

وكما تكالبت القوى المهيمنة على كومونة باريس تكالبت القوى التي تحمل ذات العقلية على نظام الكومين في روج آفا، وكما تصالحت فرنسا مع ألمانيا واللتين كانتا في حالة حرب من أجل القضاء على كومونة باريس، ترك الأسد وأردوغان خلافاتهما جانباً عندما بدأا يتحسسان رياح الديمقراطية تهب من روج آفا وكذلك فعلت روسيا وتركيا وأيضاً الولايات المتحدة الأمريكية خلال حكم دونالد ترامب واحتلال عفرين وسري كانيه وكري سبي أدلة واضحة على معاداة الأنظمة السلطوية للأنظمة الديمقراطية.

لا بد أن للصمود أسباب تاريخية أهمها أن روج آفا وجغرافية كردستان كانت مهد الكومين حيث تشكلت أولى الكلانات أي التجمعات البشرية المستقرة حول ضفاف نهري الفرات ودجلة وأدارت نفسها بشكل كومينالي وقاومت بقوة في وجه نظام المدنية المركزية، لعل أحد أبرز الأسباب هو البعد التاريخي وتوق شعوب المنطقة لنظام كومينالي بعيد عن السطلة التي مزقت المجتمع.

السبب الآخر، هو خروج الكومين من المناطق الكردية مثل كوباني وعفرين والجزيرة وانتشاره في باقي المناطق التي يقطنها العرب والسريان والأرمن والتركمان والشركس أي أن نظام الكومين في روج آفا تجاوز الطابع القومي والديني وأصبح  نظاماً تتبناه كافة المكونات، وعندما تعرض للهجمات هبّت المكونات جميعها للدفاع عن نظام الكومين الذي بات نظامهم هم أنفسهم.

كما أن نظام الكومين في روج آفا يستند إلى مشروع واضح يهدف إلى دمقرطة سوريا والشرق الأوسط عبر أسس الحياة التشاركية في السياسة والدفاع والاقتصاد والتعليم وكافة مناحي الحياة القائمة على مجتمع سياسي وأخلاقي ويحفظ حق الجنسين ويؤكد على ضرورة حماية البيئة. وهذه المبادئ تحظى بتأييد الغالبية الساحقة من الناس.

والأهم من كل ذلك أن نظام الكومين يستند بالأساس إلى مشروع الأمة الديمقراطية للقائد عبد الله أوجلان الذي أجرى بحثاً وتحليلاً معمقاً للنظام المهيمن وللحركات الديمقراطية وحدد الأسس والركائز لإنجاح مقاومات الشعوب والوصول بها للنصر بالاستفادة من تجارب الماضي وملائمة مع الواقع الراهن وقراءة سليمة للمستقبل.

ANHA