خبراء: وحدة السودان في خطر

تتواصل الأزمة في السودان على الرغم من مرور سنوات عديدة من سقوط نظام عمر البشير، حيث لم تشهد البلاد استقراراً سياسياً وعسكرياً، وسط استمرار المظاهرات الشعبية، فما هو دور الأطماع والتدخلات الخارجية في ذلك؟ وإلى أين تتجه البلاد؟

على مدار 4 سنوات متصلة وبالتحديد منذ الربع الأخير من عام 2018 لم تتوقف المظاهرات الشعبية في السودان حتى وإن اختلفت أهدافها وقوتها.

نجحت المظاهرات السودانية في الإطاحة بنظام عمر البشير في نيسان/أبريل 2019 بعد سيطرته على مقاليد البلاد لأكثر من 30 عاماً.

الإطاحة بالبشير لم تكن مرضية لعدد كبير من السودانيين الذين ما زالوا في الميادين والشوارع حتى هذه اللحظة مكررين مطالبهم التي لم تتغير على مدار 4 سنوات بإنهاء الحكم العسكري، والعودة إلى الحكم المدني.

بعيداً عن الأزمة السياسية والمظاهرات، كشفت تقارير حول دور روسي وصيني في نهب ثروات السودان وخاصة مخزونها من الذهب والمعادن النفيسة وفق اتفاقات مع قيادات في المجلس العسكري الحاكم بالبلاد.

وفى محاولة لرصد الأوضاع بالسودان، التقت وكالتنا بمجموعة من الخبراء المتخصصين في الشؤون الأفريقية لمعرفة أسباب الأزمة وتداعياتها وحقيقة الدور الدولي والإقليمي في تعميقها.

غياب الرؤية السياسية

الباحثة المتخصصة في الشأن الأفريقي، الدكتورة فريدة البنداري، تحدثت حول ذلك قائلة: "لا بد أن أعترف بخوفي من أي حراك يستهدف الإطاحة برأس النظام في أي بلد أفريقي أو عربي، وهنا الخوف ليس مرتبطاً بزوال النظام الحاكم،  بل مرتبط بالمجتمعات الأفروعربية التي لم تنتج عبر تاريخها من مؤسسات مجتمع مدني قادرة على تقديم رؤية لنظام حكم جديد، وفي ذلك خطر كبير يستهدف وحدة المجتمع ووحدة الجغرافية التي يسعى الاستعمار القديم الجديد لإعادة رسمها من جديد عبر تقسيم المُقسّم إلى دويلات طائفية أو عرقية متصارعة، والسودان بيئة خصبة لخلق عدة انقسامات عرقية، فثمة أطراف تسعى اليوم للسير على خطا جنوب السودان للظفر بدولة مستقلة أو حكم ذاتي على أقل تقدير".

وأضافت "إن كاميرات العالم ترصد والمحللون يتبارون في قراءة الطالع لمستقبل السودان، إذ بعد عامين في الحكم، وثلاثة أعوام من الانتقال، رأينا كيف أن التحالف الحاكم انقسم إلى أربع مجموعات متناحرة، وكيف أن حالة الغلاء والوضع الاقتصادي الضاغط التي قيل إنها كانت السبب وراء الثورة تضاعفت وطأتها، كما في حالة سعر الخبز ومئات المرات كما في أسعار الوقود وقيمة النقود ومعدلات التضخم، كما لوحظ في جانب البعد السياسي قيام الحكومة الانتقالية بحصر حقوق المواطنة فقط في طائفة منسوبيها، وجردت غيرهم من هذه الحقوق".

وأشارت إلى أنه بالنظر للخصوصية السودانية، فإن الأمل ضعيف في أن يتولى المدنيون مقاليد الحكم قريباً، وحتى وإن تولوا؛ ربما لم يكتب لتجربتهم للنجاح.

وتابعت "السودان يدخل العام الرابع للانتقال والعلاقة بين القيادة المدنية والعسكرية بشأن الحكم هو ترتيب يقوم على النفع والضرورة. وسيفضي غياب آليات إدارة المصالح المتباينة من القيادة المدنية والعسكرية إلى تحالف مدني-عسكري مشحون بالتوتر. فالجيش من جانبه يشعر بالقلق إزاء فقدانه الامتيازات والسلطات المطلقة التي كان يتمتع بها طوال 30 عاماً خلال حكم البشير. أما بالنسبة للقيادة المدنية، فلقد أدت المشاحنات الداخلية وانعدام الثقة فيما بينهم إلى إضعاف قدرتهم على تشكيل جبهة موحدة. لذا من المحتمل أن يؤدي طول أمد الأزمة السياسية إلى دفع أعضاء الجماعات المسلحة إلى التخلي عن اتفاقهم مع الحكومة واللجوء إلى العنف".

دور روسي كبير

وحول الوجود الروسي في السودان، قالت الخبيرة بالشؤون الأفريقية، إن تاريخ التقارب الروسي - السوداني يعود إلى العقود الثلاثة الأخيرة من عهد الرئيس السابق عمر البشير، حيث وقع عام 2014، وزير المعادن السوداني آنذاك أحمد الكاروري اتفاقاً مع وزير البيئة والموارد الطبيعية الروسي للتنقيب عن المعادن والنفط، من خلال عدد من الشركات الروسية، على رأسها شركة سيبرين، التي وقعت اتفاقاً عام 2015 بحضور الرئيس البشير نفسه، لإنتاج 46 طناً من الذهب خلال ستة أشهر، ولكنها فشلت في ذلك، ما دفع الحكومة إلى إنهاء امتيازها عام 2018".

وأضافت "في عام 2017، دخلت شركات للعمل في ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والشمالية مثل شركة غولد ميرور المرتبطة برجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوزين، حليف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس مجموعة فاغنر الأمنية الروسية الخاصة. وندّدت كل من الولايات المتحدة وفرنسا مؤخراً بتورط فاغنر في الاضطرابات السياسية وقتل المدنيين في مالي وأفريقيا".

وشهدت العلاقات الروسية - السودانية جموداً كبيراً عقب إطاحة نظام البشير، بثورة شعبية عام ٢٠١٩، لكن عقب انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع في أكتوبر ٢٠٢١، خسرت الخرطوم إلى حد كبير الدعم الغربي، فيما وجدت روسيا نفسها معزولة أكثر فأكثر بعد تحركها العسكري في أوكرانيا، ما مهد الطريق لعودة العلاقات بين البلدين مجدداً، لا سيما بعد زيارة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، نائب رئيس مجلس السيادة السوداني على رأس وفد رفيع إلى موسكو عشية بدء التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا.

هذا التقارب، أسهم بتكريس المصالح الروسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث أسفرت العلاقات عن تفعيل الاتفاق الذي وقعة البشير مع روسيا عام ٢٠١٧ لإقامة قاعدة عسكرية على الساحل السوداني تستضيف سفن تعمل بالوقود النووي، على أن يتمركز فيها 300 جندي، إلا أن حميدتي نفى أن يكون قد بحث مسألة القاعدة خلال زيارته إلى روسيا.

وبلغة الأرقام حول حجم الاستثمارات الروسية في السودان خصوصاً فيما يتعلق بتعدين الذهب، أفاد تقرير صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية نهاية العام المنصرم بأنه تم توزيع أفراد تابعين لمجموعة فاغنر في مواقع التنقيب عن الذهب، وأن فاغنر ساعدت في تشكيل مثلث نفوذ روسي يربط بين السودان وأفريقيا الوسطى وليبيا لتعزيز مصالح موسكو الاستراتيجية في دائرة وجودها في أفريقيا.

كما أكدت مصادر أمنية سودانية، مرات عديدة، أن خبراء روس ينشطون في مجال أمن الاتصالات ويحللون مضمون مواقع التواصل لمؤسسات مرتبطة بالدولة، خاصة قوات الدعم السريع.

انهيار كبير

خبير الشؤون الأفريقية، الدكتور محمد عز الدين يري أنه بعد حل حكومة حمدوك أصبح السودان بلا حكومة رسمية تدير شؤون الدولة وكل الأمور بيد مجلس السيادة بقيادة عبد الفتاح البرهان.

وأوضح خلال حديث لوكالتنا أن الوضع في الخرطوم متأزم جداً حالياً فهناك انتشار عسكري متعدد الولاءات، فهناك قوات المتمردين أكثر من 8 قوات، بالإضافة للجيش السوداني فضلاً عن قوات الدعم السريع التابعة لحميدتي، كما أن هناك بعض الأحزاب والتيارات التي حضرت مؤتمر جوبا وجاءت للخرطوم لتنفيذها.

وأكد إن الوضع هو في منتهي السوء ما سيقود البلاد لانهيار اقتصادي بسبب قلة الإنتاج والعمل خاصة في ظل عدم وجود أي مخزون استراتيجي سواء من الطاقة أو الغذاء.

وحذر الخبير في الشؤون الأفريقية من أن السودان يتجه لانهيار كبير جداً إذا لم يتم حلحلة المواضيع بشكل سريع وقوي مع ضرورة سرعة ضم هذه الفصائل المسلحة المنتشرة بالخرطوم للجيش السوداني، مع حتمية إضعاف قوات الدعم السريع التي تتمتع بوضعية خاصة داخل الجيش السوداني وتقنين وجودها كقوة خاضعة للقيادة العامة وليست منفصلة عنها خاصة أن مثل هذه الأوضاع جعلت هناك أقطاب حاكمة ومسيطرة وهناك شد وجذب بين القيادات العسكرية، فحميدتي يحظى بتأثير وتأييد في الشارع السوداني والبرهان أيضاً يحظى بذلك فضلاً عن النظام السابق الذى كلما بدأ السودان في الوصول لحل يحاول زعزعة الاستقرار.

وتابع "الوضع في السودان ينذر بكوارث حقيقية مع استمرار دول الجوار مثل أثيوبيا في الضغط على السودان إما بعمليات عسكرية في منطقة الفشقة أو بقرارات انفرادية في ملف سد النهضة".

وأشار إلى أنه وفي حال استمرار الأوضاع في السودان على حالها واستمرار عدم وجود أحزاب وغياب تيار وطني قادر على قيادة الشارع السوداني واستمرار المجلس السيادي في عدم تشكيل حكومة فإن السودان قد يواجه مصير ليبيا.

تنافس إقليمي ودولي

وحول التمدد الروسي في السودان، أكد عز الدين، أن الدور الروسي في السودان واضح وبارز جداً.

وكشف أن هناك صراع روسي - صيني على الموارد السودانية، فالروس يريدون قطعة من الكعكة السودانية في حين أن الصين تريد استكمال سيطرتها على "كامل الكعكة في السودان".

وأشار إلى أن حميدتي، قائد قوات التدخل السريع، قام في وقت سابق بزيارة إلى روسيا واجتمع مع بوتين قبيل أيام من التحرك في أوكرانيا، معتبراً أن هذه الزيارة شملت اتفاق على "سلب موارد السودان من الذهب"، مؤكداً أن أكبر مستفيد من التنقيب العشوائي عن الذهب بالسودان هي روسيا.

واعتبر أن الأمر لا يتوقف على صراع الصين وروسيا بل هناك بعض القوى الإقليمية تريد الدخول في السودان مثل تركيا التي كانت تريد الحصول على ميناء سواكن ووضع يدها على شواطئ السودان بالبحر الأحمر، وكذلك التطبيع مع إسرائيل حيث تسعى أميركا لتحقيق التطبيع الكامل بين الخرطوم وتل أبيب.

وبحسب الخبير في الشؤون الأفريقية، فإن الأزمة سببها "أن القوى الداخلية السودانية لا ترى هذه الأطماع ولكنها تعتبر أن هناك أطماع عربية في دولتهم ويشيرون في ذلك إلى الدور المصري والسعودي وهو أمر يدعو للسخرية كيف لا يرون الأطماع الإقليمية والدولية سواء من روسيا أو الصين وبريطانيا وتركيا ويهاجمون الدول العربية التي تسعى لحل مشاكل السودان وتوحيد كلمة شعبها والحفاظ على أراضيها موحدة".

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً