جمهورية مهاباد.. محطة تاريخية مشرقة ودروس وعِبَر

تجربة تأسيس جمهورية مهاباد الكردية شرق كردستان، تعتبر محطة تاريخية مشرقة في تاريخ نضال الشعب الكردي من أجل الحرية، كما أن مجمل الأحداث التي سبقت ورافقت مرحلة التأسيس، والأسباب التي أدت إلى سقوطها، مليئة بالدروس والعِبر لأي نضال تحرري كردي لاحق.

شرق كردستان هو ثاني أكبر أجزاء كردستان، تبلغ مساحته قرابة 125 ألف كم2، ويضم أربع محافظات واقعة غرب إيران، وهي أذربيجان الغربي ومهاباد وكرماشان وعيلام، خضع للاحتلال الصفوي بعد اتفاقية قصر شيرين عام 1639، وخضع للاحتلال الإيراني منذ بداية القرن الماضي.

ولم تشذّ السلطات الإيرانية عن باقي محتلي كردستان من جهة اتباع سياسات القمع والتهجير ونزع الهوية الكردية عن الشعب الكردي، رغم بعض الاستثناءات في مراحل تاريخية معينة تتعلق ببعض الحقوق الثقافية.

وتمكّن الشعب الكردي في شرق كردستان من الحفاظ على هويته القومية والثقافية، ولم تتوقف مساعيه من أجل نيل حقوقه السياسية والقومية، بدءًا من الانتفاضات الكردية ضد الصفويين بداية القرن السادس عشر، وصولًا إلى الانتفاضات الكردية بداية القرن العشرين، وتأسيس جمهورية مهاباد وإلى يومنا الراهن.

'الظروف السياسية التي سبقت الإعلان عن جمهورية مهاباد'

نظرًا للعلاقة المتينة التي كانت تربط إيران بألمانيا النازية، فقد ساد اعتقاد لدى دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية أن إيران ستتحالف مع ألمانيا النازية، كما أن أحد أهداف دول الحلفاء كان الوصول إلى منابع البترول في البلاد العربیة، وكردستان وإیران وأذربیجان، لذلك احتلت بريطانيا غرب إيران عام 1941، وضغطت على حاكم طهران رضا شاه للتخلي والتنازل عن العرش، وتركزت بريطانيا في كرمنشاه، أما الاتحاد السوفيتي فاحتل أغلب القسم الشمالي والغربي من أذربيجان.

 وسمحت القوى المحتلة بظهور حالة من الفراغ في المناطق الكردية الداخلة ضمن المنطقة الممتدة من مهاباد إلى سقز الواقعة ضمن منطقة نفوذ الاتحاد السوفيتي، والخارجة من سيطرتها المباشرة، وخارج السيطرة الفعلية للقوات الإيرانية.

'بروز مطالب سياسية كردية'

الشعب الكردي الذي لم يتوقف في أي مرحلة تاريخية عن المطالبة بحقوقه، حاول الاستفادة من التطورات في تلك الفترة، وبشكل خاص الفراغ الأمني والسياسي في إيران، للمطالبة بحقوقه القومية والسياسية وطالب ببعض المطالب السیاسیة التي تلخصت بـ "إعطاء الكرد الحریة في إدارة شؤونهم القومیة وفتح المدارس"، وهي بمجملها مطالب سياسية. 

كما حاولت الزعامات الكردية التقرب من بريطانيا لتحقيق مطالبها السياسية، إلا أن بريطانيا حاولت أن تدعم الحكومة الإيرانية ولم تقبل المطالب الكردية، فاضطر الكرد إلى اللجوء إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان مترددًا بشأن مطالبة الشعب الكردي بحقوقه، ولكن ولأسباب سياسية أخبر الاتحاد السوفيتي الزعامات الكردية بعدم الكرد في حق تقرير مصيرهم.

'إعلان جمهورية مهاباد'

بتاريخ 22 كانون الثاني عام 1946، أعلن القاضي محمد عن تأسيس جمهورية مهاباد الكردية، خلال احتفال كبير وأمام حشد من الأهالي والعديد من رؤساء العشائر ورجال الدين في ساحة (جار جرا) في مهاباد، ورفع العلم الكردي لأول مرة، وانتخب ممثلو جميع الطوائف والعشائر القاضي محمد ليصبح رئيس جمهورية مهاباد.

وألقى القاضي محمد خطابًا جماهيريًّا وسط مهاباد، قال فيها "الشعب الكردي (أمة) تعرض وطنه للتقسیم والاحتلال، وصودرت حقوقه، ولم یتمكن من حل قضیته، الكرد استيقظوا من سباتهم، ولدیهم أصدقاء أقویاء، وأن جمهوریة كردیة ذات حكم ذاتي قد تأسست في هذه اللحظات بالذات"، وقال "إن الجمهورية لا تستهدف الانفصال ولكن لوضع حد لسیاسة طهران تجاه الشعب الكردي".

'سلسلة منجزات تاريخية خلال فترة وجيزة'

خلال فترة وجيزة لم تتجاوز عامًا واحدًا من عمر جمهورية مهاباد، سطّرت تاريخًا حافلًا بالمنجزات المهمة على مختلف الصعد، السياسية والثقافية والإدارية والعسكرية، منها:

- تأسيس قوات البيشمركة.

- رفع العلم الكردي لأول مرة، والمكون من ثلاثة ألوان، في الأعلى اللون الأحمر والأبيض في الوسط والأخضر في الأسفل، أما شعار جمهورية مهاباد وسط العلم فهو عبارة عن قلم وسنبلتين من القمح.. حيث يرمز القلم إلى اهتمام الجمهورية بالعلم والثقافة، وسنبلة القمح ترمز إلى الإنتاج والعمل.. وكانت الشمس في أعلى الشعار تشرق لترمز إلى الحرية.

- ازدهار ثقافي معرفي في كل المجالات من إصدار صحف ومجلات، وتأسيس دور نشر، وتأسيس مطبعة كردستان.

- تأسيس محطة للإذاعة في مهاباد، وكذلك تأسيس سينما جوالة.

ـ وضع النشيد الوطني لجمهورية مهاباد.

- تعزيز مشاركة المرأة لأول مرة، وكذلك تأسيس اتحاد نساء في جمهورية مهاباد وتشجيعها على الدخول في الحياة السياسية والاجتماعية.

-  فتح عدد من المدارس لكلا الجنسين باللغة الكردية التي أصبحت لغة رسمية في مهاباد، وكذلك تعليم الأميين في مدارس مسائية.

- الاهتمام بالمسرح الكردي لأول مرة في مهاباد.

'الاتحاد السوفيتي أدار ظهره للشعب الكردي'

وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كان يعتبر الحليف الأول لحركات التحرر التي برزت خلال القرن الماضي، وعلى الرغم من كل الوعود التي قطعها السوفييت للكرد بدعم حقهم في تقرير مصيرهم، إلا أن المصالح الدولية غلبت على المبادئ.

كان الاتحاد السوفييتي يسعى بالدرجة الأولى إلى الحصول على امتياز نفطي في المناطق الشمالیة من إیران، وقد حقق مسعاه عندما تم التوقیع على اتفاقیة بین السفیر السوفییتي في طهران ورئیس الوزراء الإیراني "قوام السلطنة" في 4 عام نیسان 1946، تضمنت امتیاز النفط والتصدیق علیها من قبل المجلس الإیراني في أول جلسة له.

 وعلى إثر ذلك قرر الاتحاد السوفييتي الجلاء عن إيران، وخرجت القوات الروسية فعليًّا منها في شهر أيار عام 1964. وتركت الكرد يواجهون مصيرهم مع القوات الإيرانية، وليكون الشعب الكردي مرة أخرى ضحية للمصالح الدولية. 

'انهيار الجمهورية'

بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي لم يبقَ أمام زعماء جمهورية مهاباد سوى المقاومة أو الاستسلام، خاصة بعد أن فشلت جميع المساعي السياسية مع إيران للحصول على اعتراف رسمي بحكم ذاتي للشعب الكردي.

قرر رئيس جمهورية مهاباد القاضي محمد وعدد من الزعماء المقاومةَ والتصدي للقوات الإيرانية، إلا أن زعماء آخرين قرروا التراجع والاستسلام، بمن فيهم البارزانيين الذين كانوا يشكّلون عماد القوة العسكرية في ذلك الوقت، ويملكون كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، بحسب المصادر التاريخية.

وفي 17 كانون الأول 1946 اقتحم الجیش الإیراني أراضي جمهورية مهاباد، ومارست الإرهاب ضد الكرد، وحینها "كان البارزانیون قد عسكروا بقواتهم المسلحة قرب مدينة مهاباد غربًا، وبعهدتهم ثلاثة آلاف بندقیة حدیثة ومئة وعشرون مدفعًا رشاشًا ومدفعًا ميدانيًّا، ولم تقترب منهم القوات الإيرانية.

وفي 30 آذار نُفّذ حكم الإعدام برئيس جمهورية مهاباد القاضي محمد، ومعه أخويه سيف القاضي وصدر القاضي.

'دور البارزانيين المشبوه'

وصل البارزانيون إلى شرق كردستان في شهر تشرين الثاني 1945 أثناء التحضير لإعلان جمهورية مهاباد، واستقبلهم القاضي محمد، وضمهم إلى القوات العسكرية، وخضعوا لبرنامج تدريبي، ووُزعت عليهم أسلحة جديدة.

يقول الباحث عبدالله شكاكي في بحث نشره مركز فرات للدراسات، إنه "أثناء هجوم القوات الإيرانية على مهاباد، وتحديدًا في 22 كانون الأول عام 1964 "جرى لقاء بين ملا مصطفى البارزاني والجنرال الإيراني "همايوني" الذي كان يقود الجيش ضد مهادباد، وفي اللقاء كتب البارزاني "رسالة ولاء للجيش الإيراني باللغة العربية"، ونستشف من ذلك أن القيادة الإيرانية كانت على اتفاق مسبق مع البارزاني".

ويضيف أيضًا: "سافر البارزاني إلى طهران مع ضباطه ومكثوا فيها أربعين يومًا، ولا أحد يدري ماذا جرى في كل تلك الأيام، باستثناء ما أُعلن أن النقاش كان حول إيجاد ملاذ آمن للبارزانيين"، بينما كان القاضي محمد في مهاباد قيد الحجز المنزلي وتحت رقابة مشددة.

'روسيا الدولة التي لا تفي بوعودها'

السياسة الروسية تجاه الكرد في تجربة جمهورية مهاباد يحيلنا إلى مجمل العلاقة الروسية مع قضية الشعب الكردي، منذ العهد القيصري وحتى يومنا هذا.

يقول الدكتور خوشافي بابكر مندوب الحزب الديمقراطي الكردستاني في موسكو، إن العلاقات الروسية الكردية تمتد إلى العهد القيصري، حيث ساعد الكرد روسيا القيصرية في حروبها ضد العثمانيين والفرس "وهذا أمر طبيعي، حيث كان الكرد يطمحون دومًا إلى التحرر من امبراطوريتين، الصفوية والعثمانية، وكانت روسيا في حرب مع هاتين القوتين".

ولكن روسيا تنكرت على الدوام للصداقة الكردية، ولمطالب الشعب الكردي في الحرية، بل سعت إلى الاستفادة من رغبة الشعب الكردي في التحرر لزعزعة أعدائها.

وسبق أن وعدت روسيا الشيخ عبدالسلام البارزاني بداية القرن العشرين، بدعم انتفاضته ضد العثمانيين، ولكنها لم تفِ بوعدها، وتكرر الأمر كما هو معروف في تجربة جمهورية مهاباد، وصولًا إلى يومنا الراهن، حيث يعرف الدور السلبي لروسيا تجاه ثورة روج آفا وشمال وشرق سوريا، وبشكل خاص تواطؤها في تسليم مقاطعة عفرين إلى جيش الاحتلال التركي، حيث كانت توجد قواعد عسكرية للقوات الروسية في عفرين، وذلك لقاء مكاسب وتنازلات من تركيا فيما يخص الأزمة السورية، وكذلك امتيازات اقتصادية وصفقة بيع أسلحة إلى تركيا.

ANHA


إقرأ أيضاً