جدل المراسيم في تونس.. تحول سياسي يقطع الطريق على الإخوان

عادت الأزمة السياسية التونسية بالتوازي مع أخرى اقتصادية إلى الواجهة مجدداً، وذلك على خلفية المراسيم الأخيرة للرئيس التونسي، قيس سعيد، وفي وقت انتقد البعض هذه القرارات يرى آخرون بأنها ضرورية للحفاظ على الدولة وتقطع الطريق على الإخوان الذين يحاولون خلط الأوراق بعد فشلهم السياسي.

قوبل القانون الانتخابي الجديد المعلن عنه في تونس بردود فعل متباينة بلورتها مواقف لشخصيات سياسية معارضة وأخرى داعمة للمسار السياسي الذي ينهجه الرئيس قيس سعيد.

وفي وقت اعتبرت بعض الأطراف أن القانون الجديد سيؤسس لمشهد سياسي مختلف عن السائد وسيطوي صفحة الأحزاب السياسية بمفهومها التقليدي، أكدت أطراف أخرى أن هذا النظام الانتخابي يقوي "شوكة الأفراد" نظراً لأن الاقتراع سيكون على أفراد وليس على قوائم انتخابية كما كان الحال في المحطات الانتخابية السابقة في تونس منذ سنة 2011.

قانون الانتخابات.. تقليص للأحزاب ويقطع الطريق على الإخوان

وقلص القانون الانتخابي الجديد عدد أعضاء البرلمان الذي سينبثق عن الانتخابات البرلمانية المقررة يوم 17 ديسمبر (كانون الأول) المقبل من 217 نائباً إلى 161 نائباً، ورفع عدد الدوائر الانتخابية إلى 161 دائرة موزعة بين 151 داخل تونس و10 دوائر خارجها، بعدما كان العدد سابقاً في حدود 33 دائرة انتخابية من بينها ست دوائر انتخابية في الخارج.

كما تضمن هذا القانون عدداً من شروط الترشح من أهمها شرط تزكية 400 ناخب لكل مرشح، واستخراج بطاقة السوابق العدلية، والقيام بالواجب الجبائي، إلى جانب استثناء العاملين في عدد من القطاعات المهنية من الترشح إلا بعد سنة من مغادرتهم لنشاطهم المهني.

ولا يحق، وفق القانون الانتخابي الجديد، لأعضاء الحكومة ورؤساء الدواوين، والقضاة، ورؤساء البعثات والمراكز الدبلوماسية والقنصلية، والولاة، والمعتمدين الأول، والكتاب العامين للولايات (المحافظات)، والمعتمدين والعمد (وهم ممثلو الحكومة في المناطق المحلية)، والأئمة، ورؤساء الهياكل والجمعيات الرياضية، الترشح لعضوية البرلمان الجديد إلا بعد مرور سنة من انتهاء وظائفهم.

وينص القانون الانتخابي على أن يكون نصف المزكّين للمرشحين للبرلمان التونسي الجديد من الإناث والنصف الثاني من الذكور، على ألا يقل عدد المزكين من الشباب دون سن الـ 35 عن 25 في المائة، كما لا يجوز للناخب أن يزكي أكثر من مرشح واحد.

ويرى مراقبون بأن أكثر المتضررين من هذا القانون الانتخابي هم أحزاب الإسلام السياسي التي سينتهي دورها، كما أنها لا تستطيع ترشيح الأئمة كما كانت تفعل سابقاً.

الكاتب والمحلل السياسي التونسي، نزار الجليدي، تحدث حول ذلك، قائلاً: "بداية لابد من الإشارة إلى أنه من الإجحاف القول إن ثمة أزمة سياسية في تونس بدليل الدعم الشعبي الكبير الذي يلقاه الرئيس سعيد وهو ما تجلى في الاستفتاء الأخير على الدستور والذي كان منطلقاً لسن قانون انتخابي جديد اُستقبل بترحيب شعبي كبير لأنه أقصى الأحزاب التي يعتبرها أغلب التونسيين سبباً مباشراً في الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها البلد".

وأوضح "أما في جوهر القانون الانتخابي فهو كما جاء في ديباجته لا يقصي أحداً من التونسيين لكنه يقر الاقتراع على الأشخاص بدل القائمات وخفض عدد النواب من 217 نائباً كما كان في البرلمان السابق إلى 161 نائباً فضلاً على منح الناخبين إمكانية سحب الثقة من أي نائب لا يلتزم بوعوده الانتخابية ويقرر عشر الناخبين في دائرته سحب الثقة منه".

وأضاف "كما منع هذا القانون الانتخابي التمويل المشبوه وشدد العقوبات بشأنه فضلاً عن تكريسه مبدأ التناصف بين الجنسين من خلال التزكيات الـ 400 المطلوبة لكل من يريد التقدم للانتخابات مع إجبارية أن يكون ربع المزكين من الشباب، عموماً معارضي سعيد لهذا القانون مردود عليهم لأنهم أعلنوا مقاطعة الانتخابات من قبل صدوره".

جدل حول قانون "مكافحة الأخبار الكاذبة"

المرسوم الثاني للرئيس التونسي، قيس سعيد، هو المرسوم الخاص بـ "شبكة الاتصال وأنظمة المعلومات"، والذي أثار حالة من الجدل في تونس، بين مؤيد للقرار بهدف "ضبط انتشار الشائعات"، ومعارضين يصفونه بـ "المقيد لحرية الرأي والتعبير".

المرسوم الذي أصدره الرئيس التونسي يفرض عقوبة بالسجن خمس سنوات وغرامة مالية كبيرة على كل شخص ينشر "أخباراً كاذبة" أو "إشاعات" عبر الإنترنت.

وينص المرسوم على عقوبة بالسجن لمدة خمس سنوات وغرامة قدرها 50 ألف دينار تونسي، بحق أي شخص "يستخدم عمداً شبكات الاتصال وأنظمة المعلومات لإنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال معلومات كاذبة أو شائعات كاذبة"، وفقاً لـ "الجريدة الرسمية" في تونس.

الجليدي، قال حول ذلك: "القانون الجديد هو مقترح قديم قدم للبرلمان السابق وهو مطلب لطيف واسع من التونسيين وموجود في عدد من الدول الاوروبية، حيث زادت الأمور عن حدها في تونس وهو موجه أساساً لمستعملي شبكات التواصل الاجتماعي ولا علاقة له بحرية الصحافة والنشر المكفولة بالدستور".

وأوضح "هذا القانون يسمى بقانون (مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال) ويحتاج بالتأكيد لمزيد من الشرح حتى تبدد التخوفات بشأنه لكنه باعتقادي قانون يحمي الأعراض ويحافظ على الأمن القومي ويضع حداً لاستهتار الفايسبوكيين ونشرهم للإشاعات وهتك أعراض الناس وهي ظاهرة لم تعد تخفى على أحد في تونس وتضرر منها الآلاف وأوصلت فاسدين كثر للحكم في العشرية الأخيرة".

تحول سياسي وللإخوان دور في الأزمة الاقتصادية

وحول الوضع التونسي بشكل عام، قال الجليدي: "ما يحدث في تونس ليس أزمة بالمفهوم السياسي للكلمة وإنما هو تحول ضروري نحو نظام سياسي جديد بعد فشل النظام السابق بقيادة الإخوان ممثلين في حركة النهضة".

وأوضح "الواقع إن الإخوان ومن ولاهم يحاولون منذ 25تموز /يوليو 2021 إشعال فتيل الأزمة للضغط على سعيد وقد استعملوا في ذلك كل الوسائل المشروعة منها وغير المشروعة كالاحتجاجات المتواصلة والاستقواء بالخارج وهم الآن يلعبون آخر أوراقهم بالتواطؤ مع عدد من المهربين والمحتكرين وعدد من رجال الأعمال الفاسدين لتجويع الشعب حتى يثور على سعيد وذلك بسحب السلع من الأسواق والترفيع اليومي في الأسعار، لكن مخططاتهم مكشوفة والشعب لفظهم".

وحول الخطوات المقبلة في تونس، أوضح الكاتب والمحلل التونسي: "سياسياً البلد في اتجاه ترسيخ الجمهورية الجديدة وستكون الانتخابات التشريعية في 17ديسمبر 2022 محطة هامة نحو الاستقرار السياسي بنظام حكم جديد يقطع مع الأحزاب ومصالحهم الضيقة وينتصر للشعب عبر انتخاب برلمان ثم انتخاب المجلس الوطني للجهات".

وأضاف في هذا السياق "أما اجتماعياً واقتصادياً فتبدو الأمور في طريقها للاستقرار أيضاً بعد الاتفاق التاريخي بين الحكومة واتحاد الشغالين والذي أفضى لزيادة مقبولة في الأجور وهدنة اجتماعية لثلاث سنوات، هذا الاتفاق سيسرع من تمتع تونس بالقرض المنتظر من صندوق النقد الدولي بمبلغ 4مليار دولار وهو ما سينعش الميزانية ويفتح الباب أمام الحكومة لقروض وهبات أخرى".

الأخطار لا تزال موجودة

وحول التخوفات من وقوع الشعب التونسي بين فكي الإسلام السياسي والاستبداد، يقول الجليدي: "حقيقة لا يوجد تخوف شعبي مطلقاً إنما التخوف صادر من النخب وهو تخوف في محله لكنه في غير موضعه لأن الدستور الجديد قطع نهائياً مع الاستبداد وفيه أحكام كثيرة تحصن الشعب من أي حاكم يريد أن يكون مستبداً هذا دون أن ننسى أن الشعب التونسي لن يرضى بالعودة للاستبداد مع تنشقه نفس الحرية والديمقراطية، أما التخوفات من عودة الإسلاميين للحكم فهي فزاعة يستعملها البعض ولن يعودوا لأنهم فقدوا ثقة الشعب التونسي".

واختتم الكاتب والمحلل السياسي التونسي، نزار الجليدي حديثه، قائلاً: "لكن هذا لا يعني أن الأخطار لاتزال تهدد البلد وهو ما يقتضي توسيع دائرة القرار السياسي والاقتصادي وضرورة انفتاح الرئاسة التونسية على المنظمات ومكونات المجتمع المدني التي تتقاطع جميعها حول ضرورة طي صفحة العشرية السوداء والانطلاق في بناء الجمهورية الجديدة".