إذا لم نتفق الآن على مواجهة المحتل التركي، فمتى؟! - ضياء اسكندر

مع اقتراب الانتخابات النيابية والرئاسية التركية المزمع إجراؤها منتصف العام القادم 2023، والمتزامنة مع مئوية "لوزان"، التي ترفضها تركيا بحجّة أنها – أي المعاهدة – "سلبت" منها "أراضٍ تتبع للسَّلطنة العثمانية"، والتي يحاول أردوغان أن يتجاوزها كمعطى تاريخي، حدّد خريطة تركيا السياسية؛ ليظهر بطلاً قومياً تركياً استثنائياً، ويقول للأتراك لقد استرجعتُ خريطة “الميثاقَ الملّي” التي أضاعها أتاتورك في لوزان.

وحيث إن شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم آخذةٌ بالانخفاض، وتنذر باحتمال خسارته في الانتخابات القادمة. وبغية تحسين صورته أمام ناخبيه، بالإضافة إلى إشغال الشعب التركي وإلهائه عن مشاكله الاقتصادية التي تفاقمت في الفترة الأخيرة؛ فقد أوعز إلى جيشه، منذ أيام، بشنّ عدوانه الوحشي الواسع المبيّت على طول الحدود التركية السورية، كـ «ردّة فعل انتقامية» على التفجير - المُدبّر - الذي حصل في إسطنبول واتهام حزب العمال الكردستاني بالوقوف وراء هذه العملية الإرهابية التي أودت بحياة عددٍ من المدنيين وإصابة آخرين، والتي رفضها وأدانها الحزب والقوات المتحالفة معه؛ كونه لا يلجأ عادةً إلى هكذا ممارسات لا إنسانية لتعارضها مع أخلاقيات الثوار.

واللافت للانتباه أن القصف لم يقتصر على الأهداف العسكرية، سواء التابعة لقسد أو للجيش السوري، بل شمل أيضاً المواطنين المدنيين وحتى السجون والمخيمات التي تضم مرتزقة داعش. بالإضافة إلى الكثير من منشآت ومرافق اقتصادية ومؤسسات خدمية (محطات كهرباء، ومحطات مياه، وصوامع حبوب، ومشافي ومستوصفات، وحقول نفط وغاز.. إلخ)؛ لقطع سبل الحياة عن مواطني شمال وشرق سوريا وإلحاق الأضرار بها، إمعاناً في قهر وإفقار وإذلال شعب المنطقة الذي يعاني بالأصل من الويلات على مختلف الصعد قبل الحرب. كل ذلك بغية إضعاف وإنهاك الإدارة الذاتية وجعلها تخضع لشروط الدول (الضامنة) – ثلاثي أستانة، بالإضافة طبعاً إلى شروط السلطة السورية التي لا يروق لها ولا لغيرها من دول الجوار، تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية التي حققت نجاحات لا يستهان بها على الرغم من كل الملاحظات على أدائها.

وفي ظل صمت القوى الدولية – غير المريب - وتواطؤ الدول الفاعلة في الأزمة السورية مع النظام الفاشي التركي في حربه العدوانية الظالمة، فإن اتساع رقعة الحرب وصولاً إلى دخول القوات العسكرية التركية برّاً إلى الأراضي السورية واحتلالها لعدد من المدن الحدودية، بات أمراً محتملاً في ظل سياسة التصعيد التي ينتهجها أردوغان الذي ما انفكّ يطلق تصريحاته ويهدد باحتلالها في العديد من المناسبات، متذرّعاً بمخاوف أمنيّة افتراضية وبحجة "القضاء على الإرهاب"، بينما هو في الحقيقة يستهدف تهجير أهالي المناطق الأصلاء وإحالتهم إلى العراء ومنافي التهجير القسري، مستغلاً الظروف الدوليّة المتوترة، وعبر تسويات، من قبيل التخادم السياسي، بهدف إنهاء الوجود الكردي؛ ليجعل من "المنطقة الآمنة" التي يعتزم فرضها، حاجزاً ديمغرافياً بين الكرد على طرفي الحدود؛ تنفيذاً لمشروع «العثمانية الجديدة» المتناغم مع "ميثاق المّلي" الذي يعدّ المناطق الجغرافية من الشمال الغربي السوري إلى الشمال الشرقي العراقي أراضٍ تركية. وفي طليعة المدن المرشحة مبدئياً للاحتلال هي (عين العرب/ كوباني، وتل رفعت ومنبج)، ضمن سياسة القضم التدريجي التي تنتهجها حكومة حزب العدالة والتنمية، عبر عملياتها العسكرية المختلفة (درع الفرات 2016-2017، غصن الزيتون - 2018، نبع السلام - 2019، المخلب – السيف 2022)، التي أسفرت عن مقتل المئات وتشريد وتهجير عشرات الآلاف من سكان المدن التي احتلتها، وهذه المدن تشكّل مساحتها أكثر من أربعة أضعاف مساحة هضبة الجولان المحتلة من قبل "إسرائيل" عام 1967. إذ تبلغ مساحة الأراضي التي احتلتها تركيا في السنوات الأخيرة 8835 كم²، وتضمّ أكثر من 1000 بلدة وقرية، بما فيها عفرين، وتل أبيض، ورأس العين، والباب، وإعزاز، وجرابلس. وقد اعتمدت سياسة التتريك وتغيير منظومة المناهج التعليمية، وإحداث تغيير ديمغرافي واسع النطاق، من خلال توطين أسر المرتزقة على حساب السكان الأصلاء الذين تم تهجيرهم، ورفع العلم التركي فوق المباني والإدارات الرسمية، وحصر التعامل بالليرة التركية، وهدم كل ما يمتُّ لتاريخ وتراث المنطقة بِصِلة.. وغير ذلك من الممارسات التي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان والمخالِفة لكل المواثيق والقوانين الدولية.

أمام هذه المخاطر المحدقة التي تنذر بآفاقٍ ليست في مصلحة شعب المنطقة ولا حتى في مصلحة الشعب التركي ذاته، فإنه ينبغي على القوى السياسية السورية وبمختلف انتماءاتها ومكوناتها القومية والدينية ومن دون استثناء أو إقصاءٍ لأيٍّ منها، الدعوة لتشكيل جبهة وطنية عريضة تتفق على برنامج، يمثل قاسماً مشتركاً يهدف إلى مقاومة العدوان والتصدي له وفضح مراميه الخبيثة. والعمل على سحب الذرائع من المجرم أردوغان ومنعه من تنفيذ وعيده بالاجتياح العسكري البري لأراضينا. ومن الأهمية بمكان فتح قناةٍ للتفاوض مع سلطة النظام السوري للوصول إلى تفاهماتٍ تُفضي إلى حلّ سياسي للأزمة السورية وفق القرار الأممي (2254) الذي لا غنى ولا بديل عنه حتى الآن؛ للخروج من الكارثة الإنسانية الفظيعة التي طالت كثيراً.  

أخيراً، ومما لا ريب فيه، أن برقية التعزية، بدلالتها الرمزية، التي وجّهتها قيادة "قسد" لذوي الضحايا من جنود الجيش السوري جرّاء العدوان الفاشي التركي على مواقعهم العسكرية، قد لاقت استحساناً وصدىً إيجابياً لدى كل من تعزُّ عليه وحدة سورية أرضاً وشعباً، ونأمل أن تلاقي الاستحسان ذاته من قبل السلطة الحاكمة في دمشق وتقابلها بالمثل. فالشعب السوري وبكافة فئاته مصيره واحد، ويفترض أن يكون في خندق واحد لمواجهة وردع أطماع جيش الاحتلال التركي.