إغلاق معبر تل كوجر.. ازدواجية المعايير الدولية تزيد معاناة النازحين في الداخل

إن ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع النازحين داخل الأراضي السورية يلقي بظلاله على القاطنين في مخيمات النزوح مع قدوم فصل الشتاء، وخصوصاً في مناطق شمال وشرق سوريا، التي أغلق معبرها الوحيد المخصص لدخول المساعدات الأممية منذ مطلع كانون الثاني المنصرم.

تعيش مناطق شمال وشرق سوريا منذ بداية الأزمة السورية حصاراً خانقاً، فرضته الحكومة السورية والمجموعات المرتزقة وتركيا المجاورة وسلطات باشور كردستان.

وما زاد من المعاناة، تسيس الدول المتدخلة في الشأن السوري للملف الإنساني، حيث تحاول هذه الدول فرض سياسة التجويع على منطقة شمال وشرق سوريا، بهدف إفشال الإدارة الذاتية فيها.

'روسيا وتعقيد الملف'

واستخدمت روسيا بعد دخولها بشكل مباشر على خط الأزمة السورية، حق الفيتو (النقض) لمعارضة أي مشروع في مجلس الأمن يضر بشرعية حكومة دمشق.

وفي خطوة لتحقيق مآربها في سوريا عطلت روسيا قرار مجلس الأمن الذي يسمح بدخول المساعدات إلى عدة مناطق سورية، وسمحت بدخولها عبر معبرين فقط، وهما معبر باب الهوى، ومعبر باب السلام الواقعان تحت سيطرة الاحتلال التركي ومرتزقته، الأمر الذي يؤدي إلى حرمان مناطق شمال وشرق سوريا من المساعدات الأممية.

'تل كوجر... وفرض الحصار'

يعد معبر تل كوجر ثاني أكبر المعابر الحدودية بين سوريا والعراق، ويقع في أقصى شمال وشرق سوريا على بعد 60 كم عن ناحية ديريك، 90 كم عن مدينة قامشلو، ويبعد 135 كم عن مدينة الحسكة، حررته وحدات حماية الشعب والمرأة من مرتزقة داعش وجبهة النصرة أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2013.

وعلى الرغم من أنه المنفذ الوحيد بين سوريا والعراق على الطريق الدولي (M4)، لكنه ظل مغلقًا طيلة سنوات الحرب السورية، نتيجة محاولات الدول المتدخلة في الشأن السوري إفشال مشروع الادارة الذاتية وعلى رأسها روسيا. 

وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، استخدمت روسيا والصين "الفيتو" ضد مشروع قرار كان من شأنه أن يسمح باستخدام معابر العراق وتركيا لمدة عام واحد، وتحتاج الموافقة على أي قرار تأييد 9 أصوات، دون استخدام روسيا أو الصين أو الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا "الفيتو".

ولاحقاً تم تمديد الآلية الأممية لإدخال المساعدات إلى سوريا ولكن عبر معبرين فقط هما باب الهوى وباب السلامة الخاضعان لسيطرة الاحتلال التركي، فيما تم إغلاق معبر تل كوجر والرمثا أمام المساعدات الأممية.

'اغلاق المعابر موضوع سياسي بحت'

مدير مكتب شؤون اللاجئين في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا شيخموس أحمد يُرجِعْ عدم فتح المعبر إلى عدة أسباب أهمها الأسباب السياسية؛ ويقول: "بداية تحرير معبر تل كوجر دعت الحكومة العراقية إلى وجوب التعامل مع موظفي الحكومة، وضرورة رفع العلم السوري، إلا أنها حجج وواهية، والموضوع سياسي بحت".

وأكد أحمد في تصريح لوكالتنا أنه "بالرغم من اللقاءات العديدة والمتكررة مع الحكومة العراقية حول فتح المعبر لكن يبدو أن التنسيق مع النظام ناهيك عن الضغط من قبل السلطات الإيرانية حالت دون فتح المعبر".

وأضاف "عندما استخدم الفيتو من قبل روسيا والصين لصالح الدولة التركية بإغلاق معبر تل كوجر أمام تدفق المساعدات الإنسانية لمناطق شمال وشرق سوريا وسوريا عموماً، أُغلِقَ معبر تل كوجر والرمثا مع الأردن، وتم السماح فقط بمعبر بين تركيا وسوريا (معبر باب الهوى) والذي يقع تحت سيطرة الجيش التركي ومرتزقته، وذلك لأهداف سياسية بالضغط على الإدارة الذاتية من ناحية، واستقبال المساعدات الإنسانية عبر دمشق لتكون تحت سيطرة الحكومة السورية، وقد لا تصل هذه المساعدات إلى مناطق شمال وشرق سوريا". 

ويرى أحمد أن الفيتو المزدوج يخدم الدولة التركية التي تهدد مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، كما يخدم الحكومة السورية عبر ضغطها على الإدارة الذاتية لقبول شروطها.

'فرض سياسة التجويع على 800 ألف نازح و4 ملايين نسمة'

وأثر قرار إغلاق معبر تل كوجر الحدودي سلباً في الوضع الإنساني في مناطق شمال وشرق سوريا التي تعيش حصاراً خانقاً، إذ يهدد قرار دخول المساعدات الإنسانية عبر معبر وحيد مع تركيا إلى مناطق محددة من سوريا تخضع للاحتلال التركي وسيطرة مرتزقة "هيئة تحرير الشام" حياة أكثر من 4 ملايين من السكان الأصليين القاطنين في مناطق شمال وشرق سوريا بسبب حرمانهم من المساعدات.

فيما يعيش النازحون الذين يبلغ عددهم حوالي 800 ألف نسمة حالة مأساوية، إذ افرزت عمليات الاحتلال والنزوح جراء الحرب الدائرة في البلاد، على مر سنوات الأزمة، (15) مخيماً في شمال وشرق سوريا، تتوزع ما بين إقليمي الجزيرة وعفرين، منبج، الطبقة والرقة، إلى جانب عشرات المخيمات العشوائية الموزعة في ريفي دير الزور الشرقي والغربي بالإضافة إلى ريف الرقة والطبقة ومنبج.

'الشتاء يدق أبواب النازحين'

إضافة إلى ذلك، يتحضر النازحون لصراع مع الظروف الجوية التي تزيد طينة مآسيهم بلة في فصل الشتاء، فيقاسون مصاعب الحياة في ظل الإمكانات المحدودة للإدارة الذاتية وسط تقاعس المجتمع الدولي عن أداء واجبه تجاههم.

آسيا محمد، من مدينة سريه كانيه، نزحت مع أسرتها المؤلفة من 8 أشخاص، إلى مخيم واشو كاني بعد هجمات الاحتلال التركي على سريه كانيه وكري سبي في 9 تشرين الأول/ اكتوبر 2019.

وتصف آسيا حالتهم المأساوية قائلةً: "فراشنا وأغطيتنا أصبحت مهترئة من الحجر الموضوع في على الأرضية"، وأضافت "خيمتنا هي المطبخ والحمام، وللضيف إن استضفناه".

وتضيف آسيا "المساعدة التي تقدمها المنظمات هي فقط بالاسم"، أما عن خدمات الإدارة الذاتية فتقول: "الإدارة تقدم كل ما هي قادرة على تقديمه".

وتطالب آسيا خلال حديثها مع مراسلتنا المنظمات بكل ما يستحقه الإنسان، وتزيد: "أطالبهم بأن نعيش كما يعيشون، يكفينا أننا تهجرنا، عليهم معاملتنا كبشر".

يسرى دحام عبد الله لا يختلف وضعها عن وضع آسيا، هي أمٌ لـ (10) أطفال تقول: "تهجرنا، حرقوا بيوتنا، سلبونا أملاكنا، الإدارة الذاتية ساعدتنا بإمكاناتها القليلة، لسنا مستعدين لاستقبال فصل الشتاء، لا أستطيع تحمل نفقة إكساء 10 أطفال وحدي، أتمنى من كل المنظمات أن تساعدنا وبأسرع وقت".

ومن جانبه يتخوف عماد الحمود الذي تهجر أيضاً على يد الاحتلال التركي من مدينته (سريه كانيه)، من أن يكون الشتاء قاسيًا، ويردف قائلاً: "نحن مقدمون على الشتاء، يلزمنا الكثير مثل الوقود للتدفئة (المازوت) وأغطية جديدة"، ويتبع حديثه بالقول: "الإدارة الذاتية لم تقصر، قدمت لنا في الصيف كل شيء، حتى المراوح".

'العبء يزداد على الإدارة الذاتية وعلى المنظمات التدخل فوراً'

من جهته يؤكد شيخموس أحمد أن معاناة النازحين تبدأ في فصل الشتاء حيث الأمطار والبرد القارس، ويزداد العبء على الإدارة الذاتية التي يجب عليها تأمين الاحتياجات الأساسية للنازحين في المخيمات، والتي تشمل استبدال الخيم البالية والقديمة بالجديدة، تأمين الألبسة الشتوية للنازحين، توفير التدفئة، والأدوية أمام تفشي الأمراض.

ويوضح أن جميع هذه المسائل بحاجة إلى دعم من قبل المنظمات الدولية، ولكن لا توجد حتى الآن بوادر مساعدة تقدمها مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ووكلائها، لذلك سيقع العبء الأكبر في تأمين كافة المستلزمات الأساسية لفصل الشتاء على عاتق الإدارة الذاتية. 

ويخلص أحمد إلى أنه من واجب المنظمات الدولية وبالأخص تلك التابعة للأمم المتحدة التكفل بكافة مستلزمات النازحين في المخيمات بمناطق الإدارة الذاتية، ويضيف قائلًا: "على التحالف الدولي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية الضغط على المنظمات التي خرجت مع بداية العدوان التركي لإعادة عملها وتقديم المساعدات للنازحين في مناطق شمال وشرق سوريا.

(آ س)

ANHA


إقرأ أيضاً