هل ينجح الحراك الدولي الأخير بشأن ليبيا؟

يشهد الملف الليبي تطورات وتحركات دولية كثيرة في محاولة من القوى الإقليمية والدول الكبرى؛ لضمان إجراء الانتخابات في أقرب وقت بما يقود لتشكيل حكومة ليبية منتخبة؛ تنهي حالة الفوضى الموجودة بالبلاد وتضمن استقرار إنتاج النفط الليبي الذي يحتاجه العالم.. فهل تنجح تلك الجهود أم يكون لفرقاء ليبيا وميليشياتها رأي آخر؟

شهدت الأيام الماضية تطورات ملموسة في الأزمة الليبية مع عودة اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5+5 في مدينة سرت الليبية، لاستئناف أعمالها، وذلك بعد أشهر من التوقف؛ بسبب الخلافات السياسية بين القوى المتنافسة في البلاد.

وشارك في الاجتماع الذي عقد على مدى يومين الأسبوع الماضي، المبعوث الأممي إلى ليبيا عبد الله باتيلي، كما تحدثت تقارير صحفية عن مشاركة وفد أميركي برئاسة أحد أعضاء الكونغرس.

تحركات دولية

ووفقاً لوسائل إعلام ليبية، فقد بحث الاجتماع ملفات توحيد المؤسسة العسكرية وخروج المقاتلين الأجانب من الأراضي الليبية إلى جانب مسألتي تبادل الأسرى وسبل دمج عناصر الميليشيات المسلحة في المؤسسات الأمنية الرسمية.

ويأتي عودة هذا المسار بالتزامن مع حراك إقليمي ودولي بشأن الأزمة الليبية، تمثل بدعوة مصر لممثلي قوى ليبية، بالإضافة إلى زيارة رئيس الاستخبارات المركزية الأميركية إلى ليبيا التي تعيش منذ 8 سنوات على وقع انقسام حاد لم يعرف له حلّ حتى اللحظة.

وحسب مراقبون، فإن من أهم ما يعيق حل الأزمة الليبية؛ هو التدخل الخارجي وخاصة من قبل تركيا وروسيا حيث دفع البلدين بالآلاف من الميليشيات والمرتزقة للقتال إلى جانب أطراف الأزمة فضلاً عن وجود حكومتين متناحرتين بالبلاد.

ووفقاً للخبراء، فإن هناك رغبة إقليمية ودولية في إجراء الانتخابات بليبيا من أجل إنهاء الفوضى وضمان استمرار إنتاج النفط في ظل الأزمة العالمية التي تواجهها الأسواق الدولية على خلفية التحرك العسكري الروسي في أوكرانيا.

وحسب الباحث المصري المتخصص في الشؤون الليبية، علاء فاروق، فإن توقف اجتماعات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة 5+5 خلال الأشهر الماضية يرجع لطبيعة اللجنة نفسها حيث تتكون من ممثلين عن الفرقاء الليبيين، فهناك تابعون لحفتر وآخرون محسوبون على الدبيبة وكل يتحرك وفق سياسات وتعليمات الفريق التابع له.

وقال فاروق لوكالتنا، إن "عودة اجتماعات اللجنة، تأتي بعدما رأى المجتمع الدولي ضرورة الحفاظ على وقف إطلاق النار في ظل الانسداد السياسي بالبلاد ووجود نوايا للتصعيد خاصة بعد خطاب حفتر الأخير"، معتبراً أن " عودة اجتماعات اللجنة قد تمنع عودة حالة الاحتراب أو وقوع صدام عسكري مرة أخرى؛ يعيد الأزمة لنقطة الصفر".

توحيد المؤسسة العسكرية

ورأى فاروق أن "توحيد المؤسسة العسكرية الليبية معقد بعض الشيء لأن الخلاف بين القوى العسكرية ناتج عن الانقسام السياسي بالبلاد"، لافتاً "في الوقت نفسه إلى أن الوضع الآن أفضل بكثير مما سبق حيث يمكن القول، إنها شبه موحدة خاصة بعد تقارب رئيسي الأركان عبد الرزاق الناظوري ومحمد الحداد واجتماعهم بتونس".

 وحسب فاروق فإنه يمكن القول إن "المؤسسة العسكرية الليبية، شبه موحدة ولا توجد مشكلة سوى في بعض المجموعات المسلحة في الغرب الليبي وبعض المجموعات المتطرفة في الشرق الليبي؛ هم من يقفون حجر عثرة أمام توحيد المؤسسة العسكرية بشكل كامل"، مشيراً إلى أنه "بعد التحركات الأخيرة لواشنطن في ليبيا وما يمكن وصفه بالعين الحمراء الأمريكية التي أظهرها المسؤولون الأمريكيون، لفرقاء ليبيا ستكون المؤسسة العسكرية هي أقرب المؤسسات للتوحيد في ليبيا".

ميليشيات تركيا وروسيا

وعن الوجود العسكري لتركيا وروسيا في ليبيا، رأى فاروق أنه "يجب التفريق بين الطرفين، مشيراً إلى أن الوحدات والمجموعات العسكرية التركية الموجودة في الغرب نسبة كبيرة منها جاءت باتفاقية عسكرية وقعت بين أنقرة وحكومة السراج وخروجها يتطلب إلغاء هذه الاتفاقية".

أما الميليشيات والمرتزقة السوريين الموالين لتركيا بالغرب الليبي، فأكد فاروق " على ضرورة خروجهم حتى لو وصل الأمر لاستعمال القوة ضدهم".

وأشار فاروق إلى أن "هناك مجموعات روسية مسلحة تابعة لمرتزقة فاغنر جاءت إلى ليبيا أثناء العدوان على طرابلس وكانت تقاتل في صفوف حفتر"، مشيراً إلى أن "هذه المجموعات موجودة بقوة ولها نفوذ كبير في الشرق الليبي ومن الصعب التخلص منها بشكل مفاجئ، ولكن لابد من وضع خطة لإخراجهم".

 ورأى أنه "يمكن للدولة المصرية، أن تلعب دوراً في إخراج قوات فاغنر بحكم كونها أقرب للشرق الليبي ويمكنها إقناع حفتر بطريقة ما؛ لإخراج هؤلاء في أقرب وقت، ولكن الأزمة في فاغنر".

وحسب فاروق، أن "لهم استحقاقات مالية لدى حفتر ومن الصعب أن يدفعها لأنها مبالغ كبيرة بالعملة الصعبة وربما يكون الحل أن يتكفل بعض حلفاء حفتر من القوى الإقليمية والدولية لتسوية استحقاقاتها وحساباتها ويتم خروج فاغنر على مراحل".

زيارة رئيس الاستخبارات الأميركية

وعن الزيارة التي قام بها رئيس الاستخبارات الأميركية لليبيا، أضاف فاروق" إن الزيارة مهمة في هذا التوقيت وكانت تحمل رسائل قوية للفرقاء الليبيين"، لافتاً إلى أنه "لم يجتمع سوي بالدبيبة وحفتر، حيث أكد للدبيبة ضرورة إجراء الانتخابات في هذا العام، وأن شرعية حكومته متوقفة فقط على العملية الانتخابية وأنهم سيدعمونه فقط، إذا دعم العملية الانتخابية وحافظ على زيادة إنتاج النفط".

 كما ناقش المسؤول الأميركي مع حفتر، ملف النفط واشترط عليه الحفاظ على الموانئ النفطية مفتوحة دائماً وعدم السماح للميليشيات بإغلاقها.

ماذا يريد الاحتلال التركي من ليبيا؟

ورأى فاروق أن "مصالح الاحتلال التركي في ليبيا تتلخص في البحر المتوسط"، مؤكداً أن "الاتفاقيات التي وقعتها أنقرة مع حكومتي السراج الدبيبة؛ تحقق الهدف الاستراتيجي للأتراك الذين يريدون أن يكون لهم موطئ قدم بالبحر المتوسط".

وكشف فاروق أن "دولة الاحتلال التركي، بدأت تتخذ من مدينة مصراتة الليبية مقراً لإقامة مشروعات كبرى وذلك بعد السيطرة على موانئ مصراتة والمنطقة الاقتصادية المفتوحة بها وذلك من أجل الانفتاح على شمال إفريقيا والسيطرة على السوق الإفريقية عامة".

وأشار إلى أن "الأتراك يريدون أن يكون حلفاءهم موجودون في المشهد بليبيا بقوة من أجل ذلك بدأوا مؤخراً الانفتاح على الشرق الليبي بعد أن سيطروا على الغرب، وفتحوا قنوات اتصال مع حفتر وعقيلة صالح؛ لضمان استمرار مصالحهم أياً كان من يصل للسلطة".

مصر والملف الليبي

ووفقاً لفاروق فإن "القاهرة تركز على ملف العمالة ومشاركة الشركات الليبية في إعادة إعمار ليبيا".

كما تريد مصر إجراء الانتخابات بشكل عام لأنها تجد صعوبة في التعامل مع الموجودين في المشهد الليبي خاصة في ظل رفضها التعامل مع حكومة الدبيبة، كما لا يمكن لها الاعتراف بحكومة باشاغا؛ كونها لم تنل دعماً أممياً ولا ثقة دولية.

وأشار فاروق إلى أن "مصر تتعامل فقط مع المجلس الرئاسي ومجلس النواب ومجلس الدولة، وخلال الفترة الماضية جمعت كل الأطراف للوصول لوثيقة دستورية يمكن إجراء الانتخابات عليها، لتبدأ مصر بعدها التفكير في دعم مرشح ما كونها تريد أن يكون لها يد ووراءها قوة في الداخل الليبي للسيطرة على الملف؛ نظراً لحساسيته للأمن القومي المصري".

كما تسعى القاهرة، حسب الباحث "لتحقيق مصالحها في التنقيب بالبحر المتوسط خاصة بعد قرار السيسي بترسيم الحدود مع ليبيا"، لافتاً إلى أن "هناك رغبة مصرية في منع تركيا من التوغل في المتوسط والتصدي لمحاولات أنقرة مد نفوذها في الشرق الليبي".

أهداف روسيا

وبالحديث عن الدور الروسي في ليبيا، أكد فاروق أن "موسكو تريد الوجود بقوة في ليبيا نكاية في واشنطن، فضلاً عن رغبة الروس في منافسة الدور التركي؛ لتشابك علاقات البلدين في أكثر من ملف وخاصة الملف السوري، كما تسعى روسيا للحصول على نصيبها من الكعكة النفطية في ليبيا".

وأشار إلى أن "الروس يسعون لضمان مصالحهم المستقبلية في ليبيا عن طريق دعم معسكر أنصار وأتباع القذافي، حيث تقف موسكو بقوة وراء ترشيح سيف الإسلام؛ نجل الرئيس الليبي السابق في الانتخابات المرتقبة لمتانة العلاقات التي كانت تجمع والده مع الكرملين.

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً