هل هي نهاية مخلوف أم أنه يقفز من قارب نظام الأسد؟

في أول ظهور له منذ اندلاع الأزمة السورية خرج الملياردير السوري رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد في مقطع مصور نشره عبر صحفته على فيسبوك يشتكي فيه "لابن عمته" ظلم حكومته التي تطالبه بدفع مئة مليون دولار ضرائب متأخرة على شركة الاتصالات "سيرياتيل" التي يمتلكها، ليثير هذا الحدث الجديد أزمة في الدائرة الضيقة لنظام الأسد، ويفتح باب التكهنات أمام أسباب ودوافع وخلفيات إثارة مخلوف تلك الخلافات إلى العلن وفي هذا التوقيت بالذات.

لا شك أن حدث ظهور مخلوف الذي يعدّ بمثابة حاكم خزينة البلاد والمتحكم بكافة مفاصل الاقتصاد في سوريا بهذه الطريقة ومواجهته النظام ورأسه الذي لا يقبل هذا النوع من الخطاب المباشر، حدث غير اعتيادي، ويشير إلى وصول النظام إلى منعطف جديد قد يكون قاصماً لظهره، ولكن هذا الحدث يثير الكثير من التساؤلات من قبيل، هل الأمر متعلق بصراع على المال أو السلطة داخل الدائرة الضيقة لنظام أسرة الأسد؟ أم أن مخلوف يريد القفز من قارب النظام المشرف على الغرق والنجاة بنفسه وأمواله؟ أم أن الأسد الذي ضاقت به الحال واستنزف كافة مقدرات البلاد يريد الآن رمي رامي مخلوف من القارب ويستخدم أمواله للنجاة بنفسه ونظام حكمه؟ أم أن هناك جهات خارجية كروسيا أو إيران تدفعان مخلوف لكسر عصا الطاعة للأسد؟ أم أن الأمر متعلق بكل ما سبق مجتمعة؟

للإجابة عن تلك التساؤلات، سنبحث عن أهم الأسباب الداخلية والخارجية والأوضاع العامة الاقتصادية والسياسية التي تمر بها سوريا في هذه الفترة، لعلنا نهتدي إلى خيوط "لغز التصعيد".

أولاً علينا أن ندرك أن مخلوف الذي وصل إلى ما وصل إليه وبنائه لإمبراطورية اقتصادية ضخمة داخل وخارج سوريا ما كان له أن يحقق ذلك لولا سلطة آل الأسد، ابتداءً من وصول حافظ الأسد إلى السلطة والذي رفع شقيق زوجته "محمد مخلوف" من موظف محاسب في المطار إلى أهم مؤسسة اقتصادية وهي "التبغ"، ومن ثم مديراً للمصرف العقاري، وسمح له بمقاسمة جميع التجار والمستثمرين، لدرجة أسماه السوريون السيد 10%، وحتى تولي الأسد الابن السلطة، والذي واصل دعم مخلوف "الابن" لتصبح مملكة مخلوف كبيت مال الأسد ونظامه، لذا لا يمكن لمخلوف أن ينقلب على الأسد بسهولة أو من أجل مبلغ مئة مليون دولار والتي هي لا شيء بحسابات مملكة مخلوف المالية، وإن كان الخلاف هو على المال فحتماً ليس على ذلك المبلغ المذكور، وإنما استشعار مخلوف بخطر يهدد أركان امبراطوريته كاملة، ما دفعه لمواجهة ذلك الخطر المحدق بالشكل المباشر الذي خرج فيه.

يرى الكثير من المراقبين أن من إحدى أسباب التصعيد الداخلية هو تنافس جديد على كعكعة الاقتصاد السوري، ما بين آل مخلوف (أصهار حافظ الأسد) والتي يقودها رامي مخلوف، وآل الأخرس (أصهار بشار الأسد) والتي تتصدر واجهتها أسماء الأخرس زوجة بشار الأسد.

ويبدو أن زيادة الضغط على رامي مخلوف وشركاته من جانب أسماء الأسد، يأتي رداً على تسريب آل مخلوف فضائح اقتصادية للإعلام الروسي، منها فضح آلية عمل شركة "تكامل" المستحوذة على سوق ما يعرف بـ "البطاقة الذكية" والمملوكة لابن خالة أسماء، مهند الدباغ، وأيضا، برز اسم شركة "تكامل" بعد تعاقدها مع حكومة الأسد، عام 2016، وقد حصلت من خلاله الشركة على مبلغ 400 ليرة سورية مقابل البطاقة الذكية الواحدة التي اعتُمدَت لتوزيع المحروقات والسكر والأرز والشاي، وأخيراً الخبز.

وكذلك "فضيحة" شراء بشار الأسد لوحة لزوجته بمبلغ 30 مليون دولار، في وقت تعاني منها سوريا من أزمة اقتصادية خانقة، وهذه الفضيحة التي يقف خلفها آل مخلوف إنما جاءت ضمن خطة ردّ الصفعات لأسماء الأسد التي وجهتها إلى أسرة محمد مخلوف، ومحاولة تقليص دورها الاقتصادي في سورية.

وكانت أسماء الأسد أوعزت بوضع اليد على استثمارات رامي مخلوف، وفي مقدمتها جمعية "البستان الخيرية"، والوصاية على شركتي الاستثمار الخلوي في سوريا "سيرتيل" و "إم تي أن"، وتعيين مديرين من قبلها، بذريعة التهرب من الضرائب، ما أجبر مخلوف على دفع المبالغ المطلوبة لرفع الوصاية عن شركاته، ولا يستبعد أنها محاولة من أسماء للسيطرة على الشركتين كونهما أحد أهم مصادر السيولة النقدية لجميع مؤسسات النظام، وفضلاً عن ذلك، يبدو أن زوجة الأسد تسعى إلى صعود شخصيات اقتصادية جديدة إلى الواجهة، لتحل مكان رامي مخلوف.

وبما أن نظام الأسد يستند منذ عقود على دعامة بيت مخلوف الاقتصادية لتثبيت أركانه، فعلى ما يبدو أن الأسد وزوجته أسماء باتا يشكان في متانة هذه الدعامة، ويبحثان عن ممول جديد للنظام لدفع فواتير معاركه يكون بديلاً عن أسرة مخلوف الذين باتوا قريبين إلى روسيا أكثر من بشار القريب من إيران، بعد بروز أزمة الثقة بين روسيا والأسد وحديث الإعلام الروسي عن عدم رضا بوتين عن الرئيس السوري، لذا فإن الأسد يرى في دعامة مخلوف هشة ويمكنها إسقاطه في أية لحظة، خاصة وأن إيران التي تعاني من العقوبات وهجمة جائحة كورونا وبعد مقتل سليماني، لم تعد أوضاعها الاقتصادية والسياسية تسمح لها بتقديم مزيد من الدعم للأسد، بل الأكثر من ذلك فإن وجود إيران بحد ذاته في سوريا بات على المحك، حيث أن اسرائيل عادت مؤخراً إلى استهداف مواقع الإيرانيين ومخازن أسلحتهم في عدة مناطق داخل سوريا بمباركة روسية، ما يشير إلى توافقات دولية حول إنهاء أو تحجيم الوجود الإيراني في سوريا.

أما عن الأسباب الخارجية حول "لغز التصعيد" الحديث عن الدور الروسي الذي بات يضغط على الأسد، ومطالبته بأموال مستحقة جراء عقود النفط والغاز، وثمن أسلحة استخدمتها في سوريا لحماية الأسد، فروسيا أولاً وأخيراً همها من التدخل في سوريا توسيع النفوذ وكسب المال، وبما أن خزينة سورية مفلسة، فهذا ما دفع الأسد للبحث عن كبش فداء، ولم يجد أدسم من ابن خاله مخلوف ليفتدي به ويلقيه من سفينته المشارفة على الغرق واستخدام أمواله كطوق نجاة، وبذلك يكون قد ضرب عصفورين بحجر.

أما أسرة مخلوف التي تتحكم تقريباً في 60% من الاقتصاد السوري، فضلاً عن امتلاك عدد من شركات النفط والبناء، إضافة إلى الاستثمارات الضخمة في روسيا والتي تقدر بأكثر من 40 مليون دولار، يبدو أنها أيضاً استشعرت الخطر المحدق بها، وأدركت أن سفينة نظام الأسد تعصف بها الأمواج ومشارفة على الغرق خاصة بعد ظهور جائحة كورونا التي ضربت ما تبقى من أركان الحكومة السورية الهشة، وتلويح أمريكا بعصا عقوبات قانون قيصر التي باتت قاب قوسين أو أدنى لتقصم بها ظهر النظام وداعميه، ونية الأسد التضحية بهم للنجاة بنفسه، لذا يبدو أن مخلوف أراد أن يستبق الأحداث ويحاول القفز من سفينة الأسد قبل غرقها لعله ينجو بما معه من أموال، ويتقرب بها من روسيا المهتمة بالمال أكثر من الأسد.

وفي الختام يمكن الاستنتاج أنه سواء كانت أسباب التصعيد خلافات أسرية أو مشاكل داخلية أو ضغوطات خارجية، فبالمحصلة هي نتاج انسداد الأفق أمام حكم نظام الأسد وعدم قدرته على إحداث التغيير، وبما أن الأزمة وصلت إلى الحلقة الضيقة المقربة منه فهذا دليل قرب النهاية لنظام شمولي إقصائي حصر المال السوري في أيدٍ مقربة منه، وحرم الشعب من كل شيء، وحين اقتربت اللعبة من النهاية، وجد تلك الأيدي القريبة تحاول النجاة بنفسها وتتركه لقدره المحتوم.

ANHA