في ذكرى عيد الشهداء .. تركيا اليوم تواصل مجازر أجدادها في سوريا

التاريخ العثماني مليء بالمجازر الدموية ضد شعوب المنطقة من العرب والكرد والأرمن والسريان واليونانيين، وتركيا تسير بمجازرها في سوريا اليوم على خطا أجدادها، ما يستوجب  على السوريين الانتفاض ضدها لكي لا تُقتطع أرضهم كما حصل مع لواء اسكندرون.

يعدّ يوم السادس من أيار من كل عام عيداً للشهداء في سوريا ولبنان، على خلفية أحكام الإعدام التي نفذتها السلطات العثمانية إبان الحرب العالمية الأولى في عام 1916، ضد نخبة من المثقفين والوطنيين الثوريين السوريين واللبنانيين والفلسطينيين.

ارتكبت السلطات العثمانية مجازر عدة في الفترة ما بين 21 آب 1915 إلى  أوائل 1916، واختير يوم السادس من أيار عيداً للشهداء لإعدام عدد كبير من الوطنيين والثوريين في بيروت ودمشق فيه.

وقد نُفّذت أحكام الإعدام في عهد أحمد جمال باشا السفاح  أحد زعماء جمعية الاتحاد والترقي (الباشوات الثلاثة) والذي عين حاكماً على سوريا ولبنان عام 1915.

يقول المعارض السوري فاتح جاموس "لا شك أن مناسبة السادس من أيار ذكرى إعدام السلطة العثمانية لعدد من النخب المناضلة في منطقة سوريا الكبرى، قد شكلت واقعة وحدثاً كبيراً ذي دلالات باقية، تشير بوضوح وعمق إلى مدى تعصب تلك السلطات، تجاه كل حركات التحرر القومي والشعوب الواقعة تحت الاحتلال التركي، كما تشير إلى استمرار ذلك التعصب والنزوع إلى المجازر والاحتلالات وتحقيق المطامع الجيوسياسية، بشكل خاص على ساحة وطننا السوري، وكأن اليوم كالبارحة في كل ذلك بل هو أكثر سوءا".

ثورة المثقفين ضد بطش السفاح

بعد تولي جمال باشا السفاح زمام السلطة في سورية، اعتمد على الإرهاب والبطش، وبسط سيطرته بالقتل والتشريد، وفرض الضرائب والتجنيد الإجباري واللغة التركية، وازدادت هذه الممارسات بعد فشله في السيطرة على مصر وإخراجها من تحت سيطرة البريطانيين.

ونظراً لعدم تنفيذ السلطات العثمانية للقرارات الصادرة عن مؤتمر باريس عام 1913 والتي كانت تقتضي بمشاركة العرب في الحكم، وتمتعهم بالحكم الذاتي ضمن الدولة العثمانية آنذاك، واستمرارها بسياساتها الشوفينية القائمة على فرض السيطرة ونهب الثروات، إلى جانب سياسات التتريك للتراث اللغوي والحضاري في البلاد التي كانت تحتلها وعلى وجه الخصوص في بلاد الشام (سوريا ولبنان) والعراق، الأمر الذي أدى إلى اشتعال جذور الثورة وخاصة بين فئات المثقفين والسياسيين والشيوخ الذين طالبوا بخروج المحتل العثماني.

وعندما بدأت الثورات المطالبة بخروج الدولة العثمانيّة من المنطقة، زادت الأخيرة من التنكيل بتلك الشعوب في محاولة منها لفرض السيطرة على البلاد، وذلك من خلال سياسة الترهيب والإعدامات التي طالت العديد من الثوار والمناضلين والسياسيين والمثقفين في تلك المناطق.

تُهم للقضاء على المثقفين

زاد العثمانيين من تضييق الخناق على الشعب، فثار الشعب بقيادة المثقفين والسياسيين المعارضين للحكم العثماني ونظموا حملات تطالب فيها الالتحاق بالثورة العربية الكبرى التي انطلقت من الحجاز لإسقاط حكم العثمانيين.

ولجأ جمال باشا السفاح إلى أساليب مختلفة للنيل من هذه الثورة عبر إلصاق التهم بهم، وهي التخابر مع بريطانيا وفرنسا للإطاحة بهم.

وهذه الاتهامات شكلّت أرضية لعمليات قمع العثمانيين بحق القادة والمثقفين والساسة، وازدادت حدّة القتل والإرهاب، وبدأت سلسلة إعدامات بحق كل من كان يُشك به.

وعليه، أصدر جمال باشا أحكاماً بالإعدام على عدد من المثقفين والوطنيين من دمشق وبيروت في محكمة صورية في جبل لبنان.

ونفذت السلطات العثمانية هذه الأحكام على دفعتين، الأولى في 21 آب 1915، والثانية في 6 أيار 1916 الذي أعدم فيه عدد أكبر، في كل من ساحة البرج في بيروت، التي سميت فيما بعد بساحة الشهداء، وفي ساحة المرجة في دمشق.

ولتغطي السلطات العثمانية على جرائم جمال باشا السفاح في البلاد، فقد نقلته من سوريا، وعينت جمال باشا المرسيني (الشهير بالصغير) بدلاً منه.

ثم قُـتل جمال باشا السفاح في مدينة تبليسي عام 1922م على يد أرمني يدعى اسطفان زاغكيان، انتقاماً لما ارتكبه العثمانيون من مجازر بحق الأرمن عام 1915، ضمن حركة واسعة عرفت بعملية نيمسيس أي "العقاب" طالت جميع المسؤولين عن تلك الإبادة التي راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف مليون أرمني.

ولم يرضخ السوريون واللبنانيون للممارسات العثمانية، بل ساهمت هذه الممارسات في تكريس حقيقة مفادها أن الثورة هي السبيل الوحيد للتخلص من الاحتلال العثماني فكانت الثورة العربية الكبرى في عام 1916 التي شكلت بداية النهاية للدولة العثمانية التي حكمت المنطقة أربعة قرون متتالية، وبعد نجاح الثورة، أعلن المؤتمر الوطني السوري في عام 1920 استقلال سورية والعراق عن الدولة العثمانية.

6 أيار، يوم إعدام الثوار والمؤامرات التركية الخبيثة

رغم سقوط الدولة العثمانية، إلا أن حفيدتها الدولة التركية لم تغير من ذهنيتها وسياستها الشوفينية، فقد استهدفت كل الحركات الوطنية والمعارضة لممارساتها ومجازرها وكل المطالبين بالحرية والديمقراطية.

فقد أعدمت الحكومة التركية الثوري دنيز كزميش  أحد مؤسسي جيش التحرير الشعبي التركي الذي عُرف بمعارضته للحكومة في فترة الستينيات، إلى جانب اثنين من الثوار وهما يوسف أصلان وحسين إينان في يوم 6 أيار عام 1972.

ودنيز كزميش من مواليد 27 شباط 1947 آياش في أنقرة، وانضم إلى الشيوعية وهو في الجامعة، وكان متأثراً بفكر تشي جيفارا، وقد عارض سياسة الحكومة التركية اللاديمقراطية، وألقت السلطات التركية القبض عليه سنة 1971، ويقال بأن الثوار هتفوا وهم يُقتادون إلى منصة الإعدام "تحيا وحدة الشعب التركي والكردي وتحيا مقاومتهم ضد الفاشية".

و في ذات اليوم من عام 1996، حاولت الاستخبارات التركية اغتيال القائد عبدالله أوجلان الذي كان يقيم في مدينة دمشق، وذلك عبر تفجير سيارة مفخخة بالقرب من مكان إقامته حيث أصيب عدد من الأشخاص.

تاريخ مليء بالمجازر

إن التاريخ العثماني مليء بالمجازر المرتكبة بحق الشعوب غير التركية، فمنذ عام 1516 واحتلالهم لسوريا، ارتكب العثمانيون مذبحة التل ضد الطائفة العلوية في مدينة حلب، فهي كانت واحدة من أبشع الحوادث التي سُجلت في صفحات التاريخ،  حيث راح ضحيتها 90 ألف من الرجال والنساء والأطفال، وجاءت تسميتها بالتل بسبب البشاعة التي قام بها العثمانيون، حيث قاموا بجمع رؤوس الضحايا وتكديسها وسط المدينة على شكل تل كبير.

ولم تسلم كربلاء العراقية من بشاعة ودموية العثمانيين، ففي عام 1842 أقام العثمانيين المذابح في كربلاء، وقتلوا نحو 10 آلاف من النساء والأطفال والرجال.

وبالأسلوب ذاته، مارس العثمانيون سلوكهم الدموي ضد الشعب الكردي في باكور كردستان، وارتكبوا إبادات عرقية بحق الكرد في سنوات 1937-1938 التي عرفت بمذبحة ديرسم التي راح ضحيتها 40 ألف كردي وتهجير أكثر من 10 آلاف، وتضاف لها المجازر التي ارتكبت في ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925 ومجزرة "وادي زيلان".

ولم يسلم اليونانيون أيضاً من مجازرهم، فقد تعرضوا بين عامي 1914-1922، إبادة جماعية ضد اليونانيين في الأناضول، راح ضحيتها بين 450 ألف إلى 750 ألفاً، وتم ترحيل اليونانيين قسراً وتدمير المعالم المسيحية الأرثوذكسية الثقافية والتاريخية.

ولعل أفظع المجازر التي ارتكبها العثمانيون كانت بحق الأرمن عام 1915، حيث يقدر الباحثون أن أعداد ضحايا الأرمن تتراوح بين 1 – 1.5 مليون شخص، لذلك يطلق على هذه المجازر عدة تسميات منها "المحرقة الأرمينية والمذبحة الأرمينية والجريمة الكبرى"، وذلك لأن قتل العثمانيين للأرمن جرى بشكل متعمد ومنهجي خلال وبعد الحرب العالمية الأولى.

وفي العام نفسه، وقعت مذابح السيفو بحق السريان ،  أسفرت عن قتل 250 ألف إلى 500 ألف شخص.

وفي عام 1858 ارتكب الأتراك مذبحة ضد المسحيين في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية راح ضحيتها العشرات من التجار والأجانب، ومذبحة في العاصمة المصرية القاهرة، عام 1917 والتي قُدر عدد ضحاياها بـ 10 آلاف شخص.

تركيا اليوم تواصل مجازر أجدادها في سوريا

لم تنتهِ سياسات الأتراك في احتلال الدول المجاورة وتدخلها في شؤونها، واتباعها أساليب التتريك، والتهجير والقتل والدمار حتى بعد القضاء على الحكم العثماني في سوريا.

ويصف المعارض السوري فاتح جاموس سياسة تركيا الحالية بأنها "استمرار صريح، وأكثر كارثية وخطورة وأكثر شراهة وطمعاً في تحقيق المطامع الجيوسياسية، والأمر لم يتوقف أبداً، من قبل احتلال واقتطاع اللواء (اسكندرون) وإلى الآن؛ السلطة التركية والنخب الداعمة لها مصرة على قطبية الصراع والتركيز على الساحة السورية، على اعتبار أن وطننا حلقة ضعيفة قابلة للكسر وتحقيق مطامع فعلية".

ويضيف: "السلطة التركية قامت بكل الخطوات الهجومية التدخلية والاحتلالية من اللحظات الأولى للأزمة، وباستثمار مقولة الإرهاب طوّرت هذه السياسات بحجة الخطورة الواقعة عليها من التطورات في شمال شرقي سوريا ودور النخب الكردية فيها".

ومنذ بدء تركيا باحتلال الأراضي السورية فعلياً بعد الاتفاق مع روسيا، اعتباراً من آب 2016 واحتلال مدن جرابلس والباب وإعزاز، استمرت بسياسة أجدادها العثمانيين، من حيث ارتكاب المجازر وتهجير الشعب وفرض سياسة التتريك في المناطق المحتلة، ولا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد المدنيين الذين قُتلوا وأُصيبوا في الهجمات التركية على هذه المناطق، إلا أن بعض التقارير أشارت إلى مقتل أكثر من 500 مدني وإصابة أكثر من 1500 شخص بعضهم بإعاقات دائمة.

ولم تتوقف عمليات الاحتلال والمجازر بحق السوريين على هذه المناطق، ففي 20 كانون الثاني 2018 شنت دولة الاحتلال التركي هجمات على عفرين استمرت إلى 18 آذار من العام ذاته حتى احتلال المدينة، وخلال فترة شهرين فقط ارتكبت تركيا 12 مجزرة بحق سكان عفرين، بحسب ما وثّقه الهلال الأحمر الكردي- فرع عفرين.

ووثّقت منظمة حقوق الإنسان في عفرين، فقدان 498 مدني لحياتهم وإصابة 690 آخرين منهم من فقدوا أطرافاً وأعضاء من أجسادهم.

وبعد احتلال عفرين لم يكف الاحتلال التركي عن انتهاكاته وممارساته بحق المدنيين، فبحسب إحصائية لمنظمة حقوق الإنسان في مقاطعة عفرين – سوريا فقد أكثر من 563 مدنياً حياتهم على أيدي الجيش التركي ومرتزقته على مدار عامين نتيجة القصف على مقاطعة عفرين المحتلة وقرى مقاطعة الشهباء المكتظة بمدنيي عفرين المُهجّرين، بينهم 55 شخصاً فقدوا حياتهم تحت التعذيب الذي مارسه الاحتلال التركي ومرتزقته بحق المدنيين المختطفين من عفرين.

وفي هذا السياق يقول الأمين العام لحزب التغيير والنهضة السوري مصطفى قلعجي "تتابعت قوافل الشهداء، من عام 1956 وعام 1967وعام 1973 وعام 1982 إلى 2011 وإلى الآن، أكثر من مليون شهيد وماتزال قوافل الشهداء مستمرة... وأخيراً وليس آخراً شهداء التفجير الإرهابي في عفرين، الذي قامت به الدولة التركية التي تدير المنطقة عبر جيشها الذي تجاوز عدده الأربعين ألف عسكري، وحلفائها من المرتزقة الذين قبلوا أن يكونوا ألعوبة بيد العثماني الجديد الرئيس التركي أردوغان".

′تركيا العثمانية تمارس إرهاب الدولة الممنهج في سوريا′

وأضاف "ما أشبه اليوم بالماضي غير البعيد، حيث مازالت تركيا العثمانية تمارس إرهاب الدولة الممنهج على الأرض السورية، وتوقع يومياً في صفوف السوريين المزيد من الشهداء".

واستمر الاحتلال التركي في نهجه بقتل المدنيين، خلال هجومه على مدينتي سريه كانيه وكري سبي/ تل أبيض، في شهر تشرين الأول 2019، وبحسب حصيلة للهلال الأحمر الكردي فقد 242 مدنياً بينهم 22 طفلاً حياتهم، وأُصيب 677 آخرون.

ولعل أكثر المجازر دموية خلال هجمات الاحتلال التركي على مدينة سري كانيه، استهداف موكب المدنيين يوم 13 تشرين الأول 2019 بقصف مباشر ما أدى إلى سقوط 13 مدنياً بينهم صحفيون، وإصابة أكثر من 70 آخرين، وكذلك المجزرة التي ارتكبها مرتزقة تركيا بحق الأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل هفرين خلف في 12 تشرين الأول 2019 على الطريق الدولي M4 بين تل تمر وعين عيسى.

ولم يسلم الفارون من أتون الحرب في سوريا على الحدود السورية – التركية من جرائم القتل العمد، إذ وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 445 مدنياً، بينهم 366 رجلاً وشاباً، و79 طفلاً دون الـ18، على يد حرس الحدود التركي.

ودائماً ما ترافقت مجازر العثمانيين وأحفادهم الأتراك بسياسة تهجير واسعة لسكان المناطق المحتلة وهذا ما حصل في الباب وإعزاز وجرابلس وعفرين وسريه كانيه وكري سبي/تل أبيض، وتم توطين التركمان وأسر المرتزقة في منازل المُهجّرين.

'التلاحم الشعبي والسياسي في سوريا سيقضي على الاحتلال'

منذ بداية الثورة السورية وتحوّلها إلى أزمة بفعل التدخلات الخارجية سواء من قبل القوى العالمية أو الإقليمية، يصف المراقبون والخبراء هذا الوجود الأجنبي سواء الروسي أو الأمريكي أو الإيراني أو التركي بالاحتلال، ويؤكدون بأنه لا يمكن التخلص من هذا الاحتلال إلا عبر قيام جبهة سياسية وشعبية .

ويقول المعارض السوري فاتح جاموس عن الاحتلال التركي للأراضي السورية إنه "احتلال تركي صريح لأراض سورية كما هو الاحتلال الصهيوني، وكما الاحتلال الأمريكي؛ وكل أشكال الاحتلالات لا يمكن إيقافها إلا عبر المقاومة الجادة عبر قيام جبهات سياسية وشعبية، وبشكل خاص تجاه الاحتلال التركي، هناك تعقيدات فعلية أساساً، بسبب استمرار الأزمة السورية والانقسام الوطني الداخلي والاختلاف البرنامجي وأولوية المهام لتلك المنظومات والقوى".

وأشار جاموس إلى الدور الأمريكي في سوريا وقال "بدون إدراك خطورة الدور الأمريكي وأهدافه تصبح مواجهة الاحتلال التركي صعبة جداً، إن لم تكن مستحيلة .. وهناك ضرورة لعودة التحالفات القديمة بين الأطراف والفعاليات والقوى السورية خاصة السلطة والقوى الكردية بالأخص داخل الإدارة الذاتية .. التحالفات القديمة بهدف جعل تركيا حلقة قابلة للكسر بدلاً من سوريا"، مؤكداً أن تحقيق أهداف ذاتية عند هذا الطرف أو ذاك على حساب الوطن السوري يشكل أكبر مساعدة للسلطة التركية في صراعها ومطامعها.

ويعلق فاتح الجاموس على أهمية الحوار السوري للقضاء على الاحتلال قائلاً  "سيكون شيئاً معيباً جداً ومخزياً في حق وتاريخ ووجدان النخب الوطنية السورية إن لم تدخل فوراً في عملية حوار لإطلاق جبهة مقاومة ضد الاحتلالات الواقعة على الوطن السوري، الصهيوني والأمريكي، والتركي؛ يجب ألا يهدأ لنا بال قبل تطوير مثل هذه المقاومة وإلا فإننا سنشهد وقائع أكثر كارثية من قضية اللواء- لواء أسكندرون- وعفرين"

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً