في ذكرى استشهاده.. الشخصية الثورية للشهيد خبات ديرك أساس لضمان الحرية

إن التطورات التي شهدتها سوريا والأزمة التي ما زالت تعاني منها، أثبتت صوابية المشروع الذي سعى المناضل خبات ديرك إلى وضع لبناته الأساسية في ثورة روج آفا، ويقول نوري محمود إن المكتسبات التي تحققت حتى الآن تحتم على الجميع أن يتخذ من شخصية المناضل خبات الثورية أساساً له لضمان الديمقراطية والحرية للأجيال القادمة.

يصادف يوم الـ 14 من كانون الثاني، الذكرى السنوية الـ 9 لاستشهاد المناضل خبات ديرك، أحد أعمدة ثورة روج آفا وأحد مؤسسي وحدات حماية الشعب YPG، بعدما أصيب برصاصة غادرة في الـ 7 من كانون الثاني 2012، ونقل على أثرها إلى أحد مشافي مدينة حلب ليستشهد في المشفى رغم كل المحاولات لإنقاذ حياته.

من هو خبات ديرك؟

خبات ديرك (محمود رمضان محمد)، اسم يتذكره جميع أهالي روج آفا من ديرك إلى عفرين مروراً بكوباني، اسم بات رمزاً يحمله الشعب الكردي، مناضل ومكافح وقائد لا يتوانى عن التضحية في سبيل حرية شعبه، وُلد في قرية كاسان في ريف ديرك عام 1962 في أسرة وطنية.

درس المرحلة الابتدائية ولم ينهها، نظراً لظروفه المعيشية الصعبة، لينتقل بعدها إلى مدينة ديرك بحثاً عن العمل، وعُرف منذ صغره بالحيوية والنشاط وحبه للعمل.

ونظراً لسوء الأحوال المعيشية التي كانت تعيشها أسرته مثل بقية الأسر الكردية في ظل نظام استبدادي لا يعترف بحقوقهم، توجه الشهيد خبات إلى العاصمة دمشق بحثاً عن العمل، حاله حال جميع الشبان الكرد الذين أجبروا نتيجة السياسات العنصرية المطبقة في المناطق الكردية على التوجه إلى المدن الكبرى للعمل في ظل انعدام فرص العمل في مناطقهم.

وأثناء تأديته للخدمة الإلزامية في صفوف الجيش السوري في لبنان، تعرّف الشهيد خبات على حركة التحرر الكردستانية، بحسب ما أفاد به شقيقه الأكبر محمد رمضان محمد.

وتأثر الشهيد خبات بفكر حركة الحرية، وهذا ما دفعه للانضمام إلى صفوف الحركة والتوجه عام 1985 والتحاقه بأكاديمية الشهيد "معصوم قورقماز" في منطقة البقاع اللبنانية، لتلقي دورة تدريبية على يد القائد عبد الله أوجلان الذي كان يشرف بنفسه على تأهيل وتدريب كوادر الحركة، وفي عام 1987 توجه للنضال على جبال كردستان.

'قائد ميداني في جبال كردستان'

بعد التوجه إلى جبال كردستان، تمكّن خبات ديرك وخلال فترة وجيزة من تطوير نفسه وقدراته العسكرية والفكرية، ليحتل موقعاً قيادياً في صفوف الثورة، وتولى قيادة مناطق في أيالتي غرزان وآمد، ولاحقاً قائداً عاماً في أيالة بوطان، لذلك كان يطلق عليه اسم "خبات بوطان".

وقال قوات الدفاع الشعبي، في بيان أصدره بعد استشهاد المناضل خبات إنه "كان قائداً ميدانياً أسطورياً في جبال كردستان، ولعب دوراً ريادياً في غمرة النضال التحرري الكردستاني على مر السنين".

ولفت إلى التضحيات الكبيرة التي قدمها في نضاله والانتصارات التي حققها، وقال إنه بهذه التضحيات "أصبح القائد الميداني الأسطوري لجبال كردستان"، وأوضح مدى ارتباط المناضل خبات ديرك بقيم الحرية وفكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان.

وتميز المناضل خبات في مسيرته النضالية على جبال كردستان بحبه لرفاقه، ونشر المحبة بين الجميع، وتسخير نفسه لخدمة مجتمعه، والالتزام بمسؤولياته والعمل عليها بكل ما في وسعه لتحقيق كل ما يُطلب منه، كما أشار رفيقه في النضال عبد الرحمن حج حسن.

'أحد أعمدة ثورة روج آفا'

عندما انطلقت الثورة السورية قبل انحرافها عن طريقها وتحوّلها إلى العسكرة خدمةً لأجندات قوى إقليمية، عاد المناضل خبات ديرك إلى روج آفا متسلحاً بفكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان وخبرة ثورية قلّ مثيلها في كردستان، ليقود ثورتها.

وكان المناضل خبات ديرك يدرك جيداً أن الإدارة الذاتية التي هي جوهر الأمة الديمقراطية، تتمتع بأهمية مصيرية بالنسبة للمجتمع، لأنها تعبّر عن حالة الانتظام والهرب من الفوضى، فكان يفرق بين الإدارة الذاتية والإدارة الدخيلة، لأن الإدارة الذاتية تقوم بتنظيم القدرات الكائنة في طبيعتها الاجتماعية ومراقبتها، وتؤمن بالتالي سيرورة المجتمع وتضمن مأكله ومأمنه، على عكس الإدارة الدخيلة التي تشرعن نفسها كسلطة، وتعمل على إغواء المجتمع المسلطة عليه لتقدر بالتالي على حكمه بعد تحويله إلى مستعمرة.

وعليه، فإن المناضل خبات ديرك كان يعلم بفضل فكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان التي آمن بها وناضل من أجلها، أن أي مجتمع يفتقر إلى الإدارة الذاتية يستحيل عليه أن يتجنب التحول إلى مستعمرة، وبالتالي لا مفر من فنائه وزواله ضمن سياق الصهر والإبادة كمآل طبيعي.

ومن أجل ذلك، بدأ الشهيد خبات ديرك بتنظيم الشعب في روج آفا على مختلف الصعد، مركّزاً على قوة الشبيبة في تحقيق التغيير.

وفي هذا السياق يقول حسين سلمو، إحدى الشخصيات التي عايشت فترة نضال خبات ديرك في مدينة قامشلو، إن المناضل خبات كان من الأوائل الذين دعوا إلى تنظيم الشعب لنفسه، والاعتماد على الذات للوصول إلى ما تسعى إليه شعوب المنطقة في ثورتها.

'النضال لبناء المجتمع الأخلاقي والسياسي'

يقول القائد عبد الله أوجلان في مؤلفه "سوسيولوجيا الحرية"، "يؤدي عنصرا السياسة والأمن للحضارة الديمقراطية دوراً أساسياً في نشوء المجتمع الأخلاقي والسياسي، فالسياسة الديمقراطية ليست مجرد نمط، بل تعبّر عن تكامل مؤسساتي أيضاً، إذ لا يمكن مزاولة السياسة الديمقراطية في حال غياب العديد من المؤسسات والأنشطة، كالأحزاب والمجموعات والمجالس والإعلام والمحافل وغيرها، أما الدور الأساسي للمؤسسات فهو النقاش والبت في الشؤون المشتركة، إذ لا يمكن للحياة أن تسير في جميع الأعمال المشتركة للمجتمع دون وجود المداولات واتخاذ القرارات، وإلا، فإما أن تنتهي حينها إلى الفوضى أو الديكتاتورية.

 هذا هو مصير المجتمع اللاديمقراطي دائماً، فمثل هذه المجتمعات تظل تترنح بين طرفي الفوضى والديكتاتورية، لذا فالهدف الأولي للكفاح السياسي أي السياسة الديمقراطية هو إنشاء المجتمع الديمقراطي".

وفي هذا السياق، سعى المناضل خبات ديرك إلى تنظيم الشعب في المؤسسات، لذلك بدأ مع بقية رفاقه في النضال بوضع اللبنات الأساسية لمختلف المؤسسات التي وصلت إلى ما عليه الآن في شمال وشرق سوريا.

وبدوره قال عبد الرحمن حج حسن الذي رافق المناضل خبات في بدايات ثورة روج آفا: "إن الشهيد خبات مع عودته إلى روج آفا عمل على بناء قاعدة لتنظيم المجتمع، وسخّر نفسه في خدمة هذا التنظيم وفي خدمة مجتمع روج آفا".

كان المناضل خبات ديرك يعي أهمية تنظيم المجتمع لنفسه وإدارته لذاته بعيداً عن أشكال حكم السلطة التي هي في تضاد مع الديمقراطية، وتقصي المجتمع من الإدارة، لذا فكان يسعى بكل طاقاته إلى وضع اللبنة الأساسية لنظام الإدارة الذاتية التي تعتبر دليلاً على التحول الديمقراطي عبر إشراك المجتمع في الإدارة، وكان يؤكد دوماً أن الديمقراطية هي إدارة ذاتية يشارك فيها المجتمع.

وفي هذا السياق، يقول حج حسن: "بعودة الشهيد خبات إلى روج آفا عاد الأمل للشعب الكردي في المنطقة، بعد أن فقدها نتيجة ما كان يُمارس ضده من سياسات الإنكار والإقصاء والإبادة، وعمد إلى وضع اللبنة الأساسية لأغلب المؤسسات، وبالتحديد العسكرية".

'أحد مؤسسي وحدات حماية الشعب'

كان المناضل خبات يعلم أن المجتمع الأخلاقي والسياسي لا يمكن بناؤه بدون الدفاع الذاتي، لأن المجتمع الذي يعجز عن حماية نفسه، إنما يخسر صفاته الأخلاقية والسياسية.

وفي ظروف الثورة التي كانت تعيشها روج آفا وسوريا، ولإدراكه المخططات التي كانت تحاك ضد الشعب السوري بشكل عام والكردي في روج آفا بشكل خاص، ركّز المناضل خبات ديرك على الحماية الذاتية، لأن المجزرة التي ارتكبها النظام البعثي بحق الشعب الكردي في انتفاضة 12 آذار 2004 في قامشلو، لم تكن تغيب عن فكره.

فكان المناضل خبات ديرك يقول دوماً إنه لو كان للشعب الكردي قوات حماية ذاتية في ذلك الوقت لما استطاع النظام البعثي أن يرتكب المجازر بحقه وأن يزج به في الأقبية والمعتقلات، ولذلك بدأ بوضع اللبنة الأساسية لقوات الدفاع الذاتي.

وفي هذا السياق، أشار صبري حاج أحمد الذي شارك في أكثر من اجتماع عقده المناضل خبات ديرك، أنه وفي جميع لقاءاته وندواته واجتماعاته مع شعوب المنطقة، كان يركز على ضرورة الحماية الذاتية، وضرورة التكاتف لإنشاء قوة عسكرية للدفاع عن المنطقة، والثورة وما ستحققه.

وأضاف: "كان يدعو بشكل مستمر إلى ضرورة الاعتماد على الذات في حماية الثورة، والابتعاد عن التوكل على قوى أخرى، وما نتعرض له من هجمات حالياً وقبلها هجمات داعش، تثبت مدى الرؤية الصحيحة للمناضل خبات حيال مستقبل المنطقة".

ورغم أن المناضل خبات ديرك لم يشهد الإعلان الرسمي لوحدات حماية الشعب التي يعتبر أحد مؤسسيها، إلا أن تلامذته الذين تدربوا على يديه وتعلموا منه القيادة والمعرفة بأن المجتمع الذي يصر على كينونته ويرفض الاستعمار وشتى إرغامات التبعية من طرف واحد، لا يمكنه تبني موقفه هذا إلا بإمكاناته ومؤسساته المعنية بالحماية الذاتية، تابعوا الطريق الذي بدأه الشهيد خبات.

وأعلن عن تشكيل وحدات حماية الشعب بشكل رسمي في 19 تموز عام 2012، وحملت هذه القوات على عاتقها تحرير المنطقة من النظام البعثي، وإعادة المؤسسات إلى الشعب ليدير نفسه ذاتياً وبأعلى درجات الديمقراطية.

'بحث عن سبل الحل'

وقدّمت وحدات حماية الشعب مقاومة لا مثيل لها في الدفاع عن المنطقة ضد هجمات المجموعات المرتزقة وجبهة النصرة ولاحقاً داعش، واستطاعت أن تحمي شعوب المنطقة، وتقدم لشعوب العالم قاطبة نموذج الدفاع الذاتي وأهميته في الحفاظ على الوجود.

وفي هذا السياق يقول الناطق الرسمي باسم وحدات حماية الشعب، نوري محمود، إن تشكيل وحدات حماية الشعب يعود إلى ميراث وتجربة وذاكرة المناضل خبات ديرك السياسية التي حملها معه فيما عاناه الشعب الكردي في ظل الأنظمة القوموية الحاكمة، ونتيجة ما تعرضت له شعوب المنطقة من ممارسات عنصرية، ونتيجة دراسته وبحثه ورفاقه عن سبل الحل لإنقاذ هذه الشعوب حتى قبل اندلاع الثورة.

وأصبحت وحدات حماية الشعب بنضالها، نواةً لقوات سوريا الديمقراطية التي تأسست في تشرين الأول عام 2015 وخاضت مقاومة بطولية بالتعاون مع التحالف الدولي ضد داعش، حتى تم القضاء عليه جغرافياً في آذار عام 2019، ولم تكتفِ بذلك فقط، بل دافعت عن شعوب شمال وشرق سوريا في وجه هجمات الاحتلال التركي ومجموعاته المرتزقة.

'سخّر كل إمكاناته لتشكيل وحدات حماية الشعب'

وأكد محمود أن المناضل خبات ديرك تواصل مع جميع الفئات المجتمعية لتنظيم المجتمع في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، وكان يركّز على قوة عسكرية تؤدي مهام الحماية الذاتية للمجتمع، وتمكّن من الوصول إلى الجميع وأسهم بدور ريادي في بناء هذه الوحدات، وقال: "كان له الدور القيادي في هذا المشروع الرامي إلى حماية الثورة وأهدافها".

وأضاف: "سخّر رفيقنا كل حياته وما يملكه من إمكانات في انشاء هذه القوات العسكرية"، وهذا ما جعله هدفاً للأطراف المعادية، لذا تم استهدافه من قبل الخونة".

ولفت نوري محمود إلى أن الاسلوب التنظيمي الذي وضع المناضل خبات ديرك لبناته الأساسية أصبح إلهاماً لبقية الشعوب التي تعيش جنباً إلى جنب مع الشعب الكردي، وخصوصاً العرب والسريان الذين استفادوا من هذه التجربة وبدؤوا أيضاً بتنظيم أنفسهم على عكس الشعوب السورية في المناطق الأخرى التي كانت تطلق فقط الشعارات أثناء الثورة دون أن تقرنها بعمل على أرض الواقع.

وأشار أن النموذج الذي كان للمناضل خبات دور في تهيئة الأرضية له في روج آفا، أصبح أملاً فيما بعد للشعب السوري الذي يقطن في المدن الأخرى مثل منبج والرقة ودير الزور بعدما تجلت الحقائق أمام أعينه، وقال: "اليوم نرى في شمال وشرق سوريا تضامناً شعبياً لا مثيل بقيادة المشروع الذي لعب الشهيد خبات في وضعه لبناته الأساسية".

وأوضح أن المناطق السورية الأخرى ساد فيها التطرف والإرهاب والطائفية، ووصل إلى درجة أن يقوموا بتقطيع أجساد بعضهم البعض، وأن يتناولوا لحوم البشر وأكبادهم بعد ذبحهم، ولكن لم يحصل أيّ من هذا في شمال وشرق سوريا.

'الشعب يدرك الحقيقة'

وأكد محمود أن شعوب شمال وشرق سوريا تدرك جيداً أن النهج الذي سعى المناضل خبات ديرك إلى تطبيقه على أرض الواقع عبر التنظيم المجتمعي والسياسي والعسكري، قد قضى على الإرهاب العالمي المتمثل بداعش، وكذلك قضى على العنصرية والشوفينية، ورأى ذلك جيداً في مقاومة كوباني وسريه كانيه وعفرين.

'على الجميع تحمّل مسؤولياته'

وبيّن الناطق الرسمي باسم وحدات حماية الشعب أن مشروع الشهيد خبات في الدفاع المشروع والتنظيم على مختلف الصعد، يحتم على الجميع أن يتحمّل مسؤولياته، وأن يمتّن من نظامه في الدفاع المشروع الذي لا ينحصر على الجانب العسكري فقط، وأضاف: "يجب على جميع شعبنا أن يعزز من تنظيمه في ظل وجود هجمات أو عدمها، وعليه أن يتبنى القرارات التي يصدرها وينفذها بدقة، وأن يلتفت إلى نظامه التعليمي ويحميه، ويقوي من تنظيمه على مختلف الصعد".

وأكد أن التنظيم والإيمان بالقدرات الذاتية هي التي تحقق النصر، والعالم أجمع يدرك أن هذا الشعب بتنظيمه لنفسه وقدراته الذاتية استطاع أن يهزم إرهاب داعش.

'يجب أن نتخذ من شخصية الشهيد خبات الثورية أساساً لنا'

وأشار نوري محمود إلى أن المناضل خبات عمل بكل طاقاته من أجل خدمة شعبه وقضيته في الحرية، واتخذ من الثورة أساساً له وعمل من أجلها، وتابع: "المكتسبات التي تحققت اليوم في شمال وشرق سوريا هي نتاج تضحيات الشهيد خبات و11 ألف شهيد وأكثر من 22 ألف جريح من مقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية، الذين ساروا على دربه للوصول إلى الحرية وبناء الديمقراطية، إلى جانب نضال الشعب معاً".

واختتم الناطق الرسمي باسم وحدات حماية الشعب نوري محمود حديثه متوجهاً إلى شعوب شمال وشرق سوريا: "يجب أن نتخذ من شخصية الشهيد خبات في الفكر والرأي والتنظيم والإرادة أساساً لنا، فعند بداية الثورة لم نكن نمتلك الإمكانات، أما اليوم فهناك الإمكانات، ويجب علينا أن ننظمها بطريقة سليمة وأن يتحمل الجميع المسؤوليات التاريخية الملقاة على عاتقه من أجل حماية هذه المكتسبات للأجيال القادمة وضمان الحرية والديمقراطية لهم".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً