في ذكرى الجلاء .. سوريا تحت الانتداب والاحتلال وبحاجة إلى جلاء وتحرير

رغم مرور 74 عاماً على إعلان قيام الجمهورية السورية بعد جلاء آخر جندي فرنسي عن أرض البلاد، إلا أنها تعيش هذه المرة مرحلة انتداب واحتلال في نفس الوقت، فهل سيكون للشعب السوري كلمته أيضاً في هذه المرحلة لدحر الاحتلال؟

يصادف اليوم الـ 17 من نيسان ذكرى جلاء الفرنسيين عن سوريا عام 1946 وإعلان قيام الجمهورية السورية، واليوم وبعد مرور 74 عاماً عادت سوريا لتعيش ليس فقط حالة انتداب بل واحتلالاً عسكرياً أيضاً بعد أن شهدت ثورة مطالبة بالحرية في آذار/مارس،2011 وتحوّلها إلى أزمة بفعل التدخلات الخارجية فيها.

 

سوريا والعثمانيون

سقطت سوريا في أيدي الأتراك العثمانيين بعد معركة مرج دابق شمال حلب يوم 24 آب/أغسطس 1516، ومع بدايات القرن العشرين والانقلاب الذي قامت به جمعية الاتحاد والترقّي على السلطان عبد الحميد عام 1908، وتبنيها سياسة قومية شوفينية تجاه شعوب المنطقة من غير الأتراك، انتفضت الشعوب ضدها.

وفي عام 1916 استغل العرب بزعامة الشريف حسين الحرب العالمية الأولى ليعلنوا ثورتهم الكبرى ضد الحكم العثماني، وانطلقت الثورة من الحجاز بقيادة الشريف حسين وبمساعدة من القوات الإنكليزية التي كانت تتمركز في مصر حينها.

وقد حاول العثمانيون قمع الثورة بوحشية؛ حيث أعدموا في سوريا عشرات الوطنيين والمثقفين في 6 أيار، ولكن الثورة العربية انتصرت على العثمانيين وفي عام 1918 دخلت القوات العربية والإنكليزية إلى دمشق وأنهت حكم العثمانيين الذي استمر 400 عام، والذي كانت سمته الأساسية الفقر والجهل والتخلف والموت.

وفي العام نفسه (1918)، أعلن السوريون استقلالهم بقيادة الملك فيصل الأول ابن الشريف حسين، إلا أن بريطانيا وفرنسا كانت لهما مخططات قديمة تعود إلى اتفاقية سايكس بيكو السرية عام 1916، وبموجب هذه الاتفاقية كانت سوريا منطقة نفوذ فرنسية، وقد سبق للقوات الفرنسية أن نزلت في جزيرة أرواد عام 1915.

وفي عام 1920 أرسل الجنرال الفرنسي هنري غورو إنذاراً للملك فيصل أمره فيه بتسليم البلاد، وحل الجيش السوري، وعدم القيام بعمليات ضد الجيش الفرنسي، وهذا ما دفع الملك فيصل للهروب إلى العراق.

ولكن السوريين بقيادة وزير الحربية والقائد الكردي يوسف العظمة، رفضوا هذه الإنذارات، فقاد يوسف العظمة 3 آلاف متطوع، بعد أن تم حل الجيش السوري، إلى ميسلون يوم 24 تموز/يوليو 1920 لمواجهة الجيش الفرنسي الذي كان يبلغ تعداده قرابة 9 آلاف، وسقط العظمة شهيداً، ودخلت القوات الفرنسية دمشق.

 

سوريا تحت الانتداب وتغيير نظام الحكم

بعد معركة ميسلون استبدل غورو في 3 أيلول/سبتمبر 1920 نظام الحكم في سوريا من ملكي، إلى نظام حكم يشبه الفيدرالية، حيث قسّم سوريا إلى عدة دول "الشام، حلب، ولبنان الكبير"، وإقليمين يتمتعان بالحكم الذاتي هما "جبل العلويين وجبل الدروز"، وسنجقين (لواءين) تابعين لدولة حلب ولكنهما يتمتعان بقدر لا بأس به من الاستقلال الإداري والمالي وهما سنجقا "الاسكندرونة ودير الزور".

وفي 8 حزيران عام 1922 أنشأ غورو "الاتحاد السوري" المؤلف من "دولة دمشق ودولة حلب وإقليم جبل العلويين" بينما أبقى "إقليم جبل الدروز" خارج الاتحاد.

وأقرت عصبة الأمم (قبل أن تتحول إلى الأمم المتحدة) في 29 أيلول 1923 "نظام الانتداب" الذي كان قد صُدر في 24 تموز 1922 في مدينة لندن، وبذلك زالت كل المعوقات أمام السيطرة الفرنسية على سوريا.

والانتداب كما نصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة هو تمكين دولة تدّعي مساعدة البلدان الضعيفة المتأخرة على النهوض وتدريبها على الحكم، حتى تصبح قادرة على أن تستقل وتحكم نفسها بنفسها.

وفي 19 نيسان 1923 جرى سحب الجنرال غورو من منصبه في بيروت، وتم تعيين الجنرال "ويغان" مكانه، والذي ألغى في 5 كانون الأول 1924 "الاتحاد السوري"، وأقام محله "دولة سورية" المؤلفة من دمشق وحلب ودير الزور وحماة وحمص ودرعا وعاصمتها دمشق، وأبقى إقليمي جبل الدروز وجبل العلويين خارج الدولة، وحول إقليم جبل العلويين إلى دولة مستقلة.

وفي 12 شباط 1928، عهد المفوض السامي الفرنسي "هنري بونسو" إلى الشيخ تاج الدين الحسني بتشكيل حكومة تشرف على انتخابات الجمعية التأسيسية، المكلفة بوضع دستور البلاد، وجرت الانتخابات في 24 نيسان 1928، وأنهت الجمعية صياغة دستور مؤلف من 115 مادة يقرر استقلال سورية ضمن نظام نيابي وطني جمهوري، وبالتوقيع على هذا النص يكون عهد الانتداب الفرنسي المباشر قد آذن بالزوال مُفسحاً المجال أمام بدء ظهور المؤسسات الدستورية الوطنية للدولة السورية.

 

الثورات السورية وأهم مميزاتها

منذ أن وصلت القوات الفرنسية إلى شواطئ سوريا، انتفض الشعب ضدهم في كل مكان بدءاً من ثورة الساحل السوري بقيادة الشيخ صالح العلي، وثورة القيادي الكردي إبراهيم هنانو الذي ينحدر من قرية كفر تخاريم  بريف حلب والتي تسمى ثورة الشمال في جبل الزاوية، مروراً بثورة يوسف السعدون في جهات أنطاكية، وثورة محمود الفاعور في سهل الحولة وثورة الدنادشة في تلكلخ، وكل هذه الثورات قامت في الفترة ما بين 1919 وانتهت عام 1922.

وأعقب ذلك موجة ثانية من الثورات مثل ثورة جبل العرب، وثورة دمشق والغوطتين، وثورة حمص وحماة، وأغلب الثورات السورية الأخرى، قد نشبت في عام 1925 وانتهت أواخر عام 1927.

والملفت في هذه الثورات أن جميع أبناء سوريا ومن كافة الشعوب والأديان شاركوا فيها، من معركة "بينادور" –قرية تابعة لمدينة تربه سبيه في شمال وشرق سوريا- إلى بلدة مجدل شمس في أقصى الجنوب الغربي، ومن حارم في الجهة الشمالية، حتى القرى المتاخمة للحدود الأردنية من جهة الجنوب، ومن طرطوس غرباً وحتى البوكمال شرق سوريا.

وكانت جميع هذه الثورات على اتصال مباشر فيما بينها وتقدم المساعدات لبعضها البعض، كما أن كل ثورة لوحدها تميزت بمشاركة كافة الشعوب والأديان فيها، فمثلاً معركة بياندور شارك فيها الكرد والعرب من أبناء المنطقة معاً ضد الفرنسيين، وثورة الشيخ صالح العلي لم تقتصر على العلويين، بل شارك فيها السنة وبكثرة أيضاً.

أما إبراهيم هنانو الذي قاد ثورة الشمال فكان كردياً ينحدر من قرية كفر تخاريم بريف حلب، وقاد الكرد والعرب جنباً إلى جنب ضد الفرنسيين.

وفي هذا السياق يشير الباحث السياسي والاجتماعي يحيى أبو رائد لوكالة أنباء هاوار إلى أنه عندما قامت الثورة السورية الكبرى في جبل الدروز، فإن من بايع سلطان باشا الاطرش قائداً للثورة هم أهل حماة وحمص وحلب وكان أغلب أركان الثورة من خارج الجبل مثل عبد الرحمن الشهبندر وعادل أرسلان ورشيد طليع وكثيرين آخرين.

ويضيف أبو رائد، إن "الشعب السوري كان يداً واحدة وكان إبراهيم هنانو عندما ضيّق عليه الفرنسيون التجأ إلى الجبل".

 

في التاريخ عبرة وما جرى قبل 100 عام يتكرر مجدداً

اعتمد السوريون في ثوراتهم على إمكاناتهم الذاتية وأسلحة بدائية ضد الجيش الفرنسي الذي كان يملك المدافع والطائرات، وحينها حاول مصطفى كمال أتاتورك استغلال هذه الثورات لصالح تركيا ضد فرنسا، وأرسل الدعم لثورة الشمال بقيادة هنانو بحكم القرب المكاني.

ولكن بعد أن وقع أتاتورك اتفاقية مع فرنسا عام 1921 والتي تعرف بمعاهدة أنقرة، أوقف الدعم عن الثوار ما أدى إلى محاصرتهم في مثلث "حلب، حماة وإدلب" ووقوعهم فريسة سهلة بأيدي الفرنسيين، ومقابل ذلك حصلت تركيا على لواء اسكندرون لتقوم بفصله عن سوريا بعد ذلك بأعوام، وكم تتشابه ظروف ذلك الوقت مع الوقت الحالي رغم مرور 100 عام.

 

جلاء الفرنسيين

ورغم توقف الثورات المسلحة عام 1928، تواصل نضال الشعب السوري سياسياً من أجل نيل الاستقلال، حيث تشكلت الجمعية التأسيسية، وبدأت أولى جلساتها عام 1928 برئاسة هاشم الأتاسي، حيث اقترحت الدستور الذي صاغته لجنة يرأسها المناضل إبراهيم هنانو، وتألف الدستور من 115 مادة، أبرزها مادة عدّت سوريا دولة واحدة غير قابلة للتجزئة، وأن نظام الحكم جمهوري برلماني، ولكن فرنسا ماطلت ولم تطبق ما تم التوصل إليه، واتفقت أكثر من مرة مع ممثلي الشعب لكنها كانت تماطل في تنفيذ الاتفاقيات.

وأثرت الحرب العالمية الثانية كثيراً في الوضع في سوريا، ومع اقتراب هذه الحرب من نهايتها، حاولت فرنسا أن تعيد سيطرتها على سوريا، فاندلعت الاضطرابات في كافة أنحاء سوريا، وواجهت فرنسا الاحتجاجات بقوة مفرطة، مرتكبة مجازر ضد المدنيين، لتتوالى الأحداث صعوداً وهبوطاً، حتى خروج آخر جندي فرنسي من الأراضي السورية بعد نضال طويل من قبل الشعب السوري والكثير من التضحيات ويصبح يوم 17 نيسان عام 1946 يوم الجلاء والاستقلال.

 

حزب البعث مزق النسيج الوطني

بعد استقلال سوريا، تحقق صعود قوي في البداية، ولكن سرعان ما دخلت البلاد في حالة عدم استقرار سياسي، أدى إلى حدوث سلسلة من الانقلابات العسكرية بدءاً من آذار 1949 واستمرت حتى عام 1954، وفي عام 1958 دخلت سورية في وحدة مع مصر باسم الجمهورية المتحدة، ولكن هذه التجربة لم تدم طويلاً، إذ حدث انقلاب عسكري ضدها في 28 أيلول/سبتمبر عام 1961.

وفي 8 آذار 1963 قام حزب البعث بانقلاب عسكري وسيطر على مقاليد الحكم في البلاد وما زال مستمراً حتى الآن، لتبدأ حقبة عانى فيها السوريون من التفرقة والعنصرية وسطوة العسكر والأمن والاستخبارات ولعل أكثر من عانى هو الشعب الكردي الذي حرم من الجنسية السورية، ومن حقوقه الثقافية والسياسية والاقتصادية.

وفي هذا السياق يشير الباحث السياسي والاجتماعي يحيى أبو رائد الذي ينحدر من مدينة السويداء، إلى أن سوريا كانت بيتاً واحداً والشعب السوري لم يعرف يوماً الطائفية والعشائرية والقبلية إلا في حكم حزب البعث.

ويضيف أبو رائد "حزب البعث مزق النسيج الوطني في سوريا عندما استلم السلطة، وأمم الصناعة والزراعة وترك التجار والتجارة تحكم باسم الفلاحين وتحولت سوريا إلى دولة طائفية منذ عام 1970، حيث قضي على كل المشاريع السياسية، وتحكمت أسرة بثروات الشعب ومقدراته"، واصفاً فترة بداية حكم حزب البعث بـ "أسوء الفترات".

 

انتداب واحتلال هذه المرة

تأثرت سوريا منذ بداية عام 2011 بربيع الشعوب الذي انطلق في البداية من تونس وانتقل إلى ليبيا ومصر واليمن، نتيجة الظلم والقمع الذي عاشته شعوب المنطقة، وفرض القوى الحاكمة سيطرتها على كافة مناحي الحياة، وانطلقت فيها الثورة لكنها سرعان ما انحرفت عن مسارها بفعل التدخلات الخارجية وتحولت إلى أزمة.

واليوم وبعد مرور 9 سنوات على هذه الأزمة التي بدأت في 15 آذار 2011، باتت سوريا تحت الانتداب الروسي والإيراني –حتى وإن لم يكن معلناً- اللذين دخلا الأزمة السورية إلى جانب حكومة حزب البعث، وباتا يتحكمان فيما يجري في البلاد، وقرارات حكومتها وجيشها وحصلوا على مواقع عسكرية ووقّعوا عقوداً عسكرية واقتصادية تضمن هيمنتهم على سوريا وخيراتها لعشرات الأعوام.

كما استغلت أمريكا ظهور داعش في سورية، وتدخلت إلى جانب حوالي 70 دولة، وباتت لها قواعد في مناطق مختلفة بشرق سوريا.

ليس هذا فحسب، بل باتت سوريا تعيش تحت الاحتلال العسكري التركي أيضاً الذي تدخل لدعم داعش وجبهة النصرة وغيرها من المجموعات المرتزقة؛ وتحتل تركيا أجزاء من شمال سوريا بعد اتفاقات مع ورسيا وإيران، بدأت في 24 آب/أغسطس 2016 واحتلت فيها جرابلس والباب وإعزاز، لتحتل بعد ذلك عفرين في 18 آذار/مارس 2018، وسريه كانيه وكري سبي/تل أبيض في 9 تشرين الأول 2019، والآن تحتل أجزاء كبيرة من محافظة إدلب بعد أن أدخلت أكثر من 10 آلاف جندي وحوالي 6 آلاف آلية عسكرية إليها.

الآن وبعد مرور 74 عاماً على جلاء الفرنسيين، بات السوريون بحاجة إلى وحدة وطنية عاشتها زمن الانتداب الفرنسي، ليتحدوا معاً ويجابهوا الانتداب والاحتلال ويعيدوا تشكيل سوريا التي تحتضن جميع السوريين وتحافظ  على حقوقهم دون استثناء.

 

الإدارة الذاتية سبيل لإنقاذ ما تبقى من سوريا

في ظل ما عاشته سوريا من انتداب واحتلال مع بداية الأزمة، عملت شعوب شمال وشرق سوريا على تحقيق وحدتها الوطنية، وشكلت إدارة سياسية للمنطقة تضم الجميع ولا تستثني أحداً، كما شكلت قواتها العسكرية التي تضم الجميع، وحاربت ضد داعش الذي كان يشكل خطراً ليس على سوريا وشعوبها فقط بل على عموم الإنسانية، هذه الإدارة تقاوم الاحتلال والانتداب ما جعلها في مرمى الهجمات دوماً.

الباحث السياسي والاجتماعي السوري يحيى أبو رائد، زار مناطق شمال وشرق سوريا للاطلاع على أوضاعها وعلى تجربة الإدارة الذاتية المطبقة فيها من قبل شعوبها.

ويقول في هذا السياق "أعتقد أن تجربة الإدارة الذاتية هو السبيل الوحيد لإنقاذ ما تبقى من سوريا، لذلك عليهم العمل من أجل وحدة الشعب السوري".

ويشير أبو رائد، إلى أن تجربة الإدارة الذاتية حدثت في السويداء أيضاً وقال بأن أهالي السويداء يسعون إلى توسيع تجربتهم في الإدارة الذاتية أيضاً والاستفادة من التطورات التي حققتها الإدارة الذاتية في الشمال السوري.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً