في الذكرى الثانية والعشرين للمؤامرة

حسن الهاشمي

بدأ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بأمواج تغيير خلخلت شواطئ بلدان الشرق الأوسط التي طالما كان الركود ملازمًا لها، واعتقد حكامها من فرط نرجسيتهم أن الشعوب ستبقى مرتهنة لإراداتهم الذاتية. ولكن كان للشعوب رأي آخر.

ولم يُقَدَّرْ للمفكر الإنساني والزعيم الكردستاني عبد الله أوجلان أن يواكب هذه الأمواج العاتية من التغييرات، ولكنه بلا شك كان أحد أبرز صانعيها.

وعلى الرغم من أنه لم يستطع متابعة ما جرى ويجري نتيجة إجراءات العزلة المفروضة عليه من قبل سجّانيه إلاّ أنه كان قد استشرف الثورات قبل انطلاقها بسنوات.

والمتعقّب لأطروحات أوجلان خلال سنوات أسره الأولى وما قبلها يجد أنه كان قد وضع تلميحًا وتصريحًا لعدة سيناريوهات محتملة لمستقبل المنطقة، كان أضعفها من وجهة نظره، استمرار حالة السكون وبقاء الأمور كما هي عليه، مع الخضوع التام من قبل الأنظمة الحاكمة ومعها الشعوب لهيمنة رؤوس الأموال والإجراءات التعسفية الاقتصادية والسياسية للمنظومة الرأسمالية الغربية المتوحشة.

وهذا السيناريو أُمْكِنَتْ ملاحظته على أرض الواقع في معظم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث علّقت حكومات هذه البلدان مصيرها بالبنك الدولي والمساعدات الخارجية والجيوش الخارجية فيما تكدّست شعوب المنطقة على أبواب السفارات الغربية طالبين الخروج من قماقم الخضوع المفروضة عليها.

أما السيناريو الثاني الذي استشرفه أوجلان ورجّح حدوثه فهو سيناريو التغيير الجذري والمواجهة بين الشعوب وجلاّديها، فالتغيير وفق أوجلان لا بد كائنٌ وإن كان الثمن باهظًا، ولكن المؤكّد أكثر أن الثمن سيزداد كلما تأخر حدوث التغيير.

فأوجلان كصوفي حالم لم يكن ليتصوّر مستقبلاً للمنطقة إلاّ في إطار السيناريو الثاني، لأن السيناريو السابق لا يمكن استمراره في ظل الو         ضع الراهن وحالة الاحتقان المتصاعد، فلا إصلاح ولا تنمية ولا حرية في ظل الفاشستيات الحاكمة بنسخها العربية والفارسية والتركية، وليس من المبالغ القول إن أوجلان قد استشرف حقًا قدوم الانتفاضات العربية بل تعمّق أكثر فأكثر محدّدًا لهذه الانتفاضات عوامل النجاح والاستمرار أو الفشل والاضمحلال.

وعلى عكس ما طرحه العديد من فلاسفة الغرب عن صِدَام حضارات ونهايات التاريخ، فإن أوجلان قد أعلن من إمرالي فشل المنظومة الدولية الجديدة التي أريد لها أن تحكم العالم لمئة سنة جديدة معوّلاً على إرادة الحياة ونزعة الحرية عند الشعوب والتي لا يمكن أن تبقى منكسرة أمام تغوّل قوى الهيمنة.

وعلى الرغم من إدراك تركيا ومعها كل العالم أن أوجلان هو أبرز أركان الحل في تركيا ذاتها وفي منطقة الشرق الأوسط كلها، لكنها تشدّد العزلة عليه، وتمنع وصول رسائله وتوجيهاته وأفكاره إلى الخارج، بهدف الهروب إلى الأمام وعدم الالتزام بما تملي عليها الاستحقاقات المستقبلية.

فمن المسلَّم به أن ما تقوم به الحكومة التركية من استمرار أسر أوجلان للعام الثاني والعشرين على التوالي، وضَرْبِ عرض الحائط كلَّ مبادئ حقوق الإنسان والقوانين الدولية ما هو إلاّ لاعتقادها الراسخ أنها إنّما تنفّذ دورها المرسوم بدقة، لتوجيه الضربة القاصمة لكل من يطالب بالحرية والديمقراطية على مستوى المنطقة والعالم، وإن هذا هو الثمن الذي تدفعه هذه الحكومة لاستمرارها في الحكم والسيطرة، بل ومحاولات التمدّد.

ولكنْ وعلى عكس ما خططت قوى الهيمنة، ونفّذت الدولة التركية، فقد تحوّل سجن إمرالي إلى مدرسة فكرية تشقّ طريقها إلى ضمائر كل الأحرار في العالم، حيث قدمت المدرسة الأوجلانية نظريةً متكاملة في الحرية وإدارة المجتمعات الطبيعية بعيدًا عن النزعات التسلطية والفردية والقومية والعنصرية.

وها هم الآلاف من الأنصار والمؤيّدين والمتأثّرين، اليوم وكل يوم، ممّن يسيرون على نهج أوجلان، ويطالبون بكسر العزلة المفروضة عليه، وفي هذه البقعة المضطربة من العالم يبنون تجربة واقعية أساسها اللاّ سلطوية واللاّ قوموية واللاّطائفية واللاّ جنسوية.

وها هي البذرة تنمو وتزدهر وتتحوّل لأمة ليست كسائر الأمم، فلا هي أمة الاقتصاد والمال، ولا أمة قومية، ولا أمة الدين، بل منظومة تتجاوز مفهوم الدولة والسلطة إلى الإدارة، وتقارب بين مفهوم المرأة ومفهوم الطبيعة، فالأفكار لا تَعْبَأُ بالعزلة، والحرية لا بد قادمةٌ وإنْ كنا متشائمين على المدى القصير فلأننا متفائلون على المدى البعيد.