في العراق المغلوب على أمره.. يجب أن تمتلك الحكومة ثلاثة صفات متناقضة!

تشكيل الحكومة العراقية معقدة إلى أبعد الحدود، فهي لا تتعلق بالمنافسة بين القوى العراقية على الحقائب فحسب، بل إن الميدان العراقي السياسي يشهد صراعاً قوياً بين عدة أطراف، و لنكن أكثر دقة، فالصراع دائر بين 3 جهات أساسية خارجية و داخلية.

من المعروف أن بناء العراق الفيدرالي جاء بدستور مستورد بعد أن سقط عسكرياً عام 2003، ورغم إن سقوط العراق كدولة ذات حكم سني بعثي معادٍ لإيران بشدة، يولد فكرة متناقضة حول فهمنا للسياسة التي تمارسها الولايات الأمريكية المتحدة إزاء إيران، إذ سيفكر أي متابع للأوضاع أنه إذا كانت واشنطن جادة بالفعل في مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية فلِما أُسقطت أحد أشرس الأنظمة التي كانت تشكل سداً منيعاً أمام التدخل الإيراني وخاض حربَ 8 سنوات في ثمانينات القرن الفائت، ويتساءل: أليس كان من المفترض أن يتلقى صدام حسين دعماً من الولايات الأمريكية المتحدة التي تدّعي أنها تقف ضد التمدد الإيراني؟ هناك 3 توجهات للرد على هذا التساؤل قد يقول أحدهم إن صدام حسين ونظامه أساساً كان أجندة أمريكية، و قد تمت تصفيتها بعد انتهاء خدماتها وخروجها عن الطوع الأمريكي إلى حد ما، أو توجه آخر وغير متوقع لدى الكثيرين، يشير إلى أن العلاقة العدوانية بين إيران و أمريكا هي ليست كما نراها ظاهراً بل هناك تبادل أدوار بينهما، وأن كل منهما يستفيد من الآخر للتدخل في شؤون دول الشرق الأوسط، و لعل ذلك شكل العنصر الأساسي في العلاقة السعودية الأمريكية على المستوى الاقتصادي، أما التوجه الثالث والأقرب إلى الواقع هو أن الولايات الأمريكية تسعى إلى التحكم بزمام الأمور بنفسها دون أن تخلق بديلاً عن وجودها كقوة واقعية أو حتى بالوكالة.

بكل الأحوال وبغض النظر عن موقف الأمريكان من سياسية أنظمة الشرق الأوسط، فدولة مثل العراق الغني بالنفط هي جغرافية تثير غريزة الدول الصناعية الكبرى وتعدها منبعاً لاقتصادها على مدار عشرات السنين، لذا يمكن القول إن الهم الأمريكي الأول و الأخير في العراق هو ثرواته و لا شيء آخر، لذا اضطرت آنذاك (أي قبيل سقوط صدام) إلى التقرب من القوى الشيعية إضافة إلى استغلالها للطموح الكردي لتنفيط مخطط السيطرة الجغرافية والاقتصادية على المنطقة، مبتعدة عن القوى السنية التي  لم تهدأ سريعاً أعقاب  2003 وظلت على خط النار في الفلوجة ومناطق أخرى من الأنبار ثأراً للنظام السابق.

لكن المهمة الأصعب كان كسب ودّ بعض الأطراف الشيعية و إحداث شرخ بينها و بين شيعة إيران، و قد نجحت نسبياً في تنفيذ هذا الخطة، ولعل الخلافات الدائرة بين القوى الشيعية العراقية الموزعة بين الغرب وإيران ،خير دليل على نجاح المهمة النسبية، فلم تعد القوى الشيعية قادرة على توحيد صفوفها، ولم تعد تتمكن من إكمال حتى النصاب البرلماني ما لم تجرّ طرفاً آخر إليها (الكرد أو السنة) و كليهما يتبعان إلى الولايات الأمريكية، إذ لجمت واشنطن السنة من خلال خلق جماعات في صفوفها  بمسميات “إرهابية” ليتم تصفيتها سياسياً، وتكون القوى المستخلصة من هذه التصفية (تحالف القوى السنية العراقية بقيادات النجيفي و الجبوري و الخنجر نموذجاً)،جاهزة فكرياً للرضوخ، فيما كانت القوتين الكرديتين الأساسيتين  الاتحاد الوطني الكردستاني و الديمقراطي الكردستاني قد تقاسمت مناطق النفوذ بموجب اتفاقية واشنطن في 17 أيلول 1998.

عندما قلنا إن الولايات المتحدة الأمريكية نجحت نسبياً في إحداث الشرخ في الصف الشيعي، فهذا لا يعني أن النفوذ الإيراني قد انتهى في العراق، رغم أنه ضعُف كثيراً، و خاصة بعد اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد مطلع العام الجاري، بل لازالت إيران تحتفظ بالكثير من المفاتيح السياسية والعسكرية في العراق، فضلاً عن استحالة السيطرة على الحدود الشاسعة بين البلدين، إضافة إلى صعوبة تخلي العراق عن إيران كأكبر منفذ حدودي لها، وظهر أهمية ذلك في جملة العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران، حيث أن الولايات المتحدة لاتزال تعفي العراق من عقوبات التعامل مع الغاز و الطاقة الإيرانيين.

بالنتيجة لازال الصراع مستمراً وتأثير تدخّل الطرفين بقوتهما واضح جداً على العملية السياسية العراقية، لذلك يستمر الفشل في تشكيل الحكومة، فالقوى الشيعية التي من المفترض أن تتولى رئاسة الحكومة وفق اتفاقية طوني بلير الذي وزع السلطة على شكل(حكومة شيعية- برلمان سني- رئاسة جمهورية كردية) لا تستطيع اتخاذ قرارها بكامل إرادتها في ظل التفرقة التي تعيشها، والمقسمة بين الولاءين لإيران ولأمريكيا، و حتى إذا تجمعت القوى الشيعية لصالح إيران، فهناك ورقتان إضافيتان بيد أمريكا وهما السنة والكرد تكونان بمثابة تهديد آخر لإيران و القوى الموالية لها، كدعم رواية تقسيم العراق إلى 3 دويلات مثلاً.

هذا بالنسبة للتدخل الخارجي، أما داخلياً فقد ظهر مؤخراً لاعب جديد على الساحة العراقية ليعيق تشكيل أية حكومة ذات إرادة غير مستقلة، لأن مصيرها سيكون مشابهاً لمصير حكومة عادل عبد المهدي ومصير محمد توفيق علاوي الذي حاول أن يخلفه.

الشعب العراقي وصل الى قمة الثوران بعد التنكيل بأبسط حقوقه ونهب ثرواته من قبل الطبقة الفاسدة من جهة، و المقسمة إلى أجندات دول من جهة أخرى، فالشعب لم يعد يقبل بالتدخلات الخارجية، وقد تبين ذلك في  الشعارات التي ظهرت في الاحتجاجات العراقية الخريف الفائت، و التي راح فيها آلاف الضحايا بين قتلى وجرحى، فقد كانت تناوئ الطرفين صاحبا النفوذ (إيران و أمريكا)، ما يعني أن تشكيل حكومة جديدة في العراق رغم مرور أكثر من 3 أشهر على استقالة عبد المهدي، لن تكون سهلة المرور ما لم تحظَ بدعم المحتجين.

بالمحصلة ومهما كانت السيناريوهات والشخصيات المتداخلة في العملية السياسية العراقية، في حال إن أراد المرشح المقبل لتشكيل الحكومة تحقيق النجاح يجب أن يتجاوز بليونة كبيرة المطب الشعبي ،وأن تكون صديقة لإيران وسوراً لها ،وفي نفس الوقت يجب أن تكون خاضعة لسيطرة أمريكية على ثرواتها، إذاً وفي معادلة شبه مستحيلة ستتسم بثلاثة صفات متناقضة وفق القراءة أعلاه.

ANHA


إقرأ أيضاً