فوضى مستمرة في مناطق "التسويات".. سياسة لا جدوى منها وذهنية قديمة

تشير الأرقام الهائلة لحوادث القتل والاغتيالات في مدينة درعا إلى مدى تدهور الوضع الأمني بعد إجراء حكومة دمشق لما تسمى "التسويات"، والتي عدها الكاتب والصحفي السوري، عدنان علي، بأنها "لا تشكل حلاً حقيقياً، لأنها لا تعالج أسباب التصادم بين النظام والناس، والمتمثلة في الاعتراض الشعبي على نظام الحكم المطلق".

اغتيالات شبه يومية تشهدها مدينة درعا في الجنوب السوري، وسط حالة من الفوضى والفلتان الأمني الذي ازداد بشكل خطير، منذ أن أجرت حكومة دمشق لما تسمى "التسويات" أو "المصالحات" برعاية روسية.

المرصد السوري لحقوق الإنسان، أحصى منذ بداية العام الحالي وحتى لحظة كتابة التقرير وقوع 274 استهدافاً في المنطقة، والتي جرت جميعها بطرق وأساليب مختلفة متسببة بمقتل 229 شخصاً، 115 منهم من المواطنين و92 من العناصر التابعة لقوات حكومة دمشق والمتعاونين مع "الأجهزة الأمنية" وعناصر "التسويات".

وتدل هذه الأرقام المهولة من الاستهدافات ومعدلات القتل مدى تدهور الوضع الأمني في درعا، كما تدل على مدى فشل ما تسمى "التسويات" التي أجرتها حكومة دمشق لسكان المنطقة برعاية روسية ولمرتين، الأولى في 2018 والثانية في 2021- والتي كانت بمثابة "مصالحات شكلية لم تزد على وضع درعا إلا سوءاً" بحسب مراقبين.

انتقام وتضارب المصالح

https://www.hawarnews.com/ar/uploads/files/2022/07/02/185717_e2808fe2808fmnashyt-2.jpg

الكاتب والصحفي السوري، عدنان علي، أرجع أسباب حالة الفلتان الأمني السائدة في درعا لسببين، قائلاً لوكالتنا في هذا الصدد: "أعتقد أن حالة الفلتان الأمني التي تسود درعا، ومجمل المنطقة الجنوبية منذ سيطرة قوات النظام على المحافظة صيف 2018، هي سياسة مقصودة ومتعمدة من جانب النظام الى حد كبير"، موضحاً أن "لها عدة أهداف، الهدف الأول في الانتقام من المحافظة التي كانت مهد الثورة ضد النظام، وإصرار بعض قيادات النظام الأمنية على تصفية كل من كان له علاقة بهذا الحراك سواء بشقه المدني او العسكري، بمن في ذلك أولئك الذين انخرطوا في اتفاقات التسوية المتعاقبة مع أجهزة النظام الأمنية".

ومع دخول الأزمة السورية عامها الـ 12 في منتصف آذار الماضي، اندلعت اشتباكات عنيفة بين قوات حكومة دمشق ومسلحين محليين في مدينة جاسم بريف درعا الشمالي، وذلك بعد أن داهمت دورية أمنية تابعة للأولى المدينة، وطوقت بعض الأبنية السكنية في محاولة منها لاعتقال مجموعة من المسلحين المحليين الرافضين لما يسمى "التسويات"، في مسعى لها لإخضاع معارضيها لحكمها السابق والنيل منهم.

وتابع علي: "السبب الآخر أن قادة الأجهزة الأمنية الفاعلون في الجنوب، ومعهم الفرقة الرابعة، وميليشيات إيران، وعلى رأسها حزب الله، بات كل منهم إلى حد بعيد يعمل لحسابه الخاص، وهناك في بعض الأحيان تعارض في سياسات كل طرف من هذه الأطراف المتعاونة في بعض القضايا، والمتنافسة أيضاً بهدف الاستحواذ على الغنائم والتي باتت تتمثل اليوم بشكل رئيس بالمخدرات، بعد أن تحول الجنوب السوري (درعا والسويداء) إلى ممر رئيس لهذه التجارة المربحة باتجاه الأردن، ومنه إلى دول الخليج العربي".

ويوضح الصحفي والكاتب السوري أن "تجارة المخدرات أصبحت اليوم هي المصدر الرئيس للدخل ليس بالنسبة للنظام وحزب الله وحسب، بل لقادة الأجهزة الأمنية والفرقة الرابعة أيضاً، ومن مصلحة هؤلاء جميعاً ألا تشهد المنطقة الجنوبية حالة استقرار، تجعل المجتمع المحلي موحداً في مقاومة هذا الإفساد للمجتمع عبر المخدرات".

بداية النهاية

وعلى الرغم من مرور سنوات على انطلاق الأزمة، إلا أن حكومة دمشق لم تقم بأي إجراء فعلي لحلها، وفشلت في وضع حد لمعاناة الشعب الذي بات90% منه يعيش تحت خط الفقر نتيجة الوضع الاقتصادي المتدهور، وظلت متمسكة بالسعي لإرضاخ أكبر عدد من المناطق السورية تحت سيطرتها وذهنيتها القديمة عبر فرض ما تسمى "التسويات" التي لا جدوى منها.

ويرى مراقبون وسياسيون أن حكومة دمشق تؤدي دوراً سلبياً بإصرارها على حل الأزمة السورية وفقاً لذهنيتها وسلوكها المستغل للوضع المتردي لأبناء سوريا، في سبيل توسعة نفوذها واتباع إجراءات مصالحة خالية من المعايير الوطنية.

وأوضح الكاتب والصحفي السوري، عدنان علي، أن حكومة دمشق - وبطبيعة الحال- لا يمكنها أن تنخرط في أي تسوية حقيقية لإيجاد حل سياسي للوضع الذي بات مستعصياً في سوريا، مبيناً أن ذلك يأتي "لعلمها التام أن أي حل سياسي حقيقي، هو بداية النهاية لهذا النظام غير القابل للإصلاح، والذي لا يمكن أن يستمر إلا بالقبضة الأمنية، ومنها نجد أنه يتهرب من أي استحقاقات سياسية تستند إلى رعاية دولية من قرارات مجلس الأمن إلى أستانا وجنيف".

ويبين علي "الحقيقة أن ما يعتقده النظام صحيح، ذلك أن أي حل سياسي لا بد أن يقضي بتحييد مؤسستي الجيش والأمن، بحيث لا تخضعان لسلطة النظام المطلقة، بل لحكومة ممثلة لجميع أطياف الشعب السوري. كما أن مثل هذا الحل، حتى لو لم ينص صراحة على اسقاط النظام، لا بد أن يحد من الصلاحيات المطلقة التي يتمتع بها رئيس الدولة، ويوزعها على السلطات التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان، والمجالس المحلية المنتخبة) والقضائية (قضاء مستقل)، ما يعني في المحصلة نهاية النظام الذي لا يقبل المشاركة لا في السلطة ولا في الثروة".

وسيلة لفرض السلطة كما السابق

وأكد الكاتب والصحفي السوري، عدنان علي، في ختام حديثه أن "التسويات التي يتمسك بها النظام كبديل للحلول السياسية، لا تشكل حلاً حقيقياً، لأنها لا تعالج أسباب التصادم بين النظام والناس، والمتمثلة في الاعتراض الشعبي على نظام الحكم المطلق، والغاية القصوى لهذه التسويات هي إعادة سلطة النظام كما كانت سابقاً، دون أي تغيير في بنية الحكم التي ثار عليها الشعب".

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً