فوضى الشرق الأوسط و الحلول المحتملة من منظور القائد عبد الله أوجلان

الحل -4

لقد بلغت مجتمعات الشرق الأوسط بكافة شعوبها مفترق الطريق. فاتجاهات وميول الإمبراطورية الأمريكية كقوة مهيمنة بعيدة كلياً عن إيجاد الحل. بالمقابل، فسلوك نماذج جديدة شبيهة بفييتنام، أمر غير منطقي. هذا ومن المستحيل تكرار تجربة تركيا المعاشة في العشرينات من القرن الماضي. بمعنى آخر، لا يمكن تكرار تجربة تركيا التحررية الوطنية، أو فييتنام التحررية مثلما كانت في الماضي؛ لأسباب عديدة أوَّلُها غياب قوى التوازنات السوفييتية. والأهم من ذلك عدم بقاء الإمبريالية على حالتها الماضية. بالتالي، فشروط المرحلة التاريخية وأهدافها، وحروبها وصراعاتها التنظيمية، ستكون مختلفة. يتمثل الأسلوب الأكثر معنى تجاه أمريكا الراهنة وشركائها، في تحقيق التحام جميع قوى الحرية للشعب والمجتمع بمنهاج أيكولوجي وديمقراطي وتحرري مبدئي قابل للتنفيذ، وبأجهزة تنظيمية واسعة الآفاق؛ والعمل على تفعيلها بموجب ذلك. قد تكون مثل هذه الحرب أقل دموية، لكنها الأكثر وعياً ورسوخاً في نتائجها.

يمكننا تطبيقها بالوفاقات المبدئية إن تطلب الأمر. وإلا، فبالاعتماد على قواتنا الدفاعية الذاتية، لتحقيق ديمقراطياتنا في القرية والمدينة والجبال والصحارى. لا فرصة للنجاح من أجل الشعوب العاجزة عن دمقرطة ذاتها. في حين لو تحركت الشعوب عبر مؤتمراتها الممثلة لإراداتها بالشكل الأعم، وعبر مختلف أنواع المنظمات المعنية بالمجتمع المدني والتعاونيات ومجموعات النشاطات المشاعية؛ فستجد أنه ما من قضية معنية بالمجتمع إلا وستكسبها. وإذا ما حصل نهوض الشعوب بناء على هذه الخلفية في المرحلة التاريخية الجديدة للشرق الأوسط، فلن تكتفي حينئذ بإفراغ الممارسات الإمبريالية الماضية وما شابهها، بل وستقوم بالريادة للدمقرطات الأكثر سلماً وأمناً، عبر الوفاقات المبدئية والمفعمة بالمعاني. بهذه الشاكلة يمكنها تحقيق نهوض يليق بحضاراتها التاريخية العريقة.

إنْ قيل: أين بقي دور الثوار؟، فسنقول أنه عليهم، قبل كل شيء، معرفة الوصول إلى حقائق علم الاجتماع ذاك، الذي سعينا لرسم إطاره. ذلك أن الثورية المفتقرة إلى علم الاجتماع ـ أو التحول الاجتماعي المفتقر إليه ـ قد تمتزج أحياناً بالجنايات والخيانات، دون أن تنتبه لذلك. والسبيل الوحيد والفريد لإعاقة ذلك، هو إنقاذ علم الاجتماع الذي رسمناه من قبضة قوى "السلطة ـ المعرفة"، وإعادة بنائه، وتأسيس مدارسنا وأكاديمياتنا الخاصة بعلم الاجتماع الذي نرمي إليه. كذلك يتجسد في العمل بذهنيتنا المعتمدة على علم الاجتماع أساساً، في سياستنا. قد يكون الأهم من كل ذلك، هو سيادة الأخلاق الاجتماعية، وإبداء الصبر والإيمان والعزم اللامتناهي للسير في السبيل الصحيح المرسوم في السياسة الأخلاقية. هذا بالإضافة إلى عدم الرجوع إلى الوراء، عدم الوقوع في الخيانة، وبالتالي عدم التذرع بأي شيء من أجل ذلك. وكذلك تناغُم وتَوافُق الأخلاق لحظة بلحظة مع عالمنا الذهني المعجون بالعلم؛ والعيش الدائم مع الوعي. في هذه الحالة، عندما يتكاتف العلم والسياسة والأخلاق، سنرى بأم أعيننا أنه ما من قضية اجتماعية (أو مجتمعية) إلا وسنتغلب عليها، وسنفلح في تسخيرها في خدمة البشرية عموماً، وفي خدمة شعوب منطقتنا، التي هي جزء لا يتجزأ من البشرية، على وجه الخصوص. فأخلاقنا التي تمثل وجدان وضمير التاريخ والمجتمع، إنما تأمرنا بممارسة سياسة مفعمة بالوعي كهذه، وبتأمين التغير والتحول الاجتماعي المراد والمرتأى عبرها؛ وتحثنا على القيام بذلك أكثر من أي وقت مضى.

باختصار؛ ثمة ثلاثة خيارات أولية أمام شعوب الشرق الأوسط، في عصر الانتقال إلى الحضارة الديمقراطية:

أولها: استمرار الوضع الراهن (النظام القائم) كما هو. لقد انتهى عمر النظام المحافظ على وجوده بالانتفاع من نظام التوازنات الذي ساد القرن العشرين. تُبذَل المحاولات لتخطي حالة الأزمة الحالية المتسارعة مع انهيار الاشتراكية المشيدة، والمؤدية بالتالي إلى زيادة وزن التقطب الأحادي؛ عبر إمبراطورية الفوضى، في ظل الهيمنة الأمريكية. تتزامن حملة العولمة الكبرى الثالثة مع هذه المرحلة. كما تقف الجماهير الفقيرة حجر عثرة على درب زيادة الطلب المتعاظمة كالسيل الجارف مع الثورة العلمية والتكنولوجية. من غير الممكن أن تبلغ العولمة مآربها، دون حلها لهذا التناقض. ويُرى في البنية الثابتة الراهنة للدولة القومية عائقاً أساسياً. من هنا، يزداد احتمال إعادة بناء هذه البنى وتخطيها، بموجب سيادة الفردانية والتحول الليبرالي، والدمقرطة.

بالمقدور رؤية هذا التطور ذي الجوانب الإيجابية والسلبية معاً بالنسبة للحشود الشعبية، بأنه مؤثر موضوعي في التسريع من اليقظة والفاعلية والحركية الديمقراطية. بالتالي، تؤدي القوة المهيمنة للنظام القائم من جهة، واليقظة والحركية المتزايدة للشعوب في الأسفل من الجهة الثانية؛ إلى شل تأثير استمرارية الوضع الراهن تصاعدياً. هكذا تزداد عزلة هذا الوضع القائم الساعي لتحويل العقم إلى طراز حياة راسخ، ولتمويه وجهه بالمكياج لدى ملاقاته المشقات، ولإطالة عمره بالممارسات الاستفزازية بين الفينة والفينة. يسعى النظام القائم المزداد تهيجاً وغضباً وفظاظة، إلى التملص وهدر الوقت، لعجزه عن كسب دعم الأنظمة المعتمدة على أمريكا وروسيا، مثلما كان في الماضي.

هذا ومن غير الممكن حصوله على النتائج المرتجاة باستخدام الديماغوجيات اليمينية واليسارية المزيفة القديمة. ومن المحال أن يحظى بالدعم من أجل ضبط المجتمع والدولة والتحكم بهما عن طريق الفاشية أو التوتاليتارية. فازدياد انهيار الدولة القومية القائمة المفتقرة لمؤازرة الشعوب مع مرور الأيام، والتحام شريحتها العليا بالبنية المهيمنة العليا، وازدياد بحوثات الحشود الشعبية الغفيرة في الأسفل عن النظام الديمقراطي؛ كل ذلك سيشل من فاعلية هذا الخيار الإرغامي، ليتركه مهمَّشاً تماماً. قد يكون بمقدور هذه المرحلة الحالية المتكاثفة طرداً في الشرق الأوسط، أن تُخرِج المشاكل المتفاقمة باستمرار من كونها عائقاً وحجر عثرة، وإنْ لم تؤدِّ إلى حلها بشكل تام.

تتخبط كل الدول العربية، وعلى رأسها مصر بشكل خاص، وباكستان وتركيا وإيران، بين كل من الوضع الراهن والتغيير. لذا، فهي عاجزة عن حسم قراراتها بشأن المرحلة المقبلة. لكن الاحتمال الأكبر الوارد هو ولوجها في مرحلة التغير في ظل التأثير المتكاثف لمشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي تفرضه أمريكا من الأعلى من جهة؛ ولمشروع المجتمع الديمقراطي والتحرري الجنسوي والأيكولوجي، الذي تفرضه الشعوب من الأسفل من الجهة الثانية.

الخيار الثاني هو خيار النظام المختلط الديمقراطي المحدود، والذي يغلب عليه الجانب العملي. حيث مر الزمن على عهد تأسيس النظام الذي بنته الإمبريالية ماضياً بإرادتها الأحادية. من العسير أن تستطيع أمريكا، القوة المهيمنة الجديدة، تأسيس نظام مشابه بإرادتها الأحادية. ومقابل ذلك، باتت الجماعات القومية المختلفة، التي أسست أنظمة الدولة القومية في الماضي القريب، مفتقرة إلى مهاراتها في حل المشاكل، لتتحول بذلك إلى مصدر للمشاكل في الداخل والخارج على حد سواء. أما المواقف المستقلة كلياً، والتي برزت في فترة معينة من مرحلة التوازنات بين الأنظمة، فتزداد مشاقاتها تصاعدياً.

يُبرِز العصرُ التبعيةَ المتبادلة إلى الأمام. كما تُسَرِّع حملة العولمة الكبرى الثالثة من وتيرة هذه المرحلة. ويتخلى زمن العلاقات الدولية (العلاقات بين الدول) عن مكانه لزمن العلاقات بين الشركات، بحيث تتحول الدولة القومية إلى دولة شركاتية. كما يترك رأس المال الوطني مكانه لرأس المال بين الشركات. من جانب آخر، تبدي الثقافات المحلية حيوية عظمى، بحيث تصبح المحلية قيمة بحد ذاتها. أصبح بالإمكان تعريف هذه المرحلة بالعصر الذي تبرز فيه العولمة والمحلية في الصدارة في ظل هذه المؤثرات.

أما النظام السياسي المتزامن مع هذه الظاهرة، فمن المحال أن يكون على شاكلة الفاشية أو الديمقراطيات البورجوازية القومية الماضية، ولا بشكل توتاليتاريات التحرر الوطني والاشتراكية المشيدة للقوميات المتخلفة. بل يمكن أن يصبح ديمقراطيات مختلطة مرتكزة إلى عيش كلا النظامين معاً. أما الأسلوب الأكثر شيوعاً، فهو التحالفات الديمقراطية للمجموعات الاجتماعية ذات المكيال القومي والمحلي. في حين أن زمن إدارات الدولة والإدارات الداخلية لليمين واليسار ذي الحزب الواحد القديم، يتخلى عن مكانه للإدارات المتعددة الأحزاب، وذات التأثير الديمقراطي. هكذا يغدو بمستطاع كل مجموعة قابلة لتمثيل ذاتها، بأن تكون على تماسٍ قريب مع النظام العالمي، ليزداد التآلف معه، وليتم امتصاص زيادة العرض الموجودة.

يزداد احتمال سيادة هذه المرحلة المعاشة في عموم العالم، داخل بلدان الشرق الأوسط أيضاً. فضرورة اجتياز البنى القائمة الأقدم، تجعل من هذا الخيار أمراً راهناً. من هذه الحاجة المهمة تنبع أهمية مشروع الشرق الأوسط الكبير لأمريكا. أما بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط، فغياب الوعي والتنظيم اللذان يخولانها لتطوير ديمقراطياتها الذاتية بمفردها، وكون إراداتها ممزقة أشد تمزيق، وتَيَقُّظُها وحركيتها الحديثة العهد؛ كل ذلك يُصَعِّب من احتمال تكوينها لخيار ديمقراطي بإرادة أحادية، ويتركه مجرد يوتوبيا معلقة حتى إشعار آخر. رغم ذلك، فهذا ما يفرض عليها تطوير ديمقراطياتها الداخلية بكل عناية ودقة وكفاءة، عبر عقد الوفاق المبدئي؛ كوظيفة لا غنى عنها، ولا يمكن إمهالها أكثر. تُزيد الخاصيات الحرة والخلاقة لمساحة الفوضى البينية، من أهمية عصر الانتقال، وتفسح المجال أمام الشعوب لتحتل الصدارة في الديمقراطيات المختلطة.

خيارنا الثالث هو اليوتوبيا المعنية بالمستقبل. وهو بناء المجتمع الديمقراطي والتحرري الجنسوي والأيكولوجي للشعوب، بحيث لا يهدف إلى الدولة، ويولي الأولوية للأخلاق. إن غلبة الجانب الطوباوي (اليوتوبياوي) عليه، لا تعني أنه لن يُعاش إطلاقاً في حاضرنا. بل، وعلى النقيض من ذلك، فهذه المهمة راهنة ومرحلية في كل زمان ومكان، لتسيير هذه القضية النبيلة بخطى متواضعة وسديدة. قد تُعاش بكثافة منخفضة أو عليا في بعض الأزمان والأماكن. إنَّ تَعَلُّم الشعوب ومختلف المجموعات الحرة كيفية عيشها بتطويرها ديمقراطياتها الداخلية، وبتحقيقها حريتها الجنسوية الاجتماعية، وبتلبيتها احتياجات المجتمع الأيكولوجي؛ سيقربنا أكثر فأكثر، ومع مرور كل يوم، من هذا المجتمع وديمقراطيته. أما الجماعات الشعبية العاجزة عن إدارة ذاتها دون الاعتماد على الدولة، فمن المحال أن تحقق الحرية والمساواة التي ترمي إليها. إن الديمقراطية والاشتراكية المنتَظَرتَين من الدولة، هما في الحقيقة إنكار للديمقراطية والاشتراكية. حيث أسفر هذا الأسلوب المجرَّب مئات المرات في التاريخ، عن تعزز القوى التسلطية والاستغلالية في كل مرة. أما في الديمقراطيات غير الهادفة إلى الدولة، فالجماعات الشعبية مضطرة لتأمين دفاعها الذاتي بذاتها. على الميليشيات الدفاعية الشعبية أن تعرف كيف تصون كل القيم الواجب صونها، وعلى رأسها ديمقراطية الشعب، في كل مكان يستدعي وجودها (في القرية، المدينة، الجبل، البادية والضواحي)؛ وذلك تجاه النهّابين والسلاّبين والمختلسين والطغاة المستبدين.

وفي المجال الاقتصادي، بالمقدور تطوير اقتصاد لا يعتمد على التبضّع، يلائم سلامة الشعب، ولا يضر بالبيئة. وذلك عن طريق المشاعات والتعاونيات ومختلف مجموعات الأنشطة الأخرى. لا يمكن للبطالة، التي تُعَد خاصية بنيوية في النظم الاستعمارية، أن تشكل معضلة في مجتمع الشعب الديمقراطي والأيكولوجي. يمر السبيل الأصح للعبور إلى الاشتراكية المفعمة بالمساواة، من هذا المجتمع، الذي تلعب فيه الأخلاق دوراً أساسياً عوضاً عن القانون، ويتميز برفعة الشغف بالحياة عبر التدريب والتعبئة الخلاقة، ولا يعترف في داخله بالحرب، بل تسوده العلاقات الأخوية والودية والصداقات. إذا ما عملنا على تحقيق الالتحام بين المجتمع المشاعي والأنظمة الإثنية الأقرب إلى المساواة، والتي طالما شهدتها شعوب الشرق الأوسط دهراً طويلاً من التاريخ من جهة، وبين الإمكانيات العلمية والتكنولوجية الراهنة من جهة ثانية؛ فإن العيش في المجتمع الديمقراطي والتحرري الجنسوي والأيكولوجي الأكثر اتساعاً في آفاقه، سيجد معناه كقيمة مثلى ونبيلة.         

يحظى البحث والتدقيق في أغوار العقلية والتمأسسات الاجتماعية التي شكلتها ظاهرة الدولة، بأهمية قصوى. فاغتراب العقلية عن الطبيعة، التمايزات الطبقية التي لا يحتملها العقل، العديد من التنظيمات الخاصة، والتمأسسات العسكرية؛ ما هي سوى بُدَع ابتكرها جهاز العنف ذاك على الدوام. وبدءاً من الثقافة التي تزدري العمل وتحتقره كلياً، وتُعلي من قدْر الغنيمة والنهب والسلب، وحتى عالم الطفيليين المبتدئ بمفهوم الإله الآمر بالقيام بما تشاء نفوسهم وتهوى، والممتد حتى يوتوبياتهم الزائفة بشأن الجنة والنار؛ كل ذلك تم الإعلاء من شأنه إلى مرتبة الإله الأعلى، ممثَّلاً في صورة السلطان، القيصر، الشاه، الرَّاجا (الأمير الهندي)، والإمبراطور. وسيول الدماء المسفوكة على مر آلاف السنين، كانت تُراق دائماً باسم هذه المقدسات الجوفاء.