​​​​​​​ويلات قبل الغزو وبعده .. أين سيجد العراقيون الحل؟

سبعة عشر عاماً, ولا زال العراقيون يبحثون عن وطنهم، وفيه عن الديمقراطية؛ ففي مثل هذا اليوم دخلت أمريكا العراق بعد أن وعدت شعبها بالديمقراطية وعراقٍ جديد, لكنها تتحدث اليوم عن الخروج، مخلفة وراءها بلداً يغوص في الصراعات الطائفية والقومية, فما هو الحل؟

في مثل هذا اليوم (20 آذار) من العام 2003، دخلت أمريكا العراق، ومعها دول عديدة تحت ظل تحالف دولي هو الثاني من نوعه ضد نظام صدام حسين.

البعض أسماه غزواً والبعض الآخر قال أنه نصر على الاستبداد, وما بين هذا وذاك فقد العراقيون وطنهم, وحلماً دفعوا ثمنه غالياً ولا زالوا يدفعون.

وبحسب الإحصائيات قُتل ما يقدر بنحو 151،000 إلى 600،000 عراقي أو أكثر في الأربع سنوات الأولى من الصراع, إذ سجّلت المجلة الطبية الأقدم والأشهر في العالم "لانسيت" في عام 2006 عدد وفيات إضافية تجاوز الـ 650 ألف حالة وفاة, وذلك بالإضافة إلى ضحايا العنف.

قصة معاناة العراقيين لم تبدأ بالاجتياح الأمريكي للعراق بل مرت بمراحل متعددة أهلكت العراقيين، وجعلت الأرضية ممهدة لسقوط البلاد في الفوضى السياسية والأمنية التي نراها في يومنا الراهن.

العراق ونظامه السياسي قبل الاجتياح..

ويحتل العراق المعاصر، الذي يقع على نهري دجلة والفرات ويمتد من الخليج في الجنوب إلى جبال طوروس في الشمال، كل بلاد ما بين النهرين القديمة تقريباً، والتي تعد مهداً للحضارة الإنسانية.

وكان العراق في العصور الوسطى قلب الإمبراطورية الإسلامية، لكن الغزو البربري في القرن الـ 13 أضعف دوره، وأصبح العراق في القرن الـ 15 جزءا من الإمبراطورية العثمانية، حتى جاء الاحتلال البريطاني في عام 1917، ونال العراق استقلاله عام 1932.

النظام الملكي الذي أسسه البريطانيون أطيح به في تموز/ يوليو 1958، والنظام الجمهوري الأول أطيح به في انقلاب دموي في فبراير/ شباط 1963 نفذه ضباط في الجيش بالتعاون مع حزب البعث، تبعه انقلاب آخر بعد بضعة أشهر أزاح هذا الحزب من السلطة، وفي عام 1968 تمكن حزب البعث من العودة عبر انقلاب عسكري أيضا.

وبعد وصول صدام حسين إلى دفة الحكم في العراق الذي يتميز بثروة نفطية كبيرة، وكونه كان ينحدر من الأقلية السنية, قام بقمع وتهميش المكونات الأخرى كالشيعة والكرد، حيث جردهم من حقوقهم، واستعمل معهم العنف المفرط، ما مهد الطريق لتقسيم العراق طائفياً.

من حرب إلى أخرى .. كيف أرهق صدام العراقيين

أدخل نظام صدام حسين العراق في مآزق كبيرة، جعلته ينهار اقتصادياً كما أدت إلى وضع اللبنة الأساسية لتقسيم المكونات العراقية, وكانت البداية من الحرب العراقية الإيرانية أو كما سميت بحرب الخليج الأولى والتي نشبت من أيلول 1980  حتى آب 1988، وخلّفت نحو مليون قتيل وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أمريكي.

وكانت لهذه الحرب التي امتدت 8 سنوات، وحرب الكويت التي امتدت من 2 آب 1990حتى 28 شباط 1991، (حرب الخليج الثانية), والعقوبات الدولية التي تبعت تلك الحرب آثار مدمرة على الاقتصاد والمجتمع العراقي.

وشكلت مرحلة اجتياح صدام للكويت نقطة تحول مؤثرة بالنسبة لنظامه، فتشكل أول تحالف دولي ضده, حيث قادت الولايات المتحدة تحالفاً من الجيوش الغربية والعربية لصد الهجوم العراقي على الكويت، وإخراج القوات العراقية من البلاد, وتعرض العراق فيما بعد لحصار اقتصادي خانق.

حروب الخارج ترتد إلى الداخل

وبعد انتهاء حرب الخليج الثانية قام صدام حسين بقمع الانتفاضات والتي سميت بانتفاضة 1991م أو الانتفاضة الشعبانية في إشارة إلى شهر شعبان، وحدثت هذه الانتفاضة في المناطق الكردية بالشمال، والشيعية في الجنوب.

وفي ظل هذه الأوضاع بدأ النظام باستخدام طائرات الهليكوبتر التي أرسلتها أمريكا للنظام العراقي بحجة نقل الجرحى والمصابين من الكويت إلى العراق، إلا أن النظام استخدمها في قصف المدن، وإيقاف الانتفاضة، ووصل الأمر بالسلطة إلى استعمال الأسلحة الكيمياوية ضد المواطنين.

ومن نتائج هذه الانتفاضة فرض حظر طيران شمال وجنوب العراق من قبل مجلس الأمن الدولي لحماية شعب العراق من نظام صدام حسين, وهذا ما ساعد في إعلان قيام إقليم كردستان العراق في الشمال.

غزو العراق.. أسبابه ونتائجه؟ 

وطفت مسألة أسلحة الدمار الشامل على السطح في أعقاب حرب الخليج الثانية, حيث تم اتهام العراق باستخدام هذه الأسلحة، فأجرت الأمم المتحدة تحقيقات في هذا الشأن، خلصت إلى نتيجة مفادها "لم يكن هناك أي دليل على أن برنامج أسلحة الدمار الشامل العراقي استمر بعد الحرب".

ومع انتخاب جورج دبليو بوش رئيساً في عام 2000، انتقلت الولايات المتحدة نحو سياسة أكثر عدوانية تجاه العراق, حيث دعا بوش الابن إلى التنفيذ الكامل لقانون تحرير العراق من أجل عزل الرئيس العرقي صدام حسين من السلطة.

وبعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية، واتهام تنظيم القاعدة بتنفيذها, أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن (الحرب على الإرهاب) في العشرين من شهر أيلول/سبتمبر عام 2001، والتخطيط لغزو العراق بحجة تعاون الرئيس العراقي صدام حسين مع القاعدة.

وبدأت الحرب على العراق بغارات جوية في العشرين من شهر آذار/مارس عام 2003، إذ أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في خطاب متلفز بدء الحرب بقوله: "في هذه الساعة، بدأت القوات الأميركية وقوات التحالف المراحل المبكرة من العمليات العسكرية لنزع أسلحة العراق، وتحرير شعبه والدفاع عن العالم من خطر محدق".

وفي 1 أيار/مايو عام 2003 أعلنت قوات التحالف بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية انتهاء العمليات القتالية الرئيسية, حيث حلت الجيش العراقي ومؤسسات الدولة، وعينت الجنرال الأمريكي بول بريمر حاكماً عسكرياً للعراق.

ويرى مدير المركز العراقي للدراسات والأبحاث السياسية محمد حسين خلال حديثه لوكالة هاوار أن "الأحداث السياسية بعد 2003 كرست الانقسام أكثر، حيث كرست الطبقة السياسية تلك الانقسامات، والذي يعود سببه إلى عدم الاستقرار في العراق حتى قبل الاحتلال, ففشل الدول العراقية لتكوين هوية سياسية وطنية عراقية جامعة يعود إلى عدة اسباب، منها أنظمة القمع وعدم الاعتراف بحقوق مكونات الشعب والتعامل مع ذلك بالقمع، ولذلك فإن الاحتلال الامريكي ليس هو السبب الرئيسي في عدم استقرار العراق".

وأضاف "المشكلة الموجودة حالياً في العراق غير متعلقة بوجود الاحتلال الامريكي على الرغم من آثاره السلبية، إلا أنه كان له بعض الأثر الايجابي في بداياته، فالشعب العراقي منقسم جداً حول الاحتلال وحول تداعيات الاحتلال وحول الظروف التي أتت بالاحتلال".

وبحسب حسين فإن "مشكلة الاستقرار معقدة جداً ومتعلقة بتركيبة مكونات الشعب العراقي، وكما نعلم إن العراق كباقي الدول الأخرى، سورية واليمن هي دول مصطنعة، وعلاقة أبناء هذه الدول ونتيجة سياسات قادتها سيئة ومتشابكة ومعقدة، مما جعل شعوب العراق تجتمع حول أجندات سياسية تكرس النظام الطائفي والقومي أكثر مما قد تجتمع على أساس وطني".

غزو يخلف ديمقراطية مشوهة

وبعد دخولها العراق عام 2003 ابتكرت الولايات المتحدة نظام "المحاصصة الطائفية"، بحيث تتوزع المناصب الرئاسية في البلاد بين المكونات والأطياف على أسس طائفية، ولا يزال الحكم السياسي في هذا البلد مبنياً وفق هذا النظام الذي يرى فيه كثيرون مشكلة وليس حلاً لأزمات العراق.

ويرى المراقبون أن نظام المحاصصة تسبب باستشراء الفساد المالي والإداري في العراق بعد العام 2003، وتعني المحاصصة أن الكتل والأحزاب الفائزة في الانتخابات النيابية تتقاسم المناصب الحكومية, وبموجب هذه المحاصصة أيضاً يتولى رئاسة الجمهورية كردي، ويتولى رئاسة الوزراء شيعي، وتكون رئاسة البرلمان من نصيب السنة, وقد أبرز ذلك ظاهرة الفساد في البلاد.

وبالإضافة إلى موضوع الفساد، أدى الاحتقان الطائفي والقومي إلى تنامي المجموعات المتطرفة، وكان أبرزها "داعش" ففي 29 يونيو/حزيران 2014 أعلن المتحدث باسم داعش أبو محمد العدناني في تسجيل صوتي عن قيام ما أسماه بالدولة الاسلامية، ومبايعة أبي بكر البغدادي لتزعمها.

ويمتد تاريخ داعش في العراق إلى عام 2003 حيث قام أبو مصعب الزرقاوي بتأسيس ما عُرف حينها بتنظيم "الجهاد والتوحيد" في سبتمبر/أيلول 2003، ومر بمراحل وانعطافات عديدة إلى أن تم الإعلان عن "دولة العراق الإسلامية" في عام 2006.

وفي نيسان/أبريل 2013 تم الإعلان عن إقامة "الدولة الإسلامية في العراق والشام" وانضم إليها أغلب المقاتلين الأجانب الذين كانوا منضمين لجبهة النصرة.

وبالإضافة إلى ذلك ظهر عدد كبير من الفصائل الشيعية بحجة مقاومة الولايات المتحدة الأمريكية وقتال الإرهاب.

ولم تتوقف المحاصصة على الطوائف والقوميات فقط، بل إن هذه الطوائف والقوميات انقسمت هي ذاتها إلى أجزاء، حسب تبعيتها للدول المتدخلة في العراق.

ففي السُنة هناك أحزاب تابعة للسعودية وتركيا وقطر والولايات المتحدة، وبعضها مقربة من إيران, أما الشيعة فحالها مشابه للسُنة, والكرد ينقسمون إلى حزبين, الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني والذي يسيطر على هولير والمقرب من السنة وخصوصاً تركيا, و الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يسيطر على السليمانية والمقرب من إيران.

نظام المحاصصة ليس بالمثالي وأثبت أنه فاشل

مشكلة النظام السياسي العراقي كما يراها محمد حسين "هي ليست في النظام والقوانين والدستور المكتوب على الورق، بل في ممارسة السياسات المطبقة على الأرض وهشاشة الدولة، فالعراق يصنف ضمن الدول الفاشلة؛ المؤسسات العراقية ليست متينة، فأي ميلشيا أو سياسي يستطيع أن يتجاوز القوانين والدستور بهدف قمع منافسيه، أو حسب مصالحه كما فعل صدام حسين من قبل".

وحول نظام المحاصصة يقول حسين "هي مشكلة كبيرة وتخلف سياسيين غير أكفاء في العراق, فهشاشة المؤسسات في العراق سهلت في تحكم الميلشيات المحسوبة على إيران بالعراق بشكل كبير, وكذلك وجود مافيات الدولة العميقة، والتي لديها تأثير كبير يتجاوز حتى سلطة القادة والوزراء".

الديمقراطية الناشئة في شمال وشرق سوريا قابلة للنجاح أكثر من المحاصصة

وحول حل الأزمات التي أحدثها نظام المحاصصة في عدد من الدول، قال مدير المركز العراقي للدراسات والأبحاث السياسية محمد حسين "نظام المحاصصة في لبنان والعراق وسورية ليس بالنموذج المثالي في قيادة تلك البلدان وأثبت أنه نظام فاشل".

وأضاف "الآن نموذج الديمقراطية الناشئة النابعة من الشعب ومن مكونات الشعب، مثل شمال وشرق سورية، فهكذا نظام لديه قابلية للنجاح أكثر من نظام المحاصصة، وذلك لوجود مبدأ المشاركة، فالناس لديها القدرة على المشاركة في القيادة على عكس الدول المحيطة بنا, كما تعطي فرصة للناس المهمشين للمشاركة في بناء بلدهم, ولا يوجد دافع مادي لكي يبقى أي شخص في السلطة، فقابلية التغيير في مؤسسات شمال وشرق سورية مرن للغاية ".

واختتم حسين حديثه قائلاً: "نظام المحاصصة يستعمله الفاسدون، وهي عبارة عن غطاء للفساد".

وعلى الرغم من مرور 17 عاماً على الإطاحة  بنظام صدام حسين، الذي دائماً ما يصفه معارضوه بالديكتاتور والمجرم، واستبداله بـ"نظام ديمقراطي"، لا يزال العراقيون يدفعون ضريبة اجتياح العراق، من أرواحهم وأمنهم واقتصادهم وخدماتهم، فمنذ ذلك الوقت يحصد الإرهاب أرواح العراقيين، وتعيش أغلب مناطق العراق من شماله إلى جنوبه أوضاعاً معيشية صعبة، دفعتهم للنزول إلى الشوارع باحتجاجات عارمة منددة بسوء الخدمات، وتردي الوضع الاقتصادي، وانتشار البطالة، وسيطرة الجماعات المسلحة على مناطقهم.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً