​​​​​​​تركيّا على خطا داعش في الشّمال السّوريّ

تأتي مخاطر التدخّل التّركيّ في سوريا واحتلال أجزاء من شمالها بسيناريوهات تشبه إلى حدّ كبير تلك الّتي صعد بها داعش إلى الواجهة في سوريا، فبعد انتهاء هذا الأخير، يبدو أنّ  الخطر التّركيّ لن يكون أقلّ من الّذي كان يشكّله داعش.

عام مضى على إنهاء الوجود العسكريّ لداعش على الجغرافيا السورية، منذ أن ألحقت قوّات سوريا الديمقراطية الهزيمة بالمجموعات المرتزقة في آخر معقل لها داخل بلدة الباغوز شرق سوريا، عندما أعلنت النّصر يوم الـ23 من آذار/مارس العام الماضي.

وكان لهذا الانتصار الكبير- ومازال- أهمّيّة كبيرة بالنسبة لشعوب ومكوّنات مناطق شمال وشرق سوريا التي انبرت لمقاتلة داعش لنصف عقد من الزّمن، وضحّت في هذه الحرب بأكثر من 11 ألف شهيد، وضُعف هذا العدد من الجرحى، وخسائر مادّيّة لا تحصى.

منذ عام 2014، لم يكف داعش عن شنّ هجمات على مناطق شمال وشرق سوريا التي تديرها الإدارة الذاتيّة، لكن المقاومة المحلّية أفشلت هذه الهجمات، وكان الانتصار على مرتزقة داعش في كوباني مطلع عام 2015 ضربة ذات تأثير كبير على المرتزقة الّذين بدؤوا بعدها بالتّراجع على وقع ضربات وحدات حماية الشّعب والمرأة، ثمّ قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة التي أطلقت حملة تلو الأخرى لتحرير المنطقة بالتّعاون مع التّحالف الدّوليّ لمحاربة داعش.

لقد شهد العالم في السّنوات الأخيرة كم كان داعش خطراً وعاملاً في زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم أجمع، فبالرّغم من أنّ انتشاره الجغرافي كان منحصراً في سوريا والعراق، إلّا أنّ هجماته الإرهابيّة شملت دولاً عدّة في العالم.

في مناطق انتشاره، استخدم أبشع طرق القتل، بهدف ترهيب النّاس, وعمد إلى نشر أفكار التّطرّف وفرض أسلوب حياة جديدة في المناطق التي احتلّها، مُمهّداً لزرع بذرة التّطرّف والإرهاب في المنطقة.

عالميّاً، تكرّرت الهجمات الإرهابيّة الّتي نفّذها داعش، من تفجيرات وعمليّات إطلاق الرّصاص والدّهس، سواء في مدن فرنسية أو بريطانية أو غيرها، ما أثبت بما لا مجال للشكّ فيه أنّ هؤلاء باتوا خطراً يهدّد العالم بأسره.

واليوم، بعد مضي عام على هزيمة مرتزقة داعش، وبينما تستعدّ مناطق شمال وشرق سوريا للاحتفال بالسّنويّة الأولى لهزيمة داعش، نرى أنّ خطر هذا الإرهاب لم يعد في ذلك المستوى العالي، ومن أولويّاته؛ على الرّغم من أنّ تهديد الخلايا الأمنيّة لم ينته، والفكر المتطرّف لم يزل بعد.

كما ونرى أنّ خطراً جديداً يصعد إلى الواجهة وبسيناريوهات تشبه إلى حدّ كبير تلك السّيناريوهات الّتي صعد بها داعش إلى الواجهة في سوريا.

تركيّا عوضاً عن مرتزقة داعش في الشّمال السّوريّ!

في عام 2016 بدأت تركيا الاحتلال المباشر في سوريا، في حين كان دورها سابقاً يقتصر على دعم داعش عبر الحدود، وكذلك فصائل ما تسمّى بـ"المعارضة السّوريّة"، عسكريّاً وسياسيّاً.

حينها احتلّت تركيا مدن جرابلس والباب بعد مسرحية فاشلة, بدأت بحلق الذّقون، وانتهت بتبديل الملابس, لتحلّ تركيا محلّ داعش في جرابلس والباب إلى جانب إعزاز الّتي سبق ووُجِدت فيها المجموعات المرتزقة التي أسمت نفسها "الجيش الحرّ".

في المناطق التي تمّ احتلالها من قبل تركيا, تمّ استبدال المجموعات المرتزقة التي لا تختلف إلا بالأسماء والملابس والرايات عن داعش، وهذه الرّموز لم تكن مهمّة في الأزمة السّوريّة، الّتي بدت فيها المجموعات المسلّحة باسم مختلف كلّ يوم.

ولم يمض الكثير من الوقت حتّى أطلقت تركيّا هجوماً على عفرين واحتلّتها.

في عفرين كانت قوّات قسد موجودة، هذه القوّات هي التي هزمت داعش المصنّف على قوائم الإرهاب العالميّة على أنّه أخطر تنظيم يهدّد المجتمع الدّوليّ بأسره.

وما كان الهجوم ضدّ هذه القوّات إلّا ضربة انتقامية لهزيمة داعش، وخطوة نحو تطبيق الأهداف التي فشل داعش في تحقيقها.

كما وتمكّنت تركيا من التّحكّم بملفّ إدلب والدّخول كدولة "ضامنة" إلى تلك المنطقة لتشكّل مظلّة حماية لبقايا داعش وتنظيم القاعدة وجبهة النصرة ومجموعات متطرّفة أخرى مثل الحزب الإسلامي التركستاني.

بذلك، نجحت تركيا في إنجاز ما لم ينجزه داعش؛ ممرّ على الحدود التركيّة داخل الأراضي السّورية، بدءاً من جرابلس وحتّى إدلب، يعجّ بآلاف المرتزقة المدجّجين بالفكر المتطرّف، وإن صحّ التّعبير، هيكلة مرتزقة تحت الطلب.

لكن ذلك لم يكن إلّا جزءاً من الخطّة التركية، فيبدو أنّ قادة تركيا ينوون توسيع الشّريط ليشمل كامل الحدود، لذا أطلقت تركيا هجوماً آخر على مناطق سريه كانيه/ رأس العين وكري سبي/تل أبيض شمال سوريا، وأدخلت آلاف المتطرّفين المرتزقة ومعهم المئات من عناصر داعش السّابقين.

وهنا نتذكر محاولات مرتزقة داعش من أجل السّيطرة على رأس العين بعد أن سيطر على تل أبيض، لكنّهم فشلوا، كما حاولوا السّيطرة على كوباني، لكنّهم فشلوا أيضاً، وها هي تركيا تنجز ما أخفق داعش في إنجازه.

الوجود التّركيّ والخطر الكبير!

تركيّا تحتلّ أجزاء واسعة من الأراضي السّوريّة، وهذا يهدّد وحدة سوريّا أرضاً وشعباً، ولا شكّ أنّ تركيا الّتي تسيطر على عشرات الآلاف من المرتزقة المتطرّفين والمتشدّدين في المنطقة لن تجلب الاستقرار إلى المنطقة، فشكل الحياة في المناطق المحتلّة حالياً لا يختلف عن الشّكل الذي عاشه الأهالي في المناطق التي احتلّها داعش. وهنا سؤال آخر, هل سيبقى وجود هؤلاء المرتزقة في المناطق التي تحتلها تركيا فقط، أم ستحاول وبدفع تركي احتلال المزيد من المناطق؟

الواضح إلى الآن, أنّ كلّ ما تقوم به تركيا في سوريا يمهّد لصعود خطر جديد لا يقلّ عن الخطر الذي مثّله داعش، وهنا يأتي السّؤال الآخر, كم دولة ستتأثّر بالخطّة التّركيّة الجديدة؟

وفي الوقت الذي نطرح فيه هذا السّؤال، نلفت إلى السّياسات التّركيّة في ليبيا، وإرسال آلاف المرتزقة إلى ذلك البلد العربيّ.

جميع هذه الجماعات المتشدّدة لا تختلف عن بعضها البعض، ولا يبدو أنّ المنطقة تتّجه نحو سلام مستدام مع مضي تركيا في تنفيذ مخطّطاتها، وعدم وجود رادع.

(ر ح)

ANHA


إقرأ أيضاً