​​​​​​​تركيا تطبّق شكل الاستعمار الأكثر خطورة في مقاطعة عفرين المحتلة

مصطفى علو

تستند الإمبريالية بشكل عام إلى تمكين أو تغليب فئة ما على حساب الفئات الأضعف منها، أو استضعافها بأساليب مختلفة تؤدي جميعها في نهاية المطاف إلى فرض لون واحد على مجتمع متعدد القوميات والمعتقدات، ولتحقيق هذا الهدف لا تكتفي الدول الإمبريالية باستخدام القوة العسكرية بل تلجأ إلى غزو ثقافي للمجتمعات بما يؤمّن لها سلطة طويلة الأمد.

ويؤكد الكثير من الباحثين في مجال الاستعمار وأشكاله المختلفة أن الاستعمار الثقافي يعد أكثرها خطورة وأشدها فتكًا واستدامة، لأنه يتم عبر القوة الناعمة التي لا تلاحظها المجتمعات التي تتمتع بمستوى متدنٍ من التعليم، الأمر الذي يتسبب ببقائها خاملة حيال هذا النوع من الاستعمار، لأنها تظل في وضع يمكن أن يطلق عليه غيبوبة فكرية، ولا تظهر أي ردة فعل تجاهه.

ويرتكز الاستعمار الثقافي على تشجيع وفرض ثقافة القوة المسيطرة على المجتمع، وفي كثير من الأمثلة البارزة عن الاستعمار يظهر بشكل جليّ أن القوة المستعمِرة تستهدف بالدرجة الأولى لغة المجتمع المُستعمَر.

وعلى سبيل المثال، تخلو أمريكا اللاتينية من اللغة الأم، وغالبية بلدانها تتحدث اللغة الإسبانية أو البرتغالية، لأن هذه البلدان بقيت تحت الاحتلال الإسباني فترات طويلة، ولكن حتى بعد زوال الاستعمار العسكري بقيت اللغة الإسبانية مستمرة كأحد أبرز الأمثلة عن الاستعمار الثقافي وخطورته على المجتمعات.

وينطبق الأمر على دول في شمال أفريقيا، التي لا تزال تتحدث اللغة الفرنسية وبلدان أفريقية أخرى تتحدث الإنكليزية مثل نيجريا، وكذلك في الهند بالقارة الآسيوية.

وبالتوازي مع اللغة يعمل الاستعمار إما على تغيير دين المجتمعات أو استغلالها دينيًّا في حال تطابقت ديانة الشعب والدولة المستعمرة.

وهناك مقولة في هذا السياق، تتحدث عن الاستعمار الأوروبي وتشير إلى أن الكنيسة تتحرك جنبًا إلى جنب مع وزارة الخارجية.

هذه التوطئة، كانت لتسليط بعض الضوء على الاستعمار وأخطر أشكاله.

وبالانتقال إلى عفرين المحتلة، فتجسّد الممارسات التركية على مدى 3 أعوام متتالية فكرًا إمبرياليًّا يرتكز بالدرجة الأولى على الاستعمار الثقافي.

اللغة الكردية هي العنصر الأول الذي تحاربه تركيا، بالإضافة إلى حظر اللغة الكردية الرسمية في مقاطعة عفرين بعدما كانت إلى جانب العربية اللغة الرسمية والمعتمدة في مناهج الإدارة الذاتية في عفرين، حيث بدأت تركيا بعد مدة وجيزة من احتلال عفرين في الـ 18 من آذار عام 2018 بفرض الطابع التركي على المقاطعة المحتلة.

وبدأت المقاطع المصورة لأطفال عفرين في المدارس وهم يلوّحون بالأعلام التركية تنتشر، بعد فرض اللغة التركية عليهم في نحو 60 مدرسة من مدارس المقاطعة المحتلة.

ويعرّف القائد عبد الله أوجلان اللغة بأنها "العنصر الرئيس في حقل الثقافة بمعناه الضيق. لذا، بالإمكان تعريف اللغة بمعناها الضيق على أنها الثقافة، فاللغة بذاتها تعني الإرث المجتمعي للذهنية والأخلاق والجماليات والعواطف والأفكار التي اكتسبها مجتمع ما، وهي وجود الهوية واللحظة الذي يُدرَك ويُعبّر عنه بالنسبة للمعنى والعاطفة، والمجتمع الذي يعبّر عن ذاته يدل على امتلاكه الحجة القوية للحياة.....".

في ضوء هذا التعريف، يمكن تسليط الضوء على حقيقة أهداف الدولة التركية من فرض لغتها على المجتمع على حساب إنكار ومحاولة إزالة لغته الأم.

الهدف واضح، هو السيطرة على ذهنية المجتمع والتحكم بها، وإذا ما تم تعريف الذهنية باختصار على أنها الموجه الداخلي للإنسان، فإن السيطرة عليها يعني السيطرة على الإنسان، وهو هدف واضح للاحتلال التركي.

وبالتوازي مع استهداف اللغة، تروم تركيا إلى استغلال المجتمع دينيًّا أيضًا في عفرين التي كانت قبل الاحتلال تضم خليطًا من الكرد السنة والعلويين والإيزيديين، بالإضافة إلى المسيحيين وبالأخص الأرمن وكذلك العرب السنة، لكن مع بداية الاحتلال هُجّر نحو 300 ألف كردي بمختلف معتقداتهم الدينية وتم توطين نحو 400 ألف من المرتزقة، قسم كبير منهم من التركمان الموالين لتركيا، وأسرهم في المقاطعة المحتلة.

وكما كان الاستعمار الأوروبي يسير إلى جانب حملات التبشير، فإن الاستعمار التركي لا يفارقه الدعويون الذين لا يروجون للإسلام، إنما لأفكار حزب العدالة والتنمية التركي تحت ستار إسلامي، ولا يتم ذلك بشكل رسمي إلا أن الكثير من الأئمة ورجال الدين يفعلون ذلك في المنازل.

وتسعى تركيا من خلال ذلك، إلى إضفاء طابع ديني على احتلالها، وتريد كذلك إظهار احتلالها على أنه عمل شرعي ومبارك دينيًّا، ناهيك عن محاولة فرض الطاعة لدولة الاحتلال والسلطان والخليفة رجب طيب أردوغان.

مؤخرًا، وردت أنباء من عفرين أن تركيا افتتحت مركز أناضول الثقافي في المقاطعة، ويؤكد هذا الإجراء التركي الذي يأتي استكمالًا لإجراءات سابقة، وبشكل ساطع، أن الهدف التركي هو إدامة احتلاله للمقاطعة، فحتى في حال انسحاب عسكري لجيش الاحتلال التركي من عفرين ومن باقي المناطق المحتلة في شمال سوريا، فإنها ستترك خلفها مجتمعًا مصهورًا في بوتقة التتريك ويتبع دولة الاحتلال التركي بغض النظر عن هوية الجهة التي تدير المقاطعة.

ANHA