​​​​​​​تركيا تستخدم المياه كسلاح ضد الكرد والعرب في سوريا والعراق

في ستينيات القرن الماضي بدأت تركيا بشن "حرب المياه" ضد جارتيها سوريا والعراق، واليوم تستخدم مياه السوريين وفي أرضهم كسلاح ضدهم، مهددةً أكثر من مليون شخص في شمال وشرق سوريا بالتزامن مع انتشار وباء كورونا، ضاربةً بعرض الحائط المواثيق الدولية وسط صمت مخزٍ من الأمم المتحدة.

يذكر التاريخ أن العثمانيين عندما كانوا يهاجمون منطقة ما، كانوا يحاصرونها ويقطعون عنها الماء والغذاء حتى يستسلم أهلها لهم جوعًا وعطشًا، وتسير تركيا الحديثة على خطا العثمانيين، فقد بدأت منذ ستينيات القرن الماضي بشن حرب المياه على الجارتين سوريا والعراق للقبول بسياساتها، وذلك باستخدام نهري الفرات ودجلة كسلاح.

ويعدّ نهرا دجلة والفرات توأمان يجريان مترافقين عبر عدّة دول، فنهر دجلة ينبع من جبال طوروس، ثمّ يعبر سوريا في أقصى الشمال الشرقي على طول 50 كم، ثمّ يعبر الحدود العراقيّة في بلدة فيش خابور، ويلتقي مع نهر الفرات في بلدة القرنة جنوب العراق، ليكوّنا معًا في البصرة ما يسمّى بشط العرب، ويبلغ طول دجلة من المنبع إلى المصب حوالي 1800 كم.

أما نهر الفرات فينبع أيضًا من جبال طوروس، ويدخل الأراضي السورية في مدينة جرابلس، ويدخل العراق في مدينة القائم. ويبلغ طوله حوالي 2940 كم.

وتستخدم تركيا هذين النهرين كسلاح في الشتاء والصيف، فخلال فصل الشتاء وتساقط الأمطار والثلوج تزيد تركيا من كميات المياه الواردة إلى العراق وسوريا ما يمثل تهديدًا للسدود والمساحات المزروعة، وفي الصيف تخفض كميات المياه ما يؤدي إلى جفاف كبير في مناطق حوض الفرات، الذي تتبعه خسائر اقتصادية كبيرة في قطاعي الزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى المخاطر التراكمية التي تنذر بكوارث مستقبلية.

أسباب التحكم بنهري دجلة والفرات

وتعد تركيا حوضي دجلة والفرات حوضًا مائيًّا واحدًا، عابرين للحدود، وهما رافدان لنهر واحد هو شط العرب، وتنظر إلى الحدود السياسية لمجموع البلدان المتشاطئة في حوض (دجلة والفرات) كحدود غير قائمة.

كما أن تركيا لا تعترف بنهري دجلة والفرات بأنهما دوليان، بل تطلق عليهما المجرى الدولي، وأن إحدى ضفتيه تقع ضمن حدود دولة، والأخرى ضمن حدود دولة ثانية، ليمر خط الحدود في منتصف المجرى المائي، فيخضع للسيادة المطلقة للدولة التي ينبع منها.

ولهذا ترى تركيا إنه من حقها أن تتصرف في كمية المياه التي تمنحها للدولة الحوضية الأخرى، بينما تستخدم هي ما تشاء لسد حاجتها من مياه النهرين حاضرًا ومستقبلًا.

ويقول الدكتور سليمان عبد الله إسماعيل في كتابه حول الأنهار في تركيا، إن هذا الفهم يعني "تتريك النهرين وإضفاء هذا النعت عليهما".

فيما يشير الكاتب العراقي، فؤاد قاسم الأمير إلى رفض تركيا مبدأ تقسيم مياه نهري دجلة والفرات أو توزيعهما أو محاصصتهما، فالسياسة المائية التركية تقوم على حق السيادة المطلقة لتركيا على مواردها المائية في "حوض" دجلة والفرات داخل أراضيها، تركيا تؤكد دائمًا على أن مشاريعها تعمل لسد الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لسكانها، وأن الأولوية الأولى للمياه وبدون منازع هي للأتراك.

وينوه الكاتب العراقي، أن تركيا لا توافق على عقد اتفاقات ثنائية مع العراق وسوريا تتعلق بالحصص المائية أو تقسيم  المياه، بحجة أن القانون الدولي لا يجبرها على ذلك، كما أنها لا تعترف بمبدأ "الحقوق المكتسبة"، ولم تقبل إدراج هذا المبدأ في أي جدول لاجتماعات اللجان الثنائية أو الثلاثية حول المياه.

حصة سوريا والعراق

ووقّعت سوريا بروتوكولاً مع تركيا، في تموز 1987 يتعهد فيه الجانب التركي بتوفير (500) م3/الثانية من مياه الفرات على الحدود التركية/السورية لتوزيعها بين العراق وسوريا، وفي الحالات التي يكون فيها الجريان الشهري دون مستوى (500) م3/الثانية، فإن الجانب التركي يوافق على أن يعوض الفرق خلال الشهر التالي، كما وأن الجانبين سيعملان مع الجانب العراقي لتوزيع مياه نهري دجلة والفرات في أقرب وقت ممكن.

وعلى هذا الأساس حدث اتفاق سوري ـ عراقي في نيسان عام 1988، اتفق فيه الجانبان أن تكون حصة العراق 58% من مجمل مياه الفرات الممررة إلى سوريا، و42% لسوريا.

وطالب الجانبان العراقي والسوري تركيا بزيادة التصريف السنوي لاحقًا من (500) إلى (700) م3/الثانية لعدم كفاية المياه لتلبية احتياجاتهما، وقد رفض الأتراك الطلب، ورأى سليمان ديميريل الذي كان يشغل منصب رئيس وزراء تركيا، أن كمية (500) م3/الثانية هي كمية عالية بحد ذاتها، وهي تفيض عن حاجة سوريا والعراق، إلاّ أنه لا يمكن أن يتراجع عنها نظرًا لوجود بروتوكول 1987 الذي يحكم العلاقة المائية بين البلدين.

واتبعت تركيا منذ سبعينيات القرن الماضي سياسة مائية غامضة لمشروعات ري عملاقة أخفتها عن جيرانها لعدم وجود استراتيجية زراعية سورية – عراقية، واقتناص الفرص، مستغلة الخلافات السياسية بين العراق – وسوريا للحصول على أكبر كمية من مياه الفرات، فتارة تزعم أن السوريين يرفضون التباحث مع العراقيين، وتارة أخرى تدّعي أن سوريا ستحتفظ بالمياه الإضافية إذا خضعت تركيا لمطالب العراق وحصصه المائية.

الاحتلال التركي لأجزاء من سوريا

في شهر نيسان عام 2018، احتجزت تركيا، المياه، وبدأت بحربها على الشمال السوري، وتراجع مستوى المياه في سدي تشرين والطبقة، حيث يعتمد عشرات الآلاف من السكان على مياه النهر في سقاية محاصيلهم الزراعية، وهي مورد دخل رئيسي للسكان على امتداد نهر الفرات.

القوانين الدولية تنص على ضرورة تقاسم عادل، يتسم بالمساواة للموارد المائية المشتركة بين أكثر من بلد، ورغم وجود بروتوكول عام 1987، إلا أن تركيا لم تكن تمرر سوى 200 م3 في الثانية وهي أقل بكثير من النسبة المتفقة 500 م3/الثانية.

جريمة ضد الإنسانية.. تعطيش مليون نسمة

ومنذ احتلال تركيا لكل من مدينتي سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض إبان الهجوم الذي أُطلق- ولا يزال مستمرًا على الرغم من الاتفاقات بين روسيا وأمريكا وتركيا- في الـ9 من تشرين الأول 2019، قطع الاحتلال التركي المياه 8 مرات عن الحسكة وضواحيها التي تعتمد على محطة علوك المحتلة بالقرب من سري كانيه.

ويعدّ قطع المياه من قبل الاحتلال ومرتزقته جريمة ضد الإنسانية بحسب القوانين الدولية، ويتسبب بكارثة إنسانية خاصة أن القطع يتزامن مع انتشار جائحة كورونا في العالم، ومن ضمنها مدن شمال وشرق سوريا التي سجلت إلى الآن مئات الإصابات، حيث أنه من المعروف أن هذا الفيروس يتطلب الكثير من الماء من أجل ضمان عدم تفشيه، فالمياه تستخدم في التعقيم والنظافة الشخصية.

كما يأتي قطع المياه عن منطقة يعيش فيها مليون نسمة وتوجد فيها ثلاثة من أكبر مخيمات النزوح في شمال وشرق سوريا "واشوكاني، العريشة والهول"، وفي فصل الصيف حيث الحاجة الملحة للمياه.

وسبق لمرتزقة تركيا أن استخدموا المياه كسلاح في الأزمة السورية، إذ استخدموها ضد أهالي مدينتي دمشق وحلب، واليوم يستخدمونها ضد أهالي مدينة الحسكة وريفها.

ويرى المراقبون أن قطع مياه محطة علوك هو لابتزاز الإدارة الذاتية والضغط عليها من جهة عبر تأليب المجتمع على هذه الإدارة والسعي إلى خلق فتنة طائفية بين العرب والكرد.

ومن جهة أخرى استخدامها كمبرر لشن هجمات جديدة على المنطقة واحتلالها، استكمالًا للمخطط التركي باحتلال كامل شمال وشرق سوريا على مسافة تصل إلى 450 كيلومترًا، بدلًا من 130 كيلومترًا بين سري كانيه وكري سبي/ تل أبيض المحتلتين، حيث سد الطريق أمام ذلك بعد الاتفاق الذي وُقّع بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، والتي اقتضت بنشر حرس الحدود السوري على طول الشريط الحدودي، وتسيير دوريات روسية تركية مشتركة.

ردود دولية لا تتحدث عن الجرائم التركية

أعربت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن قلقها حيال شح مياه الشرب في مدينة الحسكة، بعد انقطاع مضخة العلوك بريف المدينة الشمالي الغربي، وسط ارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز 40 درجة مئوية.

فيما أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن توقف ضخ المياه من محطة مياه علوك والتي تقع ضمن المناطق التي تحتلها تركيا يعرض 460,000 شخص للخطر، وأعربت عن رفضها لاستخدام مرافق المياه لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية.

واختتمت المنظمة بيانها "لا يجب أن يعيش أي طفل حتى يومًا واحدًا بدون ماء آمن، المياه النظيفة وغسل اليدين ينقذ الأرواح، واستخدام مرافق المياه والمياه لتحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية أمر غير مقبول - فالأطفال هم أول من يعاني من هذا الأمر".

ولم تتطرق المؤسسات الأممية إلى قطع تركيا للمياه عن المدنيين، واعتبار ذلك جريمة ضد الإنسانية بحسب القوانين التي وضعتها الأمم المتحدة وتؤمن بها، ويساعد هذا الصمت تركيا في التمادي بجرائمها بحق الشعوب السورية.

القوانين تستوجب معاقبة تركيا

وعلى اعتبار أن الماء ثروة اجتماعية ويحق لأي مواطن الحصول عليه، وضرورة عدم استخدامه في الحروب، فإن اتفاقية جنيف تنظر إلى مسألة قطع المياه على أنها ترتقي إلى مستوى "جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية" ويجب محاسبة الجناة.

وبحسب نظام روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فإن الانتهاكات التي تقدم عليها تركيا ومرتزقتها وأفعالهم غير القانونية وغير المسؤولة تعدّ مناقضة حتى بوصفها دولة احتلال، ما يعرضها للمساءلة القانونية الدولية.

كيف يمكن محاكمة أردوغان؟

ويقول الدكتور في القانون الدولي آزاد دوسكي من باشور كردستان، إنه بحسب القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة الموقع في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، فإن كافة الدول متقيدة بهذه القوانين الدولية، ومنطقة شمال وشرق سوريا التابعة للدولة السورية مرتبطة بهذه القوانين أيضًا.

ورأى دوسكي، أن تركيا بقطعها للمياه وتغيير مجرى نهري الفرات ودجلة تنتهك القانون الدولي، ويجب على الحكومة السورية أن تدعو المجلس إلى اجتماع طارئ حول هذه المستجدات، باعتبارها الممثل الشرعي في الأمم المتحدة حتى الآن.

وأضاف "ومن جانبها تستطيع الإدارة الذاتية التي تدير روج آفا وشمال شرق سوريا إخطار المنظمات الدولية حول الانتهاكات التي تقدم عليها تركيا بحق شعوب المنطقة، وعلى هذه المنظمات إيصال هذه الرسالة إلى مجلس الأمن وهناك العديد من الإثباتات حول ذلك، سواء قطع المياه أو تقليل ضخها، والتي تعتبر مسألة سياسية لمعادة روج آفا".

وبيّن دوسكي، أن هدف الاحتلال التركي من قطع المياه هو تهجير الشعب، وهذا بدوره سيؤدي إلى كارثة إنسانية.

وأشار دوسكي، إلى أن هناك العديد من الإثباتات التي تدين تركيا على انتهاكاتها التي تجري وفق الفصلين السادس والسابع من ميثاق مجلس الأمن، ويمكن محاسبتها وفق هذه الانتهاكات والقوانين، وقال "توجد الكثير من الأدلة التي تدين تركيا، فهذه ليست المرة الأولى التي تنتهك تركيا فيها حقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة".

وأوضح الدكتور في القانون الدولي أن سوريا تستطيع رفع دعوى قضائية في محكمة الجنايات الدولية في "لاهاي" على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وإذا ما ثبتت هذه الانتهاكات عليه يمكن محاسبته.

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً