​​​​​​​تنظيم المجتمع الإيزيدي وتطوير وعي النساء مهمة تقع على عاتق الإيزيديين - هيفيدار خالد

ثمانيةُ أعوام مرّت على المجزرة التي تعرّضت لها الكرد الإيزيديّين في قضاء شنكال بالعراق والتي ارتكبها مرتزقة داعش. هذه المجزرة كانت الأكثرَ دمويةً ووحشيّة في القرن الحادي والعشرين. وعلى الرغم من مضيّ كلّ هذه الأعوام إلّا أنَّ جرحَ الشعب الإيزيدي، وخاصّة النساء الإيزيديّات، لم يتمّ تضميدُه بعد، إذ إنهم ما زالوا ينتظرون تحقيق العدالة حتى الآن.

في الثالث من شهر آب من عام 2014 شنّ مرتزقةُ داعش هجوماً واسعاً على قضاء شنكال بهدف إبادة أبناءِ الشعبِ الإيزيدي أصحاب أقدمِ ديانةٍ في العالم. ولاذ بالفرار كلّ من الجيش العراقي وقوّات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني اللذين كانا متواجدين في المنطقة بهدفِ حمايتها، وتركا الإيزيديّين يواجهون مصيراً مجهولاً.

جميع أبناء الشعب الإيزيدي الذين خرجوا من قراهم وبلداتهم ومدنهم سواءً بالسيارات أو سيراً على الأقدام توجهوا إلى جبل شنكال ملاذهم الآمن، إلَّا أنَّ ارتفاع درجات الحرارة في الصيف، ضاعف من معاناتهم وأدى إلى تدهور أوضاع العوائل وخاصة النساء والأطفال بشكل كبير، ففي الطريق فقد العشراتُ وربما المئات من الأطفال والشيوخ حياتهم عطشاً وتعباً.

وأمام مرأى ومسمع العالم والمجتمع الدوليّ، تعرضوا للويلات والظلم وقُتل الأطفال الأبرياء والنساء والشيوخ والشباب ونُهبت منازلهم وتمّ حرقها، بالإضافة إلى تدمير مزاراتهم ورموزهم المقدّسة. كما تمّ بيع مئات النساء والأطفال في الأسواق بمدينة الموصل العراقية، وما يزال مصير الكثير منهم مجهولاً حتى هذه اللحظة.

وحين صمتَ العالم أجمع عن كلّ تلك الفظائع، تصدّى مقاتلو وحدات حماية الشعب ومقاتلات وحدات حماية المرأة إلى جانب مقاتلي قوات الدفاع الشعبي "الكريلا" لمهمّة الدفاع عن الإيزيديّين، حيث تمكّنوا من إنقاذ الآلاف منهم من براثنِ الموت وأوصلوهم إلى مناطقَ آمنة. في الوقت ذاته، وبسبب الحصار الذي فرضه مرتزقة داعش على الإيزيديين الذين احتموا في جبال شنكال، فقدَ عددٌ من الأطفال الصغار وكبار السنّ حياتهم عطشاً وجوعاً، إلى أن تمكنت هذه القوات من فتح ممرّ آمن لهم عبروا من خلاله إلى مناطق روج آفا حيث تمّ استقبالهم هناك وتقديم ما يلزمهم من طعامٍ وشرابٍ ومسكن، والأهم من ذلك كله الأمن والأمان. كما ساهموا في تنظيم المجتمع الإيزيديّ لنفسه وإنشاء قوّات دفاع خاصّة به لحماية أمنه ووجوده من كافة الهجمات التي تستهدف وجودهم فيما بعد.

المشاهد والصور التي تُظهر بشاعة ما تعرّض له الإيزيديّون من جرائم لا تفارق مخيّلتي، بل تتكررّ على الدوام أمام عينيّ ولا يمكنني نسيانها أبداً. تلك المشاهد المروعة التي التقطتها عدسات الصحفيّين والمصوّرين الذين كانوا يغطّون الفاجعة التي تعرض لها الإيزيديّون، تكشف لنا حجم وبشاعة الكارثة التي شهدتها النساء في رحلةِ الفرارِ من الموت والبحث عن الحياة. إلى جانبِ حالاتِ خطفٍ للنساء وقتلٍ للأطفال والمسنّين وتهجيرٍ للأهالي وإبعادهم عن موطنهم الأصلي وحرق وتدمير بيوتهم وممتلكاتهم.

إنّها بكلّ تأكيد جرائمُ إبادة جماعيّة تعرّضَ لها الشعبُ الإيزيدي، تُضاف إلى الجرائم الكثيرة التي تعرّض لها على مرّ التاريخ وسط صمت العالم وخذلانه.

في المشاهد ذاتها التي نقلتها وسائل إعلام محلية، رأينا صرخات الأمّهات وأنّات الأطفال الحفاة الجياع اليائسين وهم يسلكون دروبَ النجاة من الموت وقد جفّت أعينهم وحُلوقهم من حرّ الصيف والتعب ووعورة الجبال والطرق والدروب التي سلكوها حتّى وصلوا إلى روج آفا حيث الأمن والأمان.

لم يكن الأمر سهلاً البتّة، إذا فقد الكثير منهم حياته قبل أن يصل إلى برّ الأمان. ولم تنتهِ معاناتهم هناك في روج آفا، بل تضاعفت وازدادت وطأةً، حيث لا تزال منازلُهم وممتلكاتهم في ديارهم هناك تشغل بالهم، بالإضافة إلى مصير ذويهم الذين افترقوا عنهم ولا يعلمون شيئاً عنهم. فمرتزقة داعش ارتكبوا فظائع بحقّ الأهالي الذين لم يتمكّنوا من الفرار من قتلٍ وتعذيبٍ وبيعٍ للنساء في الأسواق كالجواري والسبايا والعبيد، إذ بِيعت النساء والفتيات مقابل مبالغ مالية. أو وُزعن على المرتزقة. وتعرضت النساء لأشدّ أنواعِ التعذيب النفسيّ والجسدي والاعتداءات الجنسيّة، ووصل الأمر ببعضهنَّ إلى إنهاء حياتهنّ كي لا يلقين هذا المصير.

الأعوامُ الثمانية التي مضت لم تكن كافيةً لأن يندملَ الجرحُ وينسى الشعب الإيزيديّ تلك الجرائم وما زال ينتظر العدالة المرجوّة. وإنهاء معاناتهم، خاصّة النساء منهم، العدالة التي تتطلّب بذل نضال وجهود جبّارة وعمل دؤوب يهدفُ لمعرفةِ مصير عشرات النساء والأطفال ممّن تمّ خطفهم على يد مرتزقة داعش الإجرامية والوصول إليهم وإعادتهم إلى عوائلِهم وأُسرهم داخل الوطن وخارجه. بالإضافة إلى تحرير النساء اللواتي تمّ سبيهنّ وتعرضنَ لانتهاكات جسيمة جسديّة ونفسيّة من قبل مرتزقة داعش. وإعادة تأهيلهنّ نفسياً.

في الحقيقة، مجرّد التفكير بهذه الجرائم يستطيعُ المرء من خلاله الوصول بسهولة لنتيجة مفادها أنّ كلّ تلك الجرائم والفظائع التي ارتكبها إرهابيّو داعش هي امتداد للجرائم التي ارتكبها الأتراك العثمانيّون وما زالوا يرتكبونها بشكلٍ شبه يومي بحقّ المكوناتِ والشعوب المظلومة في المنطقة.

واليوم يتعيّن على الشعب الإيزيدي أن يتّخذ التدابير اللازمة لقطع الطريقِ أمام تكرارِ مثل تلك المجازر بحقّهم من خلال تنظيمِ أنفسهم ووضع أُطر تنظيمية تساهم في الدفاع عن المجتمع الإيزيدي والحفاظ على المكتسبات التي تحقّقت. ومن الملاحَظ أنّهم بدؤوا بالفعل بتلك التدابير، حيث تمّ تأسيس منظومةٍ دفاعية باسم وحدات حماية شنكال، وذلك إبّان معارك تحرير المنطقة من داعش، إلى جانب تأسيس وحدات المرأة الشنكالية وأسايش إيزديخان التي شهدت مشاركة واسعة من الفتيات الإيزيديات. كما أسّس الإيزيديّون الإدارة الذاتية في شنكال والتي تشغل فيها المرأة حيّزاً كبيراً وهامّاً من حيث تمثيلها في كافّةِ المؤسّسات والمجالس والهيئات واللجان التابعة للإدارة الذاتية وتبوّؤها مراكز سياسيّة ومجتمعيّة عليا.

لقد كانت لهذه القوات المُشكّلة وبالأخصّ لمقاتلات وحدات المرأة الشنكالية أثرٌ كبير ودورٌ محوريّ في معارك تحرير مدينة الرقة السورية من مرتزقة داعش الذي اتّخذ من المدينة عاصمة لخلافته المزعومة، إذ تمكنّت من تحريرِ العشرات من النساء اللواتي تمّ خطفهنّ على يد مرتزقة داعش.

وفي هذه المرحلة التاريخيّة الحسّاسة والهامة، يقعُ على عاتق جميع الإيزيديين أينما وُجدوا وعلى وجه الخصوص المرأة الإيزيديّة الكثير من المسؤوليّات المتعلّقة بإعادةِ تنظيمِ المجتمع الإيزيدي والمساهمة في تطوير وعيه تجاه قضايا المرأة وخصوصيّاتها والنضال في سبيل نيلها حقوقها المشروعة والتخلّص من ذهنيّة الهيمنة الذكورية التي تُفرض عليها. وكذلك التصدي لكافّةِ الهجمات الخارجية التي تستهدف وجودَ وإرادةَ الشعب الإيزيدي والمرأة الإيزيدية، وخاصة الدولة التركية التي تستهدف الشعوب الأصيلة في المنطقة دائماً وتحاول النيلَ من المكتسبات التي حققتها على الأرض.

المرأة الإيزيدية اليوم أصبحت رياديّةً وصاحبة دورٍ كبير في المجتمع أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، وتستطيع تحقيقَ تغييراتٍ جذرية وحقيقية على الأرض وحماية الإنجازات والمكتسبات التي حُقّقت بدماء المئات من الشهداء الذين استشهدوا على هذه الأرض وضحّوا بالنفيس والغالي من أجلها، والوقوف صفاً واحداً في وجه هجمات كافة القوى التي تستهدف كيانهم ووجودهم، كي لا تتكرر المجازر مرةً أخرى بحقِّ أبناءِ الشعب الإيزيديّ وخاصة بحقّ النساء والأطفال.