​​​​​​​تحركات وهجمة إعلامية موجهة.. لماذا دير الزور؟

شهد ريف دير الزور تحركات على خلفية اغتيال عدد من وجهاء العشائر وسرعان ما تحولت إلى عمليات تخريبية ومسلحة، وسط حرب إعلامية موجهة، شنتها عدة جهات بهدف إثارة الفتنة، كما تزامن ذلك مع شن قوات سوريا الديمقراطية حملة ضد خلايا مرتزقة داعش في المنطقة، فمن يقف وراء هذه الاغتيالات؟ ولماذا تم اختيار دير الزور؟

تتمتع مدينة دير الزور بموقع جغرافي استراتيجي في المنطقة، كما تطغى العشائرية والقبلية على بنتيها الاجتماعية، بالإضافة إلى تأثيرها الاقتصادي، حيث توجد فيها ثروات باطنية كالغاز والنفط.

وكانت مدينة دير الزور من أوائل المدن التي شهدت مظاهرات واسعة للمطالبة بإسقاط حكومة الأسد النظام السوري، وخلال مراحل الثورة، أصبحت مدينة دير الزور مركزًا مهمًّا لمرتزقة داعش، حتى تحررت من قبل قوات سوريا الديمقراطية.

ومع تشكيل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أدت العشائر العربية في دير الزور، دورًا بارزًا فيها.

"لؤلؤة الفرات" ما بين الغرق والنجاة

وشهدت منطقة دير الزور في الأيام الأخيرة جملة من التطورات التي تقف وراءها العديد من الجهات المجهولة، بهدف ضرب الأمن والاستقرار في المنطقة عبر تحريك خلاياها النائمة وإحداث الفوضى من خلال إحداث فتنة كردية – عربية.

وارتكبت سلسلة من عمليات الاغتيال التي لا تعدّ الأولى من نوعها، باستهداف عدد من الشخصيات الوطنية والبارزة من وجهاء العشائر والقبائل وشيوخ مدينة دير الزور.

ففي الـ 30 من يوليو/ تموز الماضي، أقدم مسلحون على اغتيال رئيس لجنة عشيرة "البكير" في مجلس القبيلة والمتحدث باسم قبيلة العكيدات سليمان الكسار الملقب بـ أبو نعيم في منزله في ريف مدينة دير الزور، وفي صباح اليوم التالي، تم اغتيال مختار بلدة الدحلة علي الويس.

وفي أول أيام العيد الأضحى تعرض الشيخ مطشر الحمود الجدعان الهفل إلى هجوم مسلح؛ وهو الذي يعدّ من أبرز الرموز العشائرية في دير الزور.

وجاءت هذه العمليات عقب عمليّات التمشيط التي أطلقتها قوات سوريا الديمقراطية ضمن المرحلة الثانية من حملة "ردع الإرهاب" في الـ 17 من يوليو/ تموز الماضي في ريف دير الزور الشرقي، لملاحقة فلول وخلايا داعش.

وعقب عمليات الاغتيال التي استهدفت وجهاء العشائر، بدأت قوى عديدة بشن حملة إعلامية موجهة، ودعت بشكل واضح إلى الاقتتال بين العرب والكرد.

وكان على رأس هذه الجهات حكومة الأسد، الذي استنفرت كل وسائلها الإعلامية وصفحات التواصل الاجتماعي للتحريض على الاقتتال.

هذه المساعي أظهرت وحدة الموقف بين حكومة الأسد ودولة الاحتلال التركي اللتين كثفتا تحركاتهما في المنطقة عبر تجنيد شبكات من العملاء.

لماذا عمليات الاغتيال تلاحق وجهاء وشيوخ العشائر وفي هذه الفترة بالتحديد؟

عندما يريد أي شخص أن يصطاد فريسته، فإنه يوجه سهامه نحو المنطقة الرئيسة التي تقتل الفريسة أو تسبب خللًا ما في حركتها، وبهذه الطريقة كان التركيز على شيوخ العشائر.

حيث يؤدي الوجهاء دورًا فعالًا في صياغة العلاقات الاجتماعية والسياسية في المجتمع.

 وكانت تلك العمليات مدروسة بشكل ما، فليس صدفة أن تُستهدف عدة شخصيات بارزة من منطقة واحدة وفي الفترة نفسها.

أهداف هذه العمليات قد تحققت بعض الشيء، فأثارت احتجاجًا شعبيًّا لدى أهالي مدينة دير الزور للمطالبة بالكشف عن الملابسات الجنائية، ومنهم من وجه أصابع الاتهام لقوات سورية الديمقراطية.

التخطيط كان محاكًا بشكل ممّنهج، حيث يعلم الجميع أن عند مقتل أي شخص من أبناء العشائر ستقوم العشيرة بالثأر له، وهنا لعبوا على هذا الجانب.

حكومة الأسد فشلت سياسيًّا فتوجهت نحو عمليات الاغتيال

قبل الأزمة السورية، بقيت العشائر العربية مهمشة من قبل حكومة الأسد، ولم يكن لها دور في المجتمع، كما لها في الإدارة الذاتية.

واتبعت الحكومة السورية أساليب عديدة لإقناع وجهاء العشائر بالانشقاق عن الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية خلال عدة لقاءات معهم، ومطالبتهم بتطويع أبنائهم ضمن مجموعات تابعة لإيران وروسيا كمرتزقة فحسب.

ويتضح أن جميع محاولات الحكومة السورية لإرضاخ العشائر لسلطتها باءت بالفشل، ولطالما استغلت الهجمات التركية على شمال وشرق سوريا والفوضى التي تسببت بها خلايا تنظيم داعش لتحريض أهالي مدينة دير الزور وريفها عبر خلاياها الاستخبارية على الخروج في تظاهرات ضد قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية.

وبناء على ما سبق، ظهرت بصمات للاستخبارات السورية في عمليات الاغتيال التي طالت وجهاء العشائر في مدينة دير الزور، بعد إلقاء الجهات الأمنية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية القبض على أحد العملاء، وهو المدعو عبد الرزاق نواف العطي، الذي اعترف بأن الاستخبارات السورية كانت قد شكلت "خلية الاغتيال" لاستهداف مشايخ ووجهاء العشائر ورؤساء المجالس المحلية في مدينة دير الزور والحسكة.

ولا تخلو أهداف حكومة الأسد باستعادة السيطرة على مدينة دير الزور من الأطماع الاقتصادية وذلك وسط ارتفاع حدة العقوبات عليها.

تركيا.. وسياسة فرّق تَسُدْ

تركيا بدورها، تُعّول بالدرجة الأولى على خلق النزاعات بين الكرد والعرب وزعزعة العلاقات بين أبناء شمال وشرق سوريا عبر استغلالها الشحن القومي والطائفي، واللعب على وتر تحويل الفوضى القائمة إلى حرب أهلية لاستهدف المشروع الديمقراطي.

فالاحتلال التركي لم يتوان للحظة عن العمل ضد مكونات شمال وشرق سوريا، وأي خلافات بين الكرد والعرب ستصب لصالحه، لذا نرى أن تركيا تحاول استغلال الفرصة القائمة في تجنيد أبناء العشائر العربية، وتعمل جاهدة لتعيد مدينة دير الزور مسرحًا لعمليات القتل والذبح كما فعلت بحق الأرمن في حقبة الحرب العالمية الأولى من القرن الماضي.

وتبيّنت مساعي الاحتلال التركي في ضم أبناء العشائر العربية كمرتزقة لتحقق بها أجنداتها في سوريا، ففي مطلع عام 2017 عقدت تركيا مؤتمرًا للعشائر الموجودة في كنفها في مدينة أورفا التركية، تحت سقف لمّ شمل القبائل الداعمة لما سميت الثورة السورية.

علمًا بأن موقف العشائر والقبائل العربية لمدينة الزور كان واضحًا وجليًّا منذ بداية هجمات الاحتلال التركي على مناطق شمال وشرق سوريا في إدانتها للوجود التركي بكافة أشكاله.

وفي خضم هذه التطورات تبقى العمليات الأمنية التي تنفذها قوات سوريا الديمقراطية لتفكيك خلال مرتزقة داعش والقضاء عليها بشكل كامل، هي السبيل الوحيد الممكن لإيقاف دوامة الفوضى، ولأخذ الحجج والذرائع من أيدي تلك القوى التي تحاول الاصطياد في الماء العكر.

كذلك، فإنّ تكاتف ووحدة أبناء العشائر العربية في عموم المنطقة إلى جانب هذه القوات، للمحافظة على المكتسبات التي تحققت بفضل التضحيات الجسام التي قدمتها على مذبح الحرية في مواجهة أعتى وأكثر التنظيمات الإرهابية تغولًا وتوحشًا في التاريخ، يبقى الضمانة الوحيدة لإفشال المخططات الرامية إلى ضرب مكوّنات المنطقة بعضها ببعض.

ANHA


إقرأ أيضاً