​​​​​​​سياسة أردوغان بشأن اللاجئين أيضاً قذرة - فهيم إيشيك

قبل بدء الربيع العربي، كانت العلاقات بين أردوغان والأسد جيدةً على كل الصعد. فقد كانوا يشكّلون المجلس الوزاري معاً. ويجرون لقاءاتٍ عائلية. من الواضح، أن الذي كان يجمع بين أردوغان والأسد، كان معاداة الكرد.

تدهورت هذه العلاقة بعد بدء الربيع العربي عام 2011. لقد تغيّر أردوغان فجأةً وبدأ عداءه لنظام البعث. كما هاجم بشّار الأسد بلهجةٍ شديدة. ومع هذه السياسة خطا خطوةً أخرى. فقد استقدم مرتزقة جبهة النصرة ومجموعات المرتزقة السلفية الأخرى وأرسلها إلى سوريا، وسلّح الإخوان المسلمين في الداخل السوري. وجهّز عدداً من المخيمات العسكرية لهؤلاء المرتزقة على الحدود السورية. فقد كان يظنّ بهذا أنّه سيُسقط بشار الأسد  خلال فترةٍ قصيرة. ومن ثم يقوم بإخضاع الحكومة السورية لتأثيرها عبر هؤلاء المرتزقة.

سياسة الخط الثالث قطعت الطريق أمام أردوغان

لم تجري الحسابات كما خُطط لها. اندلعت في سوريا حربٌ داخلية كبيرة. وقد تحرك الكرد وأعلنوا ثورة روج آفا في التاسع عشر من تموز عام 2012. أدت سياسة الخط الثالث إلى انسداد سياسة أردوغان. وقد أصبحت العديد من مجموعات المرتزقة عملاءً لأردوغان. لكن الكرد بسياستهم المستقلة دافعوا عن مناطقهم أمام الهجمات من جهة، وخاضوا مقاومة كبيرةً ضد الاحتلال من جهةٍ أخرى.

أراد أردوغان سحب كرد روج آفا أيضاً إلى جانبه كمرتزقة. وحرّك عملية الحل بهذه الطريقة. وأجرى العديد من اللقاءات مع السيد عبدالله أوجلان في إمرالي بهذا القصد. إلّا أنهم لم يتجاوزوا الخط الأحمر للسيد أوجلان. لا السيد أوجلان ولا المسؤولون السياسيون والعسكريون في روج آفا أتاحا الفرصة للسياسة القذرة للدولة التركية.

بعد الهزيمة وضعوا سياسة التهجير قيد التنفيذ

إن ظهور داعش هو نتيجة لهذه المرحلة. عدا عن مجموعات المرتزقة الأخرى، لجأت الدولة التركية لمرتزقة داعش وقادتهم إلى روج آفاي كردستان. قبل أن يتوجّه المرتزقة إلى روج آفا سيطروا على العديد من المناطق السورية الخاضعة للنظام  السوري. ولم تشهد هذه المناطق أية مقاومة ضد مرتزقة داعش. إلّا أنّ الكرد قاوموا. واصلوا خوض حرب الدفاع الذاتي ضد مرتزقة داعش بلا هوادة. وفي النتيجة هزموا داعش بتقديم تضحيات كبيرة.

الأحداث التي بدأت عام 2011، استمرت من 2013 وما بعد على يد الدولة التركية عن طريق مرتزقة داعش. وهذا ما أدّى إلى لجوء العديد من السوريين إلى تركيا.  

في عام 2011 لم يكن هناك في تركيا أي قانون يتعلّق باللاجئين القادمين من الشرق الأوسط. والحال أيضاً ينطبق على اللاجئين من شرق تركيا، في المعاهدات الدولية كان للدولة التركية سلوكها الخاص. لم تكن الدولة التركية تتحرك وفقاً للقوانين والقرارات الدولية المتعلقة باللجوء، أي أنها لم تكن تلتزم بقرارات الأمم المتحدة. قضت الدولة التركية على هذا الفراغ عام 2013. وقبلت ’قانون الأجانب والحماية الدولية‘ واستقبلت اللاجئين رسمياً عبر سياسة خاصة باسم’ الحماية المؤقتة‘. وقد اعتمدت مصطلح’ الضيوف‘ في تسمية اللاجئين، ولم يكن لمثل هذا الأمر وجود في العالم أجمع. وأهداف الدولة كانت مختلفة في حقيقتها. فلم يكن همّها حماية اللاجئين. إذ كان لها هدفٌ واحد وهو تنفيذ مخططاتها القذرة.

أخفت الدولة التركية قذارتها خلف قناع’ الإنسانية‘

بعد عام 2013 ظهر أنّ الحرب السورية ستطول، وبدأ أردوغان هذه المرّة بسحب اللاجئين من سوريا وروج آفاي كردستان إلى تركيا. وأطلق على سياسته هذه’ الباب المفتوح‘. وبالفعل كانت كل الأبواب(المعابر) مفتوحةٌ أمام اللاجئين. وأظهر هذه المسألة كمسألةٍ إنسانية، لكن الحقيقة لم تكن كذلك. أخفت الدولة التركية قذارتها خلف قناعٍ إنساني. أراد بسياسته هذه إخلاء سوريا وقطع الطريق أمام الكيان السياسي لروج آفاي كردستان من جهة. وتعزيز اقتصاده المتدهور عن طريق اللاجئين من جهةٍ أخرى. ولاشكّ أنّها استخدمت العديد من اللاجئين كمرتزقة، واستخدمتهم أيضاً لتهديد أوروبا. بعبارةٍ أخرى، فقد ضربت عشرة عصافير بحجر واحد.

يطلق نظام أردوغان على اللاجئين مصطلح’ الضيوف‘ الذي لا يحمل أي معنى على صعيد القانون الدولي. إلّا أنّها تسميهم بأسماء خاصة أيضاً. فيشيرون إليهم أحياناً باسم‘ الأنصار‘ إذ يسلطون الضوء بهذه الكلمة على السياسة الدينية. أي أنّهم يستخدمون الدين الإسلامي أيضاً لخدمة سياستهم القذرة. ولا تحمل هذه الأسماء أي أسس قانونية. يريدون بهذه الأسماء إخفاء سياستهم القذرة خلف بعض الكلمات اللاقانونية.

لو نظرنا إلى هذه السياسة القذرة التي تُنتهج عبر اللاجئين من هذه الحقيقة. فسنفهم المسألة بشكلٍ أفضل. وبهذا القصد نستطيع تسليط الضوء على بعض النقاط في هذه السياسة.

القصد من سياسة التهجير هو التغيير الديمغرافي

قصد الدولة التركية من سياسة التهجير هو تغيير ديمغرافية سوريا وروج آفاي كردستان. وقد اتّجهت نحو تحقيق هدفها هذا خطوةً  بخطوة بعد عام 2017. انتهجت سياسة الإبادة بحقّ الكرد في المناطق المحتلّة. هجّرت الكرد من ديار أبائهم وأجدادهم. ووطّنت مكانهم المرتزقة القادمين من الدول المختلفة مع أسرهم. كما فرضت المؤسسات والأجهزة التابعة للدولة العنصرية سياسة التتريك على السكان. وجعلت التعليم في المناطق المحتلّة تسير وفقاً للأسس الدينية بالكامل. وبنت في هذه المناطق حياةً تتماشى مع الشريعة السلفية وجعلت اللغة التركية اللغة الرسمية للمناطق المحتلة.

كما أنّ تركيا هي من تتحكّم بهذه المناطق إدارياً وعسكرياً. وعيّنت لكل منطقة والٍ وقائم مقام. وتعمل جميع الأجهزة الإدارية والعسكرية وفقاً للأسس والقوانين التركية، ووفقاً لقرارات نظام أردوغان الأحادي. وتكشف هذه السياسة لنا أنّ الهدف الدائم للدولة التركية هو ضم هذه المناطق لها. ففي أول فرصةٍ تتاح لها ستقوم بإلحاق عفرين، جرابلس، الباب، إعزاز، مارع، كري سبي وسري كانيه بالأراضي التركية. وتدور مساعيها دائماً حول هذا الأمر.

غزا أردوغان سوريا وروج آفا بسياسة اللاجئين

إنهم يتلقّون دعم الدول الغربية في انتهاج سياسة الضم هذا. إذ تدعم العديد من الدول الأوربية وعلى رأسها ألمانيا الدولة التركية اقتصادياً لئلّا يتوجّه اللاجئون السوريون البالغ عددهم الآن 4 ملايين على الأقل إلى أوروبا. الأبنية(المستوطنات) التي تُجهّز في المناطق المحتلة باسم المدنيين، تُموّل من قبل ألمانيا وباقي الدول الأوروبية. وتقوم هذه الدول أيضاً بدعم نظام أردوغان بمليارات اليورو. ويستخدم أردوغان هذه الإمكانيات لخدمة سياسته القذرة. ويقوم بالتصدي لانهياره الاقتصادي بهذا الدعم.

إنّ إمكانيات أردوغان الاقتصادية لا تعتمد على الدعم الأوروبي فحسب. لأن أردوغان لم يقم بجر اللاجئين إلى تركيا فحسب بل قام أيضاً بسلب وسرقة الصناعات من سوريا وروج آفاي كردستان ونشرتهم في تركيا. والآن لا تدور عجلة صناعية واحدة في حلب ، تدور جميع هذه العجلات الآن في هاتاي، ديلوك والمدن الأخرى في تركيا. سُرقت هذه العجلات الصناعية السورية بشكلٍ رسميٍ عن طريق الدولة التركية. كما تتعرض المحاصيل الغذائية وحقول روج آفاي كردستان أيضاً للنهب والسرقة. تُباع جميع أنواع الزيتون العفريني الآن في العالم باسم علامات تجارية تركية. وهذه فرصةٌ كبيرة لتحسين الاقتصاد التركي ويفيد نظام أردوغان.

يقومون بتمتين أساس نظامهم عن طريق العنصرية

استخدام اللاجئين السوريين أيضاً إمكانية مهمة. إذ يوجد في تركيا اليوم ملايين اللاجئين من سوريا وروج آفاي كردستان. وهم يعملون بأجور منخفضة وبشكلٍ غير رسمي وهذه فرصة لا تعوض للمستثمرين. لا تمنع الدولة التركية هذا الظلم، وحتّى أنّها تدعمه. أي أنّ ما يجري ليس أمراً عادياً ومألوفاً بل هي تعدّ مخالفةً. وهذه المخالفات تُفرض بسعيٍ من نظام أردوغان، مما يعزّز العنصرية في تركيا. وإلى جانب العنصرية التي تُمارس بحقّ الكرد والقوميات والشعوب الأخرى في تركيا فإن كانت هناك عنصرية أخرى تمارس بحق اللاجئين في تركيا فإن إحدى أسباب هذا هي هذه السياسة القذرة. يشغّل نظام أردوغان اللاجئين بأجور رخيصة أي مثل عبيد للقمة العيش. وهذا يعمّق العداء بين العاملين. فمن لا يدركون حقيقة هذه السياسة يعتبرون أنّ اللاجئين هم سبب فقرهم وانتشار البطالة عندهم ولهذا يعادونهم. هذه إحدى أهم نقاط السياسة التركية الآن. تقوم العديد من الأحزاب العنصرية والطورانية بتأجيج العنصرية عن طريق اللاجئين ويريدون تمتين أساس سياستهم القذرة عبر  

يستخدم أردوغان اللاجئين لتنفيذ’ العثمانية الجديدة‘

الهدف الأكبر للدولة التركية في استخدام اللاجئين، هو تنفيذ سياسة العثمانية الجديدة الاحتلالية والاستعمارية. يتحرّك نظام أردوغان في الشرق الأوسط وفقاً لهذه السياسة منذ عام 2011. إذ لديه هدفان يسعى لتحقيقهما عبر العثمانية الجديدة. أحدهما منع الكيان السياسي للكرد، والآخر توسيع الأراضي التركية. يريد إسقاط معاهدة أنقرة الموقّع عام 1926، وتنفيذ الميثاق الملّي مرةً أخرى. وإن حققت الدولة التركية هدفها هذا فإنّها ستضمّ جميع المناطق إليها بدءاً من عفرين وحتى كركوك وتوسّع الأراضي التركية أكثر.

للأسف، فإنّ السياسة القذرة تتلقّى دعم الدول الغربية. فهمّ الدول الغربية هي مصلحتها. وهم طامعون بغاز المنطقة ونفطها. لاسيما بعد الحرب الأوكرانية، فهم يريدون فتح خط جديد ونقل الغاز والنفط من الشرق الأوسط إلى أوروبا بلا مشاكل. وأردوغان هو أفضل شريكٍ بالنسبة لهم لتحقيق هذا الهدف. إنّ أردوغان ضعيف، وهم يريدون استغلال ضعفه. ولهذا يغضّون الطرف عن الهجمات الاحتلالية وجرائم الحرب وانتهاك الحقوق. يهاجم أردوغان الشعب الكردي بجميع أنواع الأسلحة. يحتلّ باشور كردستان. ويقصف جبال كردستان بالأسلحة الكيماوية، دون أن تصدر هذه الدول أي صوت. من الواضح، أنّهم يستفيدون من هذه السياسة القذرة لأردوغان، ولهذا يلتزمون الصمت حيال أردوغان. ويدعمون سياسته الاستبدادية والعنصرية.

لتحقيق انتصار دائم هناك حاجة لتعزيز الخط الثالث

أردوغان أيضاً من جانبه يستغلّ الدعم الغربي ويستفيد منها. ويظهر نفسه كشخصٍ قوي. يقوم كل من الدول الغربية وأردوغان الضعيف بتعزيز موقفهما بهذه الطريقة. إذ يكمل الطرفان بعضيهما البعض.

لاشكّ، أنّ السياسة التي ينتهجها أردوغان لا تشكّل خطراً على الكرد فقط. فأردوغان هو عبارةٌ عن درك للسياسة الاستعمارية للدول الغربية. وإن نجحت هذه الأطراف بتحقيق أهدافها فإنّ مستقبل جميع الشعوب والمعتقدات التي تعيش في هذه المنطقة تتعرض للخطر. ويمكن إفشال هذا فقط من خلال سياسة الخط الثالث. فلو لم تتحقق سياسة الخط الثالث ومنجزاتها في روج أفاي كردستان وشمال وشرق سوريا لحقّق أردوغان وشركاؤه حتى الآن عشرات الانتصارات.

حتّى لو تطلبت سياسة الخط الثالث تضحيات كبيرة، فإنّها قطعت الطريق أمام القذرين. هناك حاجة الآن إلى الدفاع وتطوير هذه السياسة. هناك حاجةٌ لسياسة الخط الثالث؛ لتحقيق حرية الشعوب والمعتقدات، ولتسود المساواة والديمقراطية الراديكالية، ولتسود حرية المرأة، وللحفاظ على طبيعة المنطقة ومكوناتها وفقاً للعلم. جميع الشعوب والمعتقدات المختلفة في المنطقة مُجبرةٌ على معارضة سياسة العثمانية الجديدة الاستعمارية ومنع أردوغان من تحقيق أهدافه. 

ANHA