​​​​​​​شرارات النار المنبعثة من حانوت أبي آشور تلفت أنظار المارة

يلفت أنظار المارة في سوق عزرا الشعبي وسط سوق مدينة قامشلو الذي يسوده المحبة والأخوة شرارات النار التي تنبعث من حانوت أبو آشور، إذ يأخذك حانوته الطيني وبوابته الخشبية إلى معالم الماضي العريق؛ ويسعى عبر حرفته إلى الحفاظ على تراث أجداده.

تعد المهن والحرف التقليدية جسراً يربط بين الماضي العريق والحاضر، فهي تجسد أصالة الإنسان وتاريخه عبر العصور المتعاقبة، وتصور ما تتمتع به الشعوب من ثقافة وقيم ومهارات، ولعل صناعة الخناجر واحدة من هذه الحرف والمهن القديمة.

وتشير صناعة الخناجر إلى براعة ومهارة الصانع، كما تشير إلى الخصوصية الثقافية، لما تحمله من تصميم فني وإبداع حرفي يكسبها الجمال لتظهر كتحفة فنية تتمتع بكل المواصفات المنسجمة مع البيئة وعادات وتقاليد المجتمعات، ويعد من الأسلحة البيضاء إذ كانت سابقاً تستخدم في الحروب والدفاع عن النفس، أما الآن فقد باتت كقطعة للزينة وتحفه تراثية يتغنى بها معظم شعوب الشرق الأوسط، وهو ذو مقبض ونصل حاد ومدبب ويمكن أن يتوفر له غمد.

وجرت العادة في بعض المجتمعات على أن يحملوا الخنجر بصفة رئيسة للتباهي وللإهداء، إذ يعتقدون بأنه رمزٌ للشجاعة والجرأة والعظمة.

شغفه وتعلقه بحرفته دفعه إلى المقاومة للحفاظ على تراث الأجداد

ورغم قلة المحال الخاصة بصناعة الخناجر، وقلة الإقبال على اقتنائها في مناطق إقليم الجزيرة في شمال وشرق سوريا، إلا أن هناك نفوسًا تعشق التمسك بالحرف التقليدية وإحياء التراث القديم، مثل أفرام يونان المعروف بـ أبو آشور الذي أبى أن يتجه نتاج الماضي نحو الاندثار.

أفرام يونان آشوري الأصل في العقد الخامس، تحدث وهو على رأس عمله عن رحلة تعلمه لهذه الحرفة وكيفية اكتسابه الخبرة، وقال: "قبل أكثر من خمس وعشرين عاماً بدأت بمزاولة هذه المهنة، واكتسبت الخبرة فيها من شخص يدعى "معلم أديب" كان محترفًا ويملك أربع محال خاصة بهذه الحرفة ضمن السوق".

وإلى جانب الحرفة التي يملكها أبو آشور، يقوم أيضاً بسن الأدوات الحادة، ويزاول النجارة في بعض الأحيان، وكذلك يبيع ضمن حانوته الطيني الغرابيل والحبال والأدوات الزراعية.

الإقبال والحرفة يتجهان نحو الاندثار نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية

وأشار أبو آشور إلى أنه سابقاً كان يتوافد إلى حانوته العديد من أهالي، وبشكل خاص البدو بغية تصميم الخنجر المراد، أما الآن وبسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة في المنطقة لم يعد هناك إقبال على اقتناء الخناجر.

واحترف أبو آشور صناعة وتصليح العديد من أنواع الخناجر منها الخنجر الصوراني، والخنجر العبنجي، والخنجر المعروف بأبو الهناني المتميز بوجود خطوط مستقيمة على نصلها، وكذلك خنجر السيف الذي يصنع من قطع السيوف المكسورة القديمة، وهو يملك قطعة قديمة جداً تدعى جوهر المتميز بوجود رموز تعود لعصور قديمة غير قابلة للزوال عليها، بالإضافة إلى العديد من الأنواع الأخرى.

ورغبة أبو آشور لا تقتصر على تصنيع هذه الأنواع فحسب، لكن عدم توفر المواد والأدوات الكافية نتيجة قلة الحرفيين المزاولين على هذه الحرفة حاصرت رغباته.

هذا وتتعدد أنواع الخناجر في مختلف الدول، فهناك النزواني والصوري والسعيدي الذي ينسب إلى العائلة المالكة، إضافة إلى الخنجر الصحاري، بالإضافة إلى الخنجر البوسعيدي الذي يكون رأس نصله بيضوي الشكل تقريباً ويحمله سلاطين عمان، وغيرها، والاختلاف يأتي من حجم وشكل الخنجر ونوع المعدن الذي يصنع منه أو يطلى به كالذهب والفضة.

تطور صناعة الخنجر مرتبط بتطور المواد عبر التاريخ

وحول مراحل صناعة الخناجر عبر التاريخ أشار أبو آشور: "سابقاً كنا نصنع الخناجر من عظام الحيوانات كقرن الجاموس، وخشب أبانوس الوافد من الهند، والمعادن المختلفة كالفضة، أما الآن يتم إضافة مادة الميلانين أيضاً إلى مقبض الخنجر لتكون غير قابلة للكسر".

هذا ويتم استخدام العديد من المواد في صناعة الخناجر مثل الفضة، والجلد، والخيوط المعدنية، والخشب، واللباد المصنوع من الصوف أو غيره، والغراء (الصمغ)، والمقابض المصنوعة من البلاستيك أو قرن حيوان الخرتيت (كركدنيات)، أو قرن الزراف، أو معدن الرصاص والحديد.

مراحل تصنيع الخنجر

تبدأ مراحل تصنيع الخنجر بصقل الحديد وحفه ليصبح من الفولاذ قبل تشكيل نصل الخنجر، ويُرسم شكل الخنجر، على قطعة من الجلد وقطعتين من الخشب، ثم يثقب على الشكل الخشبي بمثقاب يدوي، لتأتي بعدها مرحلة تمليس سطح القطعتين الخشبيتين بالمبرد بإتقان، وترك تجويف بينهما ليأخذ شكل شفرة الخنجر، وبعدها إدخال الشفرة ضمن المقبض المعد وتثبيتها ليصبح مكتملاً، حسب أبي آشور.

هذا ويتميز تصميم أبو آشور للخناجر على أنه معكوف في نهايته، ذو مقبض خشبي وملمس ناعم.

ويذكر أن صناعة الخنجر مرت أيضاً في حياة الفراعنة، وخير دليل على ذلك المكتشفات الأثرية التي دلت على خنجر الملكة (أياح حبب)، المؤلف من النصل والمقبض وقطع التثبت.

للخناجر خصوصية ثقافية مرتبطة باختلاف الدول

وبيّن أبو آشور أن صناعة الخناجر تختلف باختلاف ثقافات وعادات وتقاليد الدول، وأن صناعة كل دولة تتصف بخصوصية تجعله يتميز عن غيره: "فها أنا أميز الخناجر التي أصنعها من بين آلاف الخناجر لما يحمله من خصوصية وفكر خاص بي".

وتاريخياّ تتميز الخناجر التي صنعت في العهد الإسلامي بطرزها وزخارفها، واستقامة نصالها وجمال مقابضها.

لا فرق بين كردي أو عربي أو سرياني

وفي ختام حديثه عبر الحرفي أبو آشور بفخر عن الأجواء والعلاقات ضمن سوق عزرا، وقال:" الأجواء هنا تسودها المحبة والأخوة دون تفرقة بين أي مكون"، وخير دليل على ذلك إتقانه اللغة الكردية رغم أنه من الأصل الآشوري.

(أ ب)

ANHA


إقرأ أيضاً