​​​​​​​روسيا .. إضعاف الأصدقاء والأعداء على حدٍّ سواء للتفرّد بالهيمنة

ساهم التدخل الروسي في سوريا في إنقاذ حكومة دمشق، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط والانهيار الفعلي. لكنّ روسيا تواجه عراقيل متعددة، تحول دون تحويل ذلك إلى نجاح استراتيجي، نتيجة التواجد الإيراني والأميركي وكذلك المحتل التركي.

وبدأت موسكو بانخراطها غير المباشر في سوريا، عبر سلسلة فيتواتٍ متتالية في مجلس الأمن ضد قراراتٍ اقترحها الغرب، وكانت تستهدف حكومة دمشق. بغرض الحفاظ على الحكومة الموجودة حتى ولو كانت ضعيفةً، ولربّما أراد الروس أن تكون هذه الحكومة منهكةً من أجل استغلالها أكبر قدر ممكن، وهو ما جرى لاحقاً.

ولا يُخفى على أي متابعٍ للشأن السوري أن سياسة موسكو في سورية، بدأت باستيعاب جميع القوى الفاعلة في هذا البلد، حيث تجنّبت قدْر الإمكان خوض أي صراع مباشر مع أي أحد منها في البداية، ولكنّها عملت على خلق صراعات ثنائية بين هذه القوى وذلك في سبيل إضعافها لتحييدها فيما بعد.

فإيران مستاءةٌ من الدور التركي والأميركي في سورية، وكذلك تركيا مستاءةٌ من دور أميركا وإيران، وكذلك أميركا مستاءةٌ من دور إيران وتركيا. 

وبالعودة إلى بدايات التدخل الروسي في سورية، تضافرت جملة من الدوافع في جعل الانخراط الروسي المتزايد في الأزمة السورية أوسع بكثير من هدف محاربة مرتزقة داعش، الذي جعلته موسكو عنوانًا رئيساً لعملياتها في سوريا عند انطلاق هذه العمليات، كما الولايات المتحدة الأميركية.

فالتدخل العسكري المباشر للروس في الشأن السوري، جاء بعد تشكيل ما يسمى التحالف الدولي المناهض لداعش بقيادة الولايات المتحدة، ودخول واشنطن على خط الأزمة السورية بشكل مباشر.

ولعلّ الخطوة الروسية أتت ردّاً على تشكيل هذا التحالف، لكي يكون لها نصيب في محاربة التنظيمات الإرهابية العالمية (لكسب الشرعية الدولية)، فيرى البعض أنّ محاربة التنظيمات الإرهابية ما كانت إلا ذريعةً لقرار موسكو مساندة دمشق المنهكة.

دوافع موسكو

قرار موسكو التوجّه إلى دمشق، دُرِس بعناية فائقة في الكرملين، وخاصةً بعد عدة ضربات متتالية تلقّاها حليفا موسكو السابقين (معمر القذافي في ليبيا، وصدام حسين في العراق).

ولذا، فلابد أن يُنظر إلى الدوافع الروسية خلف هذه الخطوة من عدة زوايا، والتي تتعلّق بتطورات الصراع في سوريا والتي كادت أن تتحوّل إلى بؤرة لتصدير الإرهاب الدولي مدفوعة بلا شك بالانهيارات المتسارعة عبر ضربات متتالية من الذين كانوا يسمّون أنفسهم "الجيش السوري الحر" في محيط دمشق واللاذقية وحلب، وكذلك استمرار تراجع قوات حكومة دمشق أمام مرتزقة داعش، وبدا واضحًا - على الرّغم من الدعم البشري الذي يوفّره حزب الله ومجموعات شيعية أخرى، والمساندة العسكرية التي قدمها الحرس الثوري الإيراني - أن حكومة دمشق لم تعد قادرةً على الحفاظ على خطوط دفاعها.

ومن هنا شعرت موسكو بالخطر، ولا سيما أن الأخيرة تعاني تاريخياً من وجود توجّهاتٍ إرهابية في محيطها، كما أنها أرادت التدخل بهذه الصورة القوية من زاويةٍ استراتيجية تتعلق بتصورّ روسيا لدورها وموقعها في الساحة الدولية، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، عبر التدخل في الدول الأخرى كجورجيا وأوكرانيا وليبيا وأرمينيا مؤخراً، وكذلك دورها المحوري في الاتّفاق النووي الإيراني، والذي اعتبرته مؤسسة راند في تحليلٍ لها أنّه البداية الجدية للانخراط الروسي في الساحة الدولية.

استيعاب القوى الأخرى

وخلال الأسبوع الأول من التدخل الروسي، ارتفع عدد الغارات الروسية إلى أكثر من ستين غارةً جويةً بشكل يومي، تركّزت بالغالب على مواقع المسلحين السوريين، ولم تَزِدْ الغارات على مواقع مرتزقة داعش عن 5 بالمئة فقط من مجموع الغارات الجوية، لأنّ الروس وحكومة دمشق لا يرون في داعش خطراً، فالخطر الحقيقي حينها - بحسب الروس وحلفائهم - تمثل بالمجموعات المسلحة المدعومة من الدول العربية وتركيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

ولتجنّب تكرار التجربة السوفييتية في أفغانستان، قرّر الروس التركيز على القوات الجوية أكثر من البرية، وذلك لتجنب ما قاله المبعوث الأميركي السابق بخصوص الشأن السوري جيمس جيفري "مستنقع سوري"، وخلق بيئةٍ مستقرّة من أجل الاستثمارات الروسية لتعويض ما خسرته حتى الآن في الساحة السورية.

وفي بداية تدخلها حاولت روسيا تحييد تركيا ولو بشكل جزئي، فكانت بداية هذا الحراك هو حصول تصادم روسي تركي ناري عبر استهداف أنقرة طيارة روسية ومقتل طاقمها، والتي كادت أن تتحوّل إلى حرب بين الطرفين، حيث بدأها الطرف الروسي بفرض عقوبات اقتصادية مؤلمة على الطرف التركي، لكي يعتذر أردوغان شخصياً عن هذا الفعل، وهو ما حصل فعلاً فيما بعد.

ومنذ ذلك الاعتذار، اتّخذت العلاقات التركية الروسية منحىً مختلفاً، وتحوّلت فيها أنقرة شيئاً فشيئاً إلى أشبه بتابعة لروسيا في وجه الناتو وواشنطن، حيث أيّدت موسكو الاحتلالات التركية لشمال غرب سوريا، بما في ذلك احتلال جرابلس وإعزاز والباب عام 2016، واحتلال عفرين عام 2018 وكذلك ضمنياً احتلال سريه كانيه وكري سبي/تل أبيض عام 2019.

واستخدم الرئيس الروسي "الفزّاعة الكردية" من أجل السماح لتركيا بشن هجمات على مناطق شمال وشرق سورية واحتلالها، وذلك من أجل إجبار الكرد لطلب المساعدة من دمشق، ناهيك عن تقويض القوى البشرية لمن كانوا يسمّون أنفسهم "الجيش السوري الحر" في معاركهم ضدّ حكومة دمشق في حلب ودمشق وإدلب، الأمر الذي تسبّب في تزايد الخلاف داخل الناتو وخاصةً بين أنقرة وواشنطن، وهي ما أرادته موسكو بالأساس.

وتسعى روسيا إلى أن تصبح القوة الرئيسة التي تحّدد مستقبل سوريا. ما لم يؤدِّ وقف إطلاق النار إلى تغييرات هامة. وقد صرّح الرئيس الروسي بأنه سيعمل على إجلاء كل القوات الأجنبية من الأراضي السورية.

وموقف تل أبيب ليس بعيدًا عن تأييد ما قام به الروس، ويُقدِّر الإسرائيليون التزام حكومة دمشق التاريخي بالحفاظ على هدوء جبهة الجولان منذ نهاية حرب 1973. وليس ثمة شك في أن مؤتمر القدس الذي جمع مستشاري الأمن القومي الإسرائيلي والروسي والأميركي في 24 حزيران 2019 كان دليلاً على التنسيق العالي بين القوى الثلاثة بخصوص تأييد بقاء القوات الروسية في سورية وإخراج باقي القوات وخاصةً إيران. ناهيك عن تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي دعا إلى فتح مرحلة جديدة في المنطقة، خصوصًا في سوريا، حيث اقترح لافروف على تل أبيب أن تتواصل مع موسكو في حال بلغتْها معلومات عن تهديدات لأمنها انطلاقًا من الأراضي السورية، فتتولّى روسيا التعامل مع هذه التهديدات، قبل أن تتولّى الطائرات الإسرائيلية شنّ الغارات وضرب الأهداف في الميدان السوري.

وما دخول الروس مدينة البوكمال إلاّ سعيٌ لتخفيف التوتر مع تل أبيب، وخاصةً أن داخل هذه المدينة المحاذية للحدود العراقية، وكذلك محيطها – يشهدان نشاطاً وتحركاتٍ كثيرة لإيران ومجموعاتها.

أما فيما يخصّ قيام الروس بتسيير دوريات مشتركة مع قوات حكومة دمشق، في مدينة القنيطرة، فهي رسائل حبّ روسية لتل أبيب، حيث شهدت هذه المدينة عدّة عمليات عسكرية إيرانية أو عبر وكلائها ضدّ إسرائيل، مما يشير إلى توافق روسي - إسرائيلي حول الدّور الذي باتت موسكو تلعبه في الأزمة السورية.

ولعلّ سياسة "فَرِّقْ تسد" بصيغتها الروسية وذلك عبر ضرب القوى الإقليمية والعالمية بعضها ببعض قد نجحت إلى حدٍّ كبير. وهي الآن بانتظار اللحظة المناسبة للتفرّد في الهيمنة هنا في سوريا.

ANHA


إقرأ أيضاً