​​​​​​​راية مقاومة 14 تموز لا زالت ترفرف في السجون والجبال

 كندال جودي

في الذكرى السنوية الـ 39 لمقاومة 14 تموز، تسعى فاشية حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، إلى تحقيق الأهداف التي عجز انقلاب 12 أيلول الفاشي عن تحقيقها، وذلك من خلال فرض العزلة على القائد عبدالله أوجلان وتصعيد الهجمات ضد الشعب الكردي. فيما رفع الآلاف من أبناء الشعب الكردي راية مقاومة 14 تموز ضد مخططات الفاشية.

بعد الانقلاب العسكري الذي قاده كنعان أيفرين في تركيا في الـ 12 من شهر أيلول عام 1980، تحولت الحياة في شمال كردستان وعموم تركيا إلى جحيم كبير.

وفي مواجهة الظلم والقمع الذي تفاقم مع انقلاب أيلول الفاشي، اختار الشعب الكردي متمثلاً بحزب العمال الكردستاني والمناضلين الطليعيين، نهج المقاومة وعدم الاستسلام، التزاماً بنهج القادة الأوائل من أمثال سيد رضا وشيخ سعيد وقاضي ومحمد وغيرهم.

في تلك الفترة كان حزب العمال الكردستاني يخوض نضالاً دؤوباً في جميع مدن شمال كردستان. وبمعنى آخر يمكن القول إن حركة الحرية تمكنت من بناء وتعزيز نهج المقاومة في كل الميادين، في مواجهة قمع واضطهاد الدولة التركية الفاشية.

ومن أحد أهم الميادين التي وصلت فيها المقاومة إلى ذروتها، وتحولت إلى نهج للنضال وخلف ميراثاً تاريخياً للمقاومة، كان سجن مدينة آمد.

بعد انقلاب أيلول الفاشي أقدمت الفاشية التركية على اعتقال العشرات من قادة حزب العمال الكردستاني وزجّهم في السجون. وكانت الدولة التركية تسعى إلى إسكات صوت حركة الحرية وطمس نهج المقاومة من خلال زج القادة الطليعيين في غياهب السجون.

إلا أن المناضلين الطليعيين من أمثال مظلوم دوغان ورفاقه، تحلوا بالإرادة والشجاعة الفولاذية وأفشلوا مخططات الفاشية التركية. وبتاريخ الـ 21 من شهر آذار عام 1982 أشعل عضو اللجنة المركزية لحزب العمال الكردستاني مظلوم دوغان شرارة "المقاومة حياة".

المقاومة الكبرى: الإضراب عن الطعام حتى الموت

وبعد مقاومة مظلوم دوغان بعدة أشهر، رفع كل من المناضلين محمد خيري دورموش، كمال بير، عاكف يلماز وعلي جيجك راية الحرية، ولم يسمحوا لشعلة المقاومة أن تنطفئ.

بتاريخ الـ 14 من شهر تموز عام 1982 تحدث عضو اللجنة المركزية لحزب العمال الكردستاني محمد خيري دورموش أمام محكمة أمن الدولة التركية في آمد عن التعذيب الذي تعرضوا له. وفي نفس اليوم رفع محمد خيري دورموش شعار "لقد انتصرنا.. سوف ننتصر" وأعلن لرفاقه البدء بالإضراب عن الطعام حتى الموت. وبعد الإعلان عن الإضراب انضم كل من كمال بير وعاكف يلماز وعلي جيجك أيضاً إلى الإضراب عن الطعام حتى الموت.

مع الإعلان عن الإضراب عن الطعام، حول كوادر حزب العمال الكردستاني الطليعيون، السجن إلى ساحة رئيسية للمقاومة ضد فاشية الدولة التركية ونظام كنعان ايفرين. وقد تعرض الكوادر الطليعيون إلى أساليب تعذيب وحشية في محاولة لإجبارهم على التخلي عن حزب العمال الكردستاني.

بعد انتصار صدى مقاومة السجون، تحولت المقاومة إلى مصدر إلهام لسائر أبناء الشعب الكردي في مسيرة المطالبة بالحقوق المشروعة والتصدي لفاشية الدولة التركية. وعليه صعّدت الدولة التركية مساعيها من أجل إخماد شعلة المقاومة. في البداية حاولت ثني المقاومين عن المضي في المقاومة من خلال فرض أساليب تعذيب وحشية، وفيما بعد لجأت إلى أساليب حرب نفسية خبيثة وقذرة في محاولة للنيل من إرادة المقاومين.

في اليوم الـ 55 لمقاومة 14 تموز، التحق قائد المقاومة المناضل محمد خيري دورموش بقافلة الشهداء. وقبل استشهاده أطلق مقولته الشهيرة حين طلب أن يكتب على شاهدة قبره عبارة "أنا مدين لشعبي".

في الـ 7 من شهر أيلول عام 1982 التحق المناضل كمال بير بقافلة الشهداء، وأطلق أيضاً مقولته الشهيرة حين قال"آبو الذي أعرفه، أثق به وبأنه قادر على الخلق والإبداع حتى في أحلك وأصعب الظروف".

وفي الـ 15 من شهر أيلول عام 1982 التحق المناضل عاكف يلماز برفاقه الشهداء كمال بير ومحمد خيري دورموش. أما آخر شهداء المقاومة فكان المناضل الشاب علي جيجك الذي التحق بقافلة شهداء 14 تموز في الـ 17 من شهر أيلول.

ليس من السهولة بمكان أن يضحي الإنسان بروحه وجسده من أجل أن يسطّر تاريخاً مشرفاً لشعبه. وبسبب التضحيات التي قدمها قادة حزب العمال الأوائل، فإن حركة حزب العمال الكردستاني لم تنتهي ولم يتم القضاء عليها، بل على العكس تعاظمت الحركة وأصبحت أكثر قوة. الذين أوصلوا مقاومة 14 تموز إلى ذروتها، لم يكونوا أناس اكتفوا من الحياة، بل إنهم ضحوا بحياتهم وأرواحهم من أجل تحقيق مستقبل أفضل للأطفال الكرد. وقد تجسدت هذه الحقيقة في مقولة الشهيد كمال بير الذي قال "إننا نحب الحياة لدرجة أننا نستطيع أن نضحي بأرواحنا في سبيلها".

محمد خيري دورموش وهو أحد رواد مقاومة 14 تموز في سجن، قال بصدد قرار الإضراب عن الطعام حتى الموت: "يجب أن يحطم صدى صرخة هذه المقاومة جدران السجن وأن يصل إلى الخارج". وفي الحقيقة فإن بذور المقاومة نبتت في سجن آمد لم تبقى محصورة داخل جدران السجن، بل انتشرت في كل مكان يوجد فيه أبناء الشعب الكردي. وكانت انطلاقة الـ 15 من شهر آب، حين أحيا القائد معصوم قورقماز (عكيد) راية الكفاح المسلح ضد الفاشية التركية في جبال كردستان وأحيا مقاومة الـ 14 من شهر تموز.

أوجلان: 14 تموز كانت خطوة عظيمة

وحول أهمية مقاومة الـ 14 من شهر تموز يقول القائد عبدالله أوجلان: "14 تموز كانت حقاً خطوة وقفزة عظيمة، وصائبة. فماذا كانت؟ ففي المكان الذين يتطلب فيه الموت، يجب على الإنسان أن يضحي بنفسه، يجب أن يتخذ هذا القرار، ومهما كان الأمر صعباً فإن على الإنسان أن يضحّي، وهذا ما فعلوه.

لقد كان هذا قرارهم، قرار الحزب وقرار الشعب. وعندما أعلنّا عن قفزة 15 آب، قلنا إننا يجب أن نواصل تحقيق هذا القرار، وهو قرار مهم، قرار يفتح الطريق أمام الإنسانية، والحياة، يفتح الطريق أمام تاريخ وحياة جديدة. طبعاً الإنسان سيفعل أي شيء من أجل هذا القرار. عندما سمعنا بقرار الرفاق، نحن بدورنا قمنا هنا بتصعيد النضال، وعقدنا مؤتمرنا الثاني، واتخذنا قرار العودة إلى الوطن، وفي تلك الظروف الصعبة والتزاماً بذكرى أولئك الرفاق تمكنّا من الوصول إلى الوطن. ومع قفزة 15 آب، والشهداء الذين ضحوا بحياتهم دفعنا إلى اتخاذ المزيد من القرارات. فعندما استشهد الرفيق عكيد في 28 آذار عام 1986 اتخذنا قراراً جديداً، وقلنا أننا سوف نعزز صفوف الكريلا في العديد من أنحاء الوطن".

بالتزامن مع الذكرى الـ 39 لمقاومة 14 تموز، تشدد فاشية حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية من العزلة المفروضة على القائد عبدالله أوجلان في سجن إيمرالي، في مسعى إلى عزل القائد عن الشعب. ولكن وكما أن مقاومة الـ 14 من تموز في سجن آمد أفشلت مخططات كنعان ايفرين الفاشية، فإن الآلاف من كوادر حزب العمال الكردستاني لا زالوا يرفعون شعلة مقاومة 14 تموز في سجون الفاشية. مقاومة 14 تموز عام 1982 بدأت بـ 4 من الكوادر الطليعيين، وهي مستمر اليوم عبر مقاومة الآلاف من كوادر حزب العمال الكردستاني.

الآلاف على خطى الأبطال الأربعة

بتاريخ 21 تشرين الثاني عام 2020، أعلن الآلاف من كوادر حزب العمال الكردستاني إطلاق حملة إضراب مفتوح عن الطعام في سجون الدولة التركية، وذلك للمطالبة بإنهاء العزلة المفروضة على القائد عبدالله أوجلان، وإنهاء الانتهاكات الحقوقية ضد السجناء السياسيين وكذلك احتجاجاً على سياسات الدولة التركية ضد الشعب الكردي.

ويواصل كوادر حزب العمال الكردستاني مقاومتهم ضد سياسات الدولة التركية بكل إرادة وإصرار.

وفي جبال آفاشين ومتينا وزاب، وقبلها في كاري وحفتانين، يسطر رفاق درب الشهداء كمال بير ومحمد خيري دورموس وعاكف يلماز وعلي جيجك ملاحم المقاومة والبطولة ضد هجمات الإبادة التي تنتهجها الدولة التركية.

روح مقاومة 14 تموز، تحولت إلى مصدر إلهام بالنسبة لجميع أبناء الشعب الكردي ومقاتلي الحرية، من أجل تحقيق حياة حرة كريمة. مقاومة 14 تموز كانت بمثابة رسالة إلى الشعب الكردي مفادها أن زمن الاستسلام والخنوع واليأس قد ولى دون رجعة، والوقت لإطلاق عصر جديد للمقاومة في كردستان.

(ك)

ANHA