​​​​​​​مركز بحثي: روسيا تستغل لقاح كورونا لتعزيز العودة نحو إفريقيا

أكد مركز الإمارات للسياسات أن موسكو تحاول استغلال لقاحات فيروس كورونا عبر الاستفادة من السوق الإفريقية بالإضافة إلى تعزيز العودة الروسية نحو إفريقيا، وإبراز قوة موسكو على المسرح العالمي، لكن روسيا تواجه في غمار هذا المسعى تحديات عديدة.

وقال مركز الإمارات للسياسات إن موسكو تحاول استغلال ما سماه الرئيس بوتين بـ " لحظة سبوتنيك 5" ضمن سياستها الخارجية، خاصة أن ذلك جاء في أعقاب شهور عصيبة مرَّ بها العالم، شهدنا خلالها صراعًا دوليًّا حول الأقنعة ومواد التعقيم وصل حد الاستيلاء عليها بين الدول، وضعفًا واضحًا في مستوى التضامن العالمي.

وأضاف المركز أن روسيا سعت منذ إنتاج اللقاح سبوتنيك إلى استغلال الفراغات في خريطة توزيع اللقاحات في العالم، حيث تأخرت الإمدادات في الكثير من المناطق ذات الدخل المحدود، ما سبَّب تصاعُدًا في نزعات "قومية اللقاحات"، وتوجهت موسكو لملء هذه الفراغات في أوروبا الشرقية والبلقان والقارة الإفريقية.

'استغلال اقتصادي وبحث عن تعزيز العودة إلى إفريقيا'

وأوضح المركز أن لروسيا هدفين من ذلك، الأول اقتصادي؛ حيث تشكل إفريقيا سوقًا واسعًا يمكن أن تستوعب كميات كبيرة من اللقاح الروسي. وبالفعل، نجحت موسكو في بيع 300 مليون جرعة، في أكبر عملية توريد أجنبي خلال الأزمة الصحية في العالم، ويبدو أن تأخُّر اللقاحات الغربية سيجعل هذه السوق تزدهر أكثر بالنسبة للروس.

والهدف الثاني استراتيجي؛ حيث يمكن أن يساعد اللقاح في تعزيز العودة الروسية نحو إفريقيا، التي بدأت منذ العام 2014، وكذلك في إبراز قوة موسكو على المسرح العالمي، إذ ترتكز سياسة الرئيس فلاديمير بوتين منذ وصوله إلى السلطة عام 2000 على إعادة نفوذ روسيا في المناطق التي كان الاتحاد السوفيتي حاضرًا فيها بقوة، ومن بينها مناطق واسعة من إفريقيا ودولها، التي كانت تحكمها حكومات اشتراكية وشيوعية، خلال حقبة ما بعد الاستعمار.

'الطريق غير مفروش بالورود'

إلا أنه وبحسب المركز هناك تحديات تواجه الدبلوماسية الروسية الجديدة، حيث لا يبدو الطريق أمام موسكو لتعزيز نفوذها في إفريقيا من خلال لقاح "سبوتنيك 5" مفروشًا بالورود.

التحدي الأول يتعلق بلقاح سبوتنيك نفسه وما أُثير حوله من جدل طبي، خاصة على وسائل الإعلام الغربية، الأوروبية والأميركية، والقلق بشأن عدم وجود بيانات بحثية منشورة حول سلامة اللقاح الروسي وفعاليته، على الرغم من تأكيدات الدورية العلمية البريطانية "ذي لانست" لفعاليته التي تتجاوز 91%.

وهناك أيضًا التحدي المتصل بسعر اللقاح، إذ يقوِّض سعر الجرعة الواحدة منه البالغ 9.75 دولارًا، حجة موسكو القائلة بأنها تقدم أسعارًا أفضل قياسًا لسعر بعض اللقاحات الأخرى التي وافق عليها الاتحاد الإفريقي مثل أكسفورد/ أسترا زينيكا ونوفافاكس غابس، التي صنَّعها معهد سيروم في الهند، والتي يناهز سعرها 3 دولارات للجرعة، إذ ستكون الفاتورة باهظة بالنسبة لـ 300 مليون جرعة من لقاح سبوتنيك المطلوبة في القارة.

أما التحدي الثاني، فتواجه موسكو تحديًا أكبر من الناحية الموضوعية؛ فهي ليست اللاعب الوحيد في القارة الإفريقية، والتي أصبحت منذ وقت طويل ساحة صراع استراتيجي بين عدد من القوى الدولية والإقليمية التقليدية والصاعدة. فمن جهة، لم تنسحب الولايات المتحدة تماماً من القارة، وعلى الرغم من سياسات ترامب المحدودة إلا أن بايدن أعلن منذ وصوله البيت الأبيض عن عودة مرتقبة لواشنطن نحو إفريقيا.

وكذلك تلعب الصين دورًا هو الأبرز دوليًّا على جميع المستويات، وخاصة الاقتصادية منها، بل تتفوق على روسيا في ديبلوماسية اللقاحات، حيث نجحت في ملء الفراغ ووزعت لقاحها الخاص بكورونا من خلال صفقات تجارية، وعبر حملة مساعدات. كما نجد لاعبًا تقليديًّا في القارة، وخاصة في غربها وشمالها، وهي فرنسا، التي وإن تراجع نفوذها كثيرًا خلال العقود الأخيرة إلا أنها ما زالت تحتفظ بنفوذ سياسي وحضور عسكري في عدد من دول القارة.

وقد عبَّر الرئيس الفرنسي صراحة عن ضيقه من نشاط موسكو في إفريقيا، واستعمالها للقاح أداةً سياسية. كما يوجد نشاط قوي داخل القارة للقوى الصاعدة إقليميًّا مثل دولة الإمارات وتركيا.

وتوصل المركز إلى خلاصة هي أن روسيا ومنذ أن طرحت لقاح "سبوتنيك 5" في صيف 2020 بدا واضحًا أن أهدافها تتجاوز الدوافع الصحية التي فرضتها الأزمة الوبائية؛ فقد سعت موسكو منذ إنتاج اللقاح إلى استغلال الفراغات في الخريطة العالمية لتوزيع اللقاحات، وتأخُّر الإمدادات في الكثير من المناطق ذات الدخل المحدود، وعلى رأسها القارة الإفريقية.

ومنذ بداية العام الحالي دخلت موسكو في "دبلوماسية لقاحات" نشطة بعد أن قدمت 300 مليون جرعة من لقاحها للدول الأفريقية. وإلى حدود 30 مارس الماضي، أعلن صندوق الاستثمار المباشر الروسي عن الموافقة على لقاح سبوتنيك 5 في 15 دولة على المستوى الإفريقي.

وتحاول موسكو من خلال هذه الدبلوماسية النشطة تحقيق أهداف اقتصادية بعد ضمان أكبر عملية توريد أجنبي للقاحات خلال الأزمة الصحية في العالم، ويبدو أن تأخُّر اللقاحات الغربية سيجعل هذه السوق الإفريقية تزدهر أكثر بالنسبة للروس.

ومن الناحية الاستراتيجية، يُمكِن للقاح سبوتنيك أن يساعد في تعزيز العودة الروسية نحو إفريقيا، وإبراز قوة موسكو على المسرح العالمي، لكن روسيا تواجه في غمار هذا المسعى تحديات تتعلق بالسلامة والفعالية، وكذلك بالسعر المرتفع للقاح قياسًا لبعض اللقاحات الأخرى، فضلًا عن التحديات الاستراتيجية الأخرى المتصلة بوجود منافسين في الساحة الإفريقية، أبرزهم الصين وفرنسا.

(ي ح)


إقرأ أيضاً