​​​​​​​مركز أوروبّيّ: أردوغان يهدّدُ جنوب أوروبّا بالإرهابيّين

تمثّل ليبيا الحدود الجنوبية للقارّة الأوروبية ما يجعل أحداثها المتصاعدة عاملاً مؤثّراً في أمن دول الاتحاد إلى جانب كون تجربتها الانتقالية اختبار مهمّ لتماسك المنطقة العجوز ومدى قدرتها على خلق حلول سياسية لمجابهة التحدّيات الإقليمية لاسيّما الدور التركي والروسي الذي استفحل بالحديقة الخلفية لأوروبّا المُهدّدة بموجة لاجئين جدد.

ويبدو من متابعة الأوضاع في ليبيا أنّ أوروبا، وبحسب تقرير للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب، انتبهت متأخرة للمخاطر الناشئة على حدودها البحرية الجنوبية، وظهر ذلك بشدة في آذار/مارس 2011  حين اختلفت دول الاتحاد حول قرار إقامة منطقة حظر طيران في ليبيا وكان على رأس المختلفين فرنسا التي تطالب بشدة بفرض الحظر وألمانيا التي لم يتسم موقفها حينها بالحسم تجاه الملف.

وهذا ما سمح لبعض الأطراف الخارجية وبالأخص تركيا لاستثمار الأوضاع لتثبيت دعائمها العسكرية والإيديولوجية عبر قواعد عسكرية ونظام حكم يتبع للإسلام السياسي والهوية العثمانية إلى جانب أطماع اقتصادية تنذر بتحكّم (تركي- روسي) جديد في مصادر الطاقة المارة لدول الاتحاد من جغرافية أخرى، إلى جانب مصالح روسيا في الحفاظ على عقود إنمائية بالداخل وقعت قبل 2011 فضلاً عن كعكة إعادة الإعمار، وبالتالي صعّدت هذه المتغيرات من الاهتمام الأوروبي بمجريات الأحداث في ليبيا.

بيد أن هذا الاهتمام لم يكن نموذجياً، إذ انقسمت القارة بين شقّي الصراع الأساسيين في الداخل وهما قائد الجيش، خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوفاق، فايز السراج بموجب اتفاق الصخيرات في 2015، فمن جهتها أيّدت فرنسا جهود حفتر وتحركاته، بينما اتجهت إيطاليا لتأييد فايز السراج وسط خلافات سياسية موجودة بالأساس بين الحكومتين.

ونتيجة لذلك صعدت الأسهم السياسية الروسية لحل الأزمة مقابل تراجع أوروبي، ففي 13 كانون الثاني/يناير 2020 التقى حفتر والسراج في موسكو للتوقيع على اتفاقية لوقف إطلاق النار إلى جانب بنود أخرى، وذلك بغياب الأمم المتحدة أو أي من ممثّليها إلّا أنّ حفتر غادر في 14 كانون الثاني/يناير دون التوقيع على الاتفاقية.

ومع هذا فقد بدأ الدور الأوروبي في التبلور دولياً منذ مؤتمر برلين في 19 كانون الثاني/يناير 2020 الذي حضرته الأطراف الفاعلة في الملف وهم ألمانيا (الدولة المنظمة) وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا ومصر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية والجزائر، ونتج عنه مخرجات مهمة لا تزال تعد من الدعائم الأساسية لأي مطالبات بشأن الاستقرار الليبي وحل الصراع.

ومن أهم هذه المخرجات كان الوقف الشامل لإطلاق النار وبداية العملية السياسية مع التوقف عن دعم أطراف النزاع عسكرياً وإيقاف دعم الجماعات الإرهابية مع حظر توريد الأسلحة وتشكيل لجان لمراقبة التزام الأطراف الدولية بما تم الاتفاق عليه، وهو ما ظهر فيما بعد من خلال إطلاق العملية "إيريني" لمراقبة تطبيق حظر الأسلحة عبر السواحل الليبية.

ونتيجة لتزايد النفوذ التركي في ليبيا اجتمع زعماء بريطانيا وألمانيا وفرنسا في 21 أيار/مايو 2020 عبر تقنية الفيديو، من أجل الضغط على أنقرة لوقف تدخلها في البلاد إلى جانب وقف إطلاق النار لمراعاة الجانب الإنساني للمواطنين بعد تزايد الدعم العسكري الذي تقدّمه تركيا للمرتزقة الذين جلبتهم من سوريا رغم القرار الأممي بحظر توريد الأسلحة إلى ليبيا.

فيما شهدت المواقف الفرنسية اليونانية تصعيداً شديداً ضد تركيا خلال الآونة الأخيرة رداً على التنقيب التركي عن غاز المتوسط، فمن جهتها تعترض أثينا وبشدة على اتفاقية ترسيم الحدود التي وقعها أردوغان مع فايز السراج لتجاهلها وجود جزيرة كريت اليونانية بين البلدين ما اعتبرته أثينا تعدياً على سيادتها بشكل سافر يضاف إلى قائمة الانتهاكات التركية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وإزاء ذلك طالبت أثينا الأمم المتحدة باعتبار الاتفاقية غير قانونية ومخالفة للأعراف الدولية.

كما دعم  رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس القرار الفرنسي بإرسال فرقاطات حربية إلى شرق البحر المتوسط، ردّاً على تصاعد الخلاف الأوروبي ضد تركيا لتنقيبها عن الغاز في المتوسط في غير مناطقها الحدودية ممّا يهدّد المصالح الاقتصادية لدول الاتحاد، واصفاً قرار ماكرون بأنه يضمن السلام في المنطقة.

وشدّدت فرنسا على أنّ التدخل التركي في ليبيا بات غير مقبول ولا يمكن السماح به لما يشكله من مخاطر على الأمن الإقليمي، مؤكدةً أنّ أنقرة تلعب لعبة عدوانية وخطرة على الجميع في الداخل الليبي، وهو ما اعترضت عليه أنقرة.

وعلى الجانب الآخر أظهر إعلان القاهرة مزيداً من التحول الأوروبي تجاه ليبيا بالتصعيد ضد أنقرة، إذ طالبت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا في 26 حزيران/يونيو 2020 ، بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في ليبيا، معربين في بيان مشترك عن قلقهم من تصاعد العنف في البلاد، وكان ذلك بالتوازي مع إعلان القاهرة الذي يمثّل في حد ذاته ردّ فعلي لممارسات تنتهك الأمن القومي لمصر وأوروبا على حد سواء.

وجاءت مخرجات إعلان القاهرة متوافقة مع ما تم إقراره في مؤتمر برلين، وفي 6 حزيران/يونيو 2020 اجتمع رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح وقائد الجيش  خليفة حفتر مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر لبحث الحل السياسي للأزمة وتمثّلت أبرز المخرجات في احترام القرارات الصادرة عن المبادرات السابقة بما فيها مخرجات مؤتمر برلين، ووقف إطلاق النار، وتفكيك الجماعات المسلحة، ودعم وحدة الأراضي الليبية.

وبالتالي رفضت تركيا وحكومة الوفاق الإعلان المصري ولكنّه خلق في المقابل تأييداً أوروبّياً واسعاً، حتى أنّ إيطاليا التي تحاول تركيا استمالتها إلى صفها قد دعمته، ويبدو من قراءته –الإعلان المصري- أن أبرز العوامل التي جلبت توافق أوروبي وعربي تجاهه هو وحدة المطالبات مع مخرجات برلين وحرصه على وحدة ليبيا كمتغير مهم في ظل سعي أنقرة بجميع وسائلها لتحويل البلاد لمناطق نفوذ ومعسكر شرقي وغربي إلى جانب تفكيك الجماعات المسلحة وتسليم أسلحتها والذي يمثل بقاؤها خطراً داهماً للحدود الجنوبية لأوروبا.

ويبدو من تصعيد المواقف الأوروبية ضد أردوغان أنّ هناك توافقاً في الرؤى حول خطورة الوجود التركي في الملعب الجنوبي للاتحاد الأوروبي، إذ يمثّل استنساخاً للتجربة السورية بما حملته من مهاجرين ولاجئين استغلهم أردوغان لابتزاز الاتحاد، كما أن الاحتلال العسكري التركي في ليبيا يهدد المصالح الاقتصادية لأوروبا في المنطقة، فضلاً عن الخطر على  مدنية الأوضاع السياسية للدول التي ينتشر بداخلها بالأساس جماعات إسلام سياسي تدعم أردوغان.

وعلاوة على ذلك يشير قرار الرئيس ماكرون في 1 تموز/يوليو 2020 بتعليق أنشطة بلاده في عمليات الناتو في البحر المتوسط لوجود شركاء لا يحترمون القانون الدولي في إشارة إلى تركيا تحولاً مهمّاً في القضية يضع على عاتق الناتو اتخاذ موقف جدي تجاه أنقرة أو إعلان بداية الانهيار، بما يعني أنّ التصعيد الفرنسي ضد تركيا ربّما سيغير من معادلات المستقبل العسكري للقارة.

(م ش)


إقرأ أيضاً