​​​​​​​منذ 70 عامًا وهو يصلح الساعات ومازال يشعر بالسعادة عندما يصلح ساعة معطلة

أحد أقدم مصلحي الساعات في سوريا "ملا محمد"، يشير إلى أنه تعلم صيانة الساعات من تلقاء نفسه، وعلم أولاده هذه المهنة، ويقول إنه "إلى الآن مازال يشعر بالسعادة عندما يصلح ساعة معطلة، على الرغم من مرور 70 عامًا على عمله في هذا المجال".

تطورت الساعات التي يشير المؤرخون إلى أن المصريين أول من بدأ باستخدامها، ومع تطور التكنولوجيا صار لها أنواع وأشكال متعددة، المائية والرملية، مرورًا باحتساب الوقت عبر العصي والظل، ومن ثم ساعات تعمل على نبض الإنسان والزنبرك، وصولًا إلى الساعات التي تعمل على البطاريات، والطاقة الشمسية، والساعات الالكترونية.

وباعتبار أن هذه الساعات هي آلات، كباقي الآلات والوسائل، فبلا بشك تتعطل ويحدث فيها خلل وتحتاج إلى صيانة، ولهذا ولصيانة هذه الساعات، كان يتطلب وجود من يعمل على صيانتها وإصلاحها.

محمد حاج صالح حسين المعروف بـ "ملا محمد"، يبلغ من العمر الآن 90 عامًا من سكان مدينة قامشلو في إقليم الجزيرة، يعمل في مجال إصلاح وصيانة الساعات منذ أن كان عمره 20 عامًا، يقول إنه بدأ بصناعة أدوات صيانة الساعات بيده، وأضاف "كنت آتي بأسلاك معدنية، وأصنع منها مفكات البراغي، والملاقط التي تعد أساسًا في صيانة الساعات".

وتحدث ملا محمد الذي يعمل على صيانة الساعات منذ 70 عامًا، عن أسرته وحياته، وأشار إلى أنهم بالأصل من مدينة كرمانشاه في روجهلات كردستان "شرق كردستان"، ومن هناك انتقلوا إلى مدينة ماردين بباكور كردستان "شمال كردستان"، ومن ثم انتقلوا إلى روج آفا، وقال بأنه بدأ بصيانة الساعات في قرية حلنج التابعة لكوباني عندما كان هناك إمام جامع القرية.

لم يعلمني أحد

وعن عمله قال ملا محمد "منذ 70 عامًا وانا أعمل على صيانة الساعات، وقد بدأت بالعمل عندما كنت إمام جامع في قرية حلنج، وكنت أفتح البراغي بالأسلاك التي كنت أصنع منها مفك براغي، ولم يعلمني أحد هذه الصنعة، تعلمتها لأنني أحببت هذه المهنة، وكانت بالنسبة لي هواية".

وتطرق في حديثه إلى موقف والده من عمله في صيانة الساعات، وقال "تعلمت بنفسي صيانة الساعات، لم يعلمني أحد، وكنت أقوم بذلك إلى جانب عملي كإمام جامع في حلنج، وبعد انتقالي إلى مدينة كوباني فتحت محلًّا لصيانة الساعات، ولكن والدي لم يكن موافقًا على هذه المهنة في بداية الأمر، وقال لي لا تعمل في هذه المهنة، فأجبته بأن الناس تأتي إلي وأنا أصلح ساعاتهم المعطلة، وفي يوم من الأيام قدم رجل وقال لي ساعتي معطلة أود ان تصلحها لي، فقلت له، والدي لا يرغب أن أعمل على صيانة الساعات، فذهب الرجل إلى والدي وقال له (ساعتي معطلة، وليس هناك في هذه المدينة من يصلحها لي)، حينها ناداني والدي وقال لي (لماذا لا تصلح ساعة هذا الرجل؟)، فقلت له أنت لا تسمح لي ان أصلح الساعات، فكل من تتعطل ساعته ويأتي إليك في بداية الأمر لأخذ الإذن لصيانة ساعته، هذا العمل لا يجوز، بهذا الشكل، حينها فكر والدي، وبعدها رضي أن أعود إلى صيانة الساعات، وهكذا عدت إلى عملي".

وأوضح ملا محمد أنه بعد ذلك افتتح محلًّا وسط مدينة كوباني، وتابع بالقول "بالإضافة إلى عملي في مجال صيانة الساعات، كنت أعمل في مجال شراء وبيع الدولار، والليرة التركية، والذهب أيضًا، بقيت في كوباني حوالي 12 عامًا، ومن ثم انتقلت للعيش في عامودا ومكثت فيها حوالي 12 عامًا، ومن ثم انتقلنا إلى مدينة قامشلو".

لم يبق وجود لساعات الزنبرك الآن

ملا محمد قال: في السابق كانت هناك ساعات الزنبرك، وهذه الساعات كانت رخيصة، وأضاف "ساعات الزنبرك كنت أشتريها حينها بـ 30 أو 35 ل.س، وكنت أضيف عليها قرابة ليرتين أو ثلاث ليرات، وأبيعها، ولكن الآن لم يعد هناك وجود لتلك الساعات".

وبيّن ملا محمد أن صيانة الساعات القديمة كانت سهلة، كما أن بعض الساعات الأخرى كان عملنا فيها لا يتجاوز تبديل البطاريات فقط، وأكمل بالقول "كان هناك بعض أنواع الساعات لا يمكن فكها، ولهذا عندما كانت تتعطل لم يكن بالإمكان تصليحها، كما أنه في السابق كانت هناك ساعات الجيب ذات السلسال، وكان سعرها لا يتجاوز الـ 4 أو الـ 5 ل.س، وكنت أقوم أنا بتصليحها بنصف ليرة سورية".

كيف يمكن التعرف على الوقت من خلال ظل الشمس

وأشار حاج صالح إلى أنه في السابق كان الناس يتعرفون على الوقت من خلال ظل الشمس، وتابع بالقول "أي أنهم كانوا يقفون في الشمس ومن خلال ظلهم كانوا يعرفون الوقت، أي هل حل الظهر أو العصر أم لا، وأنا أيضًا كنت أتعرف على الوقت بهذه الطريقة، وخاصة فيما يخص أوقات الصلاة، ولكن بعد اكتشاف وانتشار الساعات، لم يعد هناك حاجة لمعرفة الوقت عن طريق الظل".

ملا محمد قال إنه في ذلك الحين لم يكن في المنطقة أحد يصلح الساعات أفضل منه، وأردف بالقول "في السابق كان هناك مصلح ساعات واحد فقط في قامشلو، الدرباسية، سري كانيه، ولكن الآن هناك الآلاف منهم، أنا من أقدم مصلحي الساعات في سوريا، وقد علمت هذه المهنة لأولادي وهم الآن مصلحين أكفاء، وأحد أولادي الآن يصلح الساعات أفضل مني أيضًا".

لم تمر علي ساعة واحدة دون أن أتمكن من صيانتها

وقال ملا محمد إنه مصلح ساعات جيد، وأكمل "مضت أعوام كثيرة جدًّا وانا أعمل على صيانة الساعات، وإلى الآن لم تمر علي ساعة واحدة دون أن أستطيع إصلاحها، ساعات الجدران، وساعات اليد، ولكنني كبرت في العمر، صحتي لم تعد تساعدني على القيام بعملي، ولكن إلى الآن عندما يعجز مصلح ما عن تصليح أي ساعة، يأتي بها إلي لتصليحها".

كنت ومازلت أشعر بالسعادة عندما أصلح ساعة معطلة

ونوه حاج صالح أنه يوم أمس قدم إليه رجل ليصلح ساعته، وقال في هذا السياق "لم أعد أستطيع صيانة الساعات، ولكنه وضع ساعته على طاولتي وذهب، وهو ينتظر أن أصلحها له".

وفي نهاية حديثه قال محمد حاج صالح حسين المعروف بـ (ملا محمد) " كنت ومازلت أفرح وأشعر بالسعادة عندما أصلح أي ساعة معطلة، وأشاهد تلك الساعة المعطلة تعود إلى العمل، ولهذا كنت ومازلت سعيدًا بعملي هذا".
(د ج)

ANHA


إقرأ أيضاً