​​​​​​​من يستهدف الدوريات الروسية في منطقة خفض التصعيد ولصالح من؟

يستمر مسلسل استهداف الدوريات الروسية – التركية في ظل تحشيدات عسكرية للقوات الحكومية على أطراف منطقة ما تسمى "خفض التصعيد" في إدلب، وسط تحذير الخبراء لألاعيب تركية جديدة في المنطقة، مؤكدين بأن رد موسكو سيكون من خلال عملية عسكرية تسيطر من خلالها على طريق M4 بشكل كامل.

في مطلع آذار/مارس الماضي، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان توصلهما إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في إدلب اعتبارًا من الـ6 من الشهر نفسه بعد معارك بين قوات الحكومة وجيش الاحتلال التركي على الأراضي السورية، واتفق الجانبان على تسيير دوريات مشتركة على طريق الـ M4 الواقع ضمن مناطق المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا جنوب إدلب، من بلدة سراقب شرقًا وحتى بلدة عين حور جنوب غرب إدلب (قرب الحدود الإدارية لمحافظة اللاذقية).

استهداف الدوريات وظهور مجموعات جديدة في إدلب

ومع انطلاق الدويات بين كل من روسيا وتركيا حسب الاتفاق المبرم بين الطرفين ولدت مجموعة مرتزقة تطلق على نفسها اسم كتائب "خطاب الشيشانى"، وبدأت تظهر ملامح هذه المرتزقة بعد استهداف دورية روسية - تركية على طريق الـ M4 بالقرب من قرية القياسات في 14 تموز بسيارة مفخخة يقودها انتحاري، عندما تبنت هذه المجموعة المرتزقة الهجوم.

وأكدت هذه المجموعة حينها، مواصلة نهجها في "تنفيذ العمليات القاصمة ضد الدوريات التركية الروسية الصليبية"، بحسب بيان نشرته القناة الرسمية للمرتزقة المذكورة على موقع "تلغرام".

وسرعان ما أعلنت المرتزقة استهداف الدورية الروسية - التركية رقم 24 عبر قذيفة آر بى جى دمرت عربة تركية جزئيًّا في 17 من شهر آب/أغسطس الجاري، لتكون بذلك ثاني دورية مشتركة تتعرض للاستهداف بعد الهجوم الانتحاري الذي نفذه المرتزق أبو عبيدة الأنصاري ضد الدورية رقم 21.

وفي الـ 25 من آب/أغسطس الجاري، شنت هذه المجموعة المرتزقة هجومًا جديدًا على دورية مشتركة، استهدفت فيها عربة روسية بقذيفة “RBG” عند محيط أورم الجوز غرب إدلب ما أدى إلى إصابة اثنين من الجنود الروس بارتجاج في الدماغ حسب ما أعلن عنه مركز المصالحة الروسي.

من هي مرتزقة كتائب خطاب الشيشاني؟

ما تزال هذه الكتيبة مجهولة، على الرغم من ظهورها الثالث إعلاميًّا، ونشرت المرتزقة صورًا للتفجيرين وبيانًا غير تقليدي يحمل مؤشرات على أنها تتبنى النهج "السلفي" القتالي، الأمر الذي دفع للاعتقاد بارتباطها مع مرتزقة غرفة عمليات "فاثبتوا" التي تضم الجماعات "السلفية" الأكثر تشددًا في إدلب، والرافضة لاتفاقية وقف إطلاق النار هناك.

ولم تتحدث الحسابات العائدة للمرتزقة أو قادتها عن استهداف الدوريات المشتركة، بينما اكتفت حسابات أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، عائدة لعناصر في هذه المرتزقة، بالترحيب به.

تركيا تحيي داعش من جديد

وفي هذا السياق، يقول الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية ماهر فرغلي إن استهداف الدوريات يأتي في إطار ما يسمى "غزوة الاستنفاذ الرابعة لداعش" في عهد أبي إبراهيم الهاشمي، وأضاف: "هو (الهاشمي) قام بأربع غزوات وهذه الغزوة هي الرابعة، ونجح فيها إلى حد كبير جدًّا، وقام بعمليات متنوعة ليست في سوريا فقط، بل في أقطار ودول عربية عدة مثل مصر وليبيا، وغيرها".

وأشار فرغلي إلى أن الأوضاع تدل دلالة كبيرة على عودة نشاط داعش، وأن الجهاز الأمني الذي يقود داعش الآن هو جهاز قادر على تجنيد خلايا جديدة، والقيام بعمليات، مشيرًا إلى أن هذه الاستهدافات تسهل عملية عودة داعش إلى الواجهة من جديد ومرةً أخرى في سوريا بهذا الشكل، ويعطي قيمة كبيرة جدًّا لنشاطات مكافحة الإرهاب، والدور الذي تقوم به قوات التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية، مؤكدًا أن "تركيا تلعب من جديد بشكل آخر مع تنظيم داعش وتمرر التنظيم ومن ثم يعود التنظيم إلى الواجهة مجددًا".

"الرد سيكون من خلال عملية عسكرية محدودة"

وتزامن استهداف الدوريات مع حشود واتهامات متبادلة بين قوات الحكومة السورية والاحتلال التركي، تصاعدت وتيرتها في الفترات الأخيرة، فقد واصلت القوات الحكومية إرسال تعزيزات ضخمة إلى ريف حماة وإدلب، استعدادًا للقيام بما وصفته وسائل إعلام مقربة من الحكومة بـ"عملية عسكرية كبرى"، تستهدف، وفقها، السيطرة على طريق الـ M4 بالقوة، مع خلق "هامش أمان" لا يقل عن 5 إلى 10 كيلومترات إلى الشمال من الطريق، بذريعة فشل الجانب التركي في إجبار مرتزقتها على إزالة حواجزها عن الطريق الذي من المفترض فتحه أمام حركة نقل الركاب والحركة التجارية، وفي المقابل، يواصل الاحتلال التركي تعزيز مواقعه في سورية بشكل شبه يومي.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب والمعارض السوري أحمد الدرزي: "تركيا لا تستطيع أن تتقبل وجود روسيا على حدودها الجنوبية في مناطق تعتبرها حقًّا مستلبًا منها بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، ومن الطبيعي أن نتوقع منها بذل جهود كبيرة للضغط عليها، ومنع استعادة دمشق للأراضي المحتلة بمعية موسكو وطهران، وهي (تركيا) التي تمتلك زمام إدارة وقيادة ودعم كل المجموعات الإسلامية المسلحة، وأن تحاول التنصل من أفعالها في مواجهة القوات الروسية بنسبها إلى تنظيم حراس الدين أو غيره من التنظيمات، وهي صاحبة المصلحة من عدم تنفيذ الاتفاقات المبرمة".

وحول رد موسكو على انتهاكات المجموعات المرتزقة التابعة لتركيا قال المعارض السوري: "لا أتوقع أن تلجأ موسكو للموافقة على عملية عسكرية كبيرة مع دمشق لاستعادة إدلب وطرد القوات التركية المحتلة والتنظيمات العسكرية العائدة لها، وأقصى ما يمكن أن تقوم به هو عملية عسكرية محدودة تلزم  بها أنقرة بتنفيذ الاتفاق الأخير حول طريق M4 والإبقاء على منطقة بعرض 30 كم تحت السيطرة التركية لحين الوصول لاتفاق دولي بكيفية التخلص من المجموعات التكفيرية، وخاصةً الأجنبية منها وهي التي تشكل مشكلة دولية".

غرفة عمليات "فاثبتوا"

ويسيطر على المنطقة المسماة خفض التصعيد، إلى جانب جيش الاحتلال التركي، هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا والمصنفة على لائحة الإرهاب الدولي)، مع وجود مجموعات مرتزقة أخرى ولكنها تتحرك بإمرة تركيا.

وعلى الرغم من معارضتها للهدنة الموقعة شمال غرب سوريا، ورغم رفضها القاطع للدوريات الروسية - التركية التي تمهد لإعادة فتح الطرق الدولية المارة بإدلب، إلا أن المرتزقة المنضوية في غرفة عمليات "فاثبتوا" لم يسبق أن هاجمت هذه الدوريات باسمها.

ولكن يرى مراقبون أن هذه الغرفة هي من ترعى مرتزقة كتائب الشيشاني التي تستهدف الدوريات وتقدم لها كافة أشكال الدعم لشن الهجمات.

وتحاول مرتزقة غرفة عمليات "فاثبتوا" من خلال ذلك إبعاد تهمة استهداف الدوريات المشتركة عن نفسها خشية ردود فعل شعبية تطالبها بالمغادرة من المنطقة.

المجموعات التي تستهدف الدوريات تابعة لتركيا

وأكد المعارض أحمد الدرزي أن المجموعات التي تستهدف الدوريات هي تابعة إداريًّا لتركيا ولكن تبعيتها الحقيقية للولايات المتحدة التي تفرض الحماية لها إلى حين تحقيق المصالح الأميركية، وبعد ذلك تأخذها لمناطق جديدة من الصراعات الدولية للضغط على من تعتبرهم أعداءها، وكذريعة للتدخل بعنوان مكافحة الإرهاب.

فيما قال ماهر فرغلي: "كما قلت سابقًا تركيا لها دور كبير في مسألة تمرير داعش، كما أن داعش لاعب رئيسي، والتنسيق فيما بينهم لا يكون بشكل مباشر، وإنما يكون بطريقة غير مباشرة، يمكن تمريره أو محاصرته، ويلعب به مثل حجر الشطرنج، بمعنى آخر أن يحاصره في ناحية فيفر إلى ناحية أخرى، وهذه الناحية ربما تكون في مواجهة الأعداء أو الحلفاء، هذه تركيا التي تلعب بطريقة ذكية جدًّا مع التنظيم".

ونوه فرغلي أن لتركيا مخططات كثيرة في المنطقة، وتجعل من الإسلام السياسي في قلب خطتها، ومحدد من محددات السياسة الخارجية التركية وهي استخدام تيارات الإسلام السياسي بين قوسين من الإخوان وحتى داعش.

واختتم فرغلي قائلًا: "توجد هذه التنظيمات في البيئة التي توجد فيها توترات، والبيئة التي توجد فيها توترات تكون فوضوية، وهذا يعني إذًا: تركيا داعمة للفوضى طوال الوقت".

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً