​​​​​​​من صديقَينِ قديمَينِ إلى عدوّين لدودين: العلاقات الأمريكيّة الإيرانيّة

برزت أزمةٌ جديدةٌ بينَ كلّ من الولايات المتّحدة الأمريكيّة وإيران، والّتي تتهمّ كلّ واحدة منها الأخرى بالإرهاب.

وظهرت أزمة جديدة بينَ أمريكا وإيران في الثّاني من الشّهر الجاري إثر تنفيذ سلاح الجوّ الأميركيّ غارة استهدفت موكب قائد فيلق القدس الإيرانيّ قاسم سليمان، ونائب رئيس هيئة الحشد الشّعبيّ العراقيّ أبو مهدي المهندس، ما أدّى إلى مقتلهما، وذلك على طريق مطار بغداد الدّوليّ.

الولايات المتّحدة الأمريكيّة صرّحت بأنّها لا تسعى إلى حرب مع إيران، وقالت: "لقد تصرّفنا من أجل منع نشوب الحرب، وليس من أجل إعلان الحرب".

القيادة الإيرانيّة قالت بدورها إنّها سوف تردّ على الهجوم "وتنتقم".

فيما يترقّب العالم الخطوات التّالية لكلّ طرف، فيما إذا كانت ستؤدّي إلى نشوب حرب في الشّرق الأوسط أمّ لا.

بداية الشّقاق بينَ الدّولتين بدأت في عام 1979، عندما تسلّم الخميني سدّة الحكم في إيران، أزمة الرّهائن الأميركيّين في السّفارة الأمريكيّة في طهران والّتي استمرّت 444 يوماً. ومنذ تلك الفترة سعت الولايات المتّحدة إلى الحدّ من نفوذ إيران في الشّرق الأوسط.

من المتوقّع أن تشهد منطقة الشّرق الأوسط الّذي يعتبر ساحة الحرب العالميّة الثّالثة، تطورات جديد، ومن المفيد هنا التّذكير بطبيعة العلاقات التّاريخية بين الدّولتين.

يعودُ تاريخ العلاقة بين إيران والولايات المتّحدة الأمريكيّة إلى القرن التّاسع عشر، حيثُ كانت روسيا وإنكلترا العدوين الرّئيسيّين لإيران.

الفرس الّذين سيطروا عبر التّاريخ على مساحات شاسعة، عاشوا أكثر المراحل ضعفاً وتراجعاً بعد انهيار الإمبراطوريّة الصّفويّة عام 1769 جرّاء الصّراعات والخلافات الدّاخليّة على السّلطة.

في هذه المرحلة خسرت إيران مساحات شاسعة من مناطق سيطرتها لروسيا القيصرية خلال حربي عام 1804-1813 و 1826-1828.

تحالفت إنكلترا مع روسيا ضدّ إيران من أجل أزاحتها عن طريقها لاستعمار الهند، فبعد حرب أعوام 1856-1857 أصبحت إيران شبه مستعمرة إنكليزية، وتمّ تأسيس نظام الاستعمار الاقتصاديّ، وسيطرت إنكلترا على التّجارة في إيران بدءاً من تجارة التبغ وصولاً إلى النّفط.

عندما كانت إنكلترا تحاصر إيران، برزت الولايات المتّحدة الأمريكيّة كقوّة حديثة، ولمواجهة عدوّيها اللّدودَين روسيا وإنكلترا، فتحت إيران جميع أبوابها مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة، حيثُ عملت أمريكا على بناء مئات المدارس، وأوّل مشفى وكلّية طبّ في إيران، وتوطدت العلاقات الإيرانيّة الأمريكيّة على الصّعيدَين الاقتصاديّ والسّياسيّ بشكل كبير.

وخلال عامي 1911 و 1922 تمّ تسليم أموال الدّولة إلى أمريكا بصفتها "الطّبيب الأخير الّذي سينقذ المريض من الموت.

وخلال الحربين العالميّتين الأولى والثّانية كانت أمريكا الحلف الرّئيس لإيران. وبسبب العلاقات الوطيدة بين الاتّحاد السّوفيتيّ وكلّ من مصر وسوريا وليبيا، فإنّ إيران كانت الحليف الرّئيس للولايات المتّحدة الأميركيّة في الشّرق الأوسط.

1953: العلاقات بين الدّولتين بعد عام 1950

بالتّعاون مع المخابرات البريطانيّة، قامت المخابرات المركزيّة الأميركيّة بإسقاط نظام حكم رئيس الوزراء الإيراني محمّد مصدق.

وكان مصدق قد تولّى رئاسة الحكومة بموجب انتخابات ديمقراطيّة، وتمّ إسقاط حكمه على يد الضّبّاط الانقلابيين، وتمّ تعيين الشّاه بهلوي الموالي لأمريكا على رأس السّلطة، وعرف عن بهلوي الاستبداد في السّلطة.

في عام 2000 قدّمت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة مادلين أولبرايت الاعتذار لإيران بسبب مساهمة بلادها في تنفيذ الانقلاب ضدّ مصدق. بينما اكتفت إيران بشجب، واستنكار تصريحات أولبرايت.

1957: في الخامس من شهر آذار عام 1957 أبرم الشّاه رضا بهلوي اتفاقيّة نوويّة مع الولايات المتّحدة الأمريكيّة، بهدف إنتاج الطّاقة النّوويّة لأغراض مدنيّة، تحتَ شعار "الطّاقة النّوويّة من أجل السّلام.

1979: في الـ 29 من شهر كانون الثّانيّ عام 1979، أعلن آخر رئيس وزراء في عهد الشّاه بهلوي، وهو شهبور بختيار عن إلغاء الاتفاقيّة المبرمة مع أمريكا حول بناء مفاعلين نوويّين بقيمة 6.2 مليار دولار. وبعد ذلك التّصريح بـ 13 يوماً انتهت فترة حكم إدارة بختيار للحكومة. وفيما بعد اغتيل بختيار في منزله في باريس.

خلال عامي 1960 و1980 تصاعدت في إيران الاحتجاجات المناهضة لبهلوي الّذي وضع مقدّرات البلاد في أيدي القوى الخارجيّة.

وتمكّن الاشتراكيّون واللّيبراليّون والإسلاميّون من الاتفاق على قاسم مشترك وبدؤوا بالإعداد للثّورة.

ولكن في وعام 1979 عمد الإسلاميّون إلى تصفية القوى المعارضة، وأعلنوا الثّورة بمفردهم وسيطروا على السّلطة في البلاد.

في الأوّل من شهر شباط عام 1979، وبعد عودة الخميني، وبعد أن غادر رضا شاه بهلوي الموالي لأمريكا البلاد، تغيّر نظام الحكم في البلاد.

وتأسّس نظام حكم إسلاميّ مستبدّ تحتَ اسم "الثّورة الإسلاميّة الإيرانيّة". ومع هذا التّحوّل بدأت مرحلة تغيير جذرية لموازين القوى في الشّرق الأوسط.

وعبر حكم الملالي، أسّس النّظام الإيرانيّ سياسة داخليّة وخارجيّة قائمة على معاداة الولايات المتّحدة الأميركيّة.

1979-1981: في الرّابع من شهر تشرين الثّاني عام 1979 داهم طلبة موالون للنّظام الإيرانيّ مبنى السّفارة الأمريكيّة في طهران، وتمكّنوا من أخذ 52 دبلوماسياً كرهائن.

جرت لقاءات ومباحثات بين الرّئيس الأمريكيّ رولاند ريغن والإيرانيّين، وبهدف الضّغط على إيران، فأوقفت الولايات المتّحدة تصدير النّفط الإيراني كما جمّدت الأموال الإيرانيّة بقيمة ملايين الدّولارات.

وبعد أزمة دبلوماسية استمرّت 444 يوماً، والّتي دخلت التّاريخ كأطول أزمة رهائن دبلوماسيّين، تمّ الإفراج عن الدّبلوماسيّين الأمريكيّين بموجب اتّفاقية الجزائر في 20 كانون الثّاني عام 1981.

وبالمقابل تعهّدت الولايات المتّحدة الأميركيّة بعدم التّدخّل في الشّؤون السّياسيّة والدّاخليّة الإيرانيّة.

في الفترة بين عامي 1985 و 1986 جرت مباحثات ولقاءات بينَ الولايات المتّحدة الأميركيّة وإيران من أجل الإفراج عن المواطنين الأمريكيّين الّذين اعتقلهم حزب الله اللّبنانيّ الموالي لإيران.

عام 1986 كُشفت فضيحة إيران كونترا الّتي كان يتمّ في إطارها بيع أسلحة أمريكيّة بطريقة غير مشروعة إلى إيران، وكانت الأموال النّاتجة عنها تستخدم في تمويل الجماعات المسلّحة المناهضة لحكومة نيكاراغوا الّتي كانت تحمل اسم كونترا. الأمر الّذي أحرج الرّئيس ريغان، وفيما أنكر ريغان الاتّفاقية بداية الأمر إلّا أنّه عاد واعترف بها علناً على التلفاز.

في الفترة بين أعوام 1980-1988 نشبت الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وفي 22 أيلول من عام 1980 هاجمت العراق الّتي كانت تحت قيادة صدام حسين مدينتي عبادان وهورمشهير الإيرانيّتين. ورغم أنّ الحرب الّتي استمرّت 8 أعوام، ولم ينتصر فيها أيّ طرف، وأسفرت عن مقتل حوالي مليون شخص على الأٌقل، إلّا أنّ أمريكا كانت إلى جانب العراق ضدّ إيران، فيما عمدت إسرائيل إلى دعم إيران، أمّا بالنسبة للدول العربيّة فجميعها كانت إلى جانب العراق في الحرب ضدّ إيران ما عدا سوريا وليبيا.

عام 1988: أغرقت السّفن الحربيّة الأمريكيّة سفينة إيرانيّة في خليج البصرة، كما قصفت القوّات الأمريكيّة الموجودة في مضيق هرمز منصّتي نفط إيرانيّتين، فردت إيران بعملية تلغيم الفرقاطة يو إس إس صموئيل بي. روبرتس.

بعد عدّة أشهر أسقطت الولايات المتّحدة الأمريكيّة طائرة ركّاب إيرانيّة كانت تقل 290 شخصاً. أوضحت حكومة الولايات المتّحدة أنّه تمّ تحديد الطّائرة على أنّها طائرة حربيّة ورفضت الاعتذار.

عام 2003: بدأت الولايات المتّحدة الأمريكيّة بقيادة جورج بوش بحرب ضدّ العراق بذريعة امتلاكه لأسلحة كيماويّة. وللإطاحة بعدوّها الدّائم صدّام حسين. التزمت الإدارة الإيرانيّة الصّمت حينها، ووافقت على الحرب الأمريكيّة ضدّ العراق، البلد الّذي تصل نسبة الشّيعة فيه إلى 60 بالمئة دخل في حرب أهليّة بسبب الخلافات بينَ طهران وواشنطن منذ بدء الحرب إلى الآن.

عام 2011: الحركات الشّعبيّة الّتي عرفت بالرّبيع العربيّ، والّتي بدأت في سوريّا سرعان ما تحوّلت إلى ساحة حرب جعلت إيران تلعب دوراً فعّالاً في المنطقة. إيران واحدة من أقوى الدّاعمين للرّئيس السّوريّ بشّار الأسد، فإيران إلى جانب حليفتها روسيا لا تتدخّل بشكل مباشر بل تتدخّل عن طريق مجموعات من المليشيات الشّيعيّة مثل حزب الله، وقدّمت الدّعم اللّوجستيّ لها، وغيّرت مسار الحرب.

في هذه المرحلة كانت إسرائيل تستهدف باستمرار النّقاط التّابعة لإيران بغارات جوّية. كما أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة كانت تعبّر دائماً عن عدم رضاها عن الوجود الإيرانيّ في هذا البلد.

عام 2015: الانتفاضة الشّعبيّة المجتمعيّة ضدّ النّظام؛ اليمن واحدة من الدّول الّتي تحوّلت فيها هذه الانتفاضة إلى حرب أهليّة. هنا أيضاً اتّخذت كلّ من إيران والولايات المتّحدة الأمريكيّة مكانهما في جبهتين مختلفتين. ساندت واشنطن التّحالف العربيّ بقيادة السّعوديّة، أمّا إيران فوقفت إلى جانب الحوثيّين الشّيعة الّذين سيطروا على قسم كبير من المدن الكبرى بما فيها العاصمة صنعاء. لم يستطع أيّ طرف تحقيق أيّ تقدّم في الحرب الّتي راح ضحيّتها عشرات الآلاف من القتلى بالإضافة إلى ملايين المهجّرين.

عام 2018: أعلن الرّئيس الأمريكيّ دونالد ترامب  في الـ 8 من أيار عام 2018 انسحاب بلاده من الاتّفاق النّوويّ الّذي عقده الرّئيس الأمريكيّ السّابق باراك أوباما مع إيران عام 2015. بعدها فرض ترامب عقوبات قاسية على إيران بما فيها قطاع الطّاقة.

عام 2019: أعلنت إدارة الرّئيس الأمريكيّ دونالد ترامب في نيسان إدراج الحرس الثّوريّ الإيرانيّ على قائمة الإرهاب، فبعد هذا القرار أدرج المجلس الأعلى للأمن القوميّ الإيرانيّ القيادة المركزية للولايات المتّحدة (CENTCOM)  على قائمة الإرهاب.

عام 2020: قتلت الولايات المتّحدة الأميركيّة بالصّواريخ قائد فيلق القدس التّابع للحرس الثّوريّ الإيرانيّ قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشّعبيّ أبو مهدي المهندس في العاصمة العراقيّة بغداد.

منذ عام 1979 بنت إيران إدارتها على معاداة الولايات المتّحدة الأمريكيّة، فأي خلاف مع واشنطن حقيقةً مفيد لنظام الملالي دون أدنى شكّ.

النّظام الإيرانيّ الّذي يمارس السّياسة مع روسيا بطريقة موازية يمارس الحرب بالوكالة بدءاً من اليمن، سوريا، الخليج وحتّى فلسطين والعراق وأفغانستان في الكثير من النّقاط ضدّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

بسبب الخلافات الإيرانيّة الأمريكيّة تنتصر الدّول والأثرياء بينما تضيع الشّعوب وتُباد. وبسبب هذه الخلافات تبيع الولايات المتّحدة الأمريكية الأسلحة لدول الخليج الغنيّة بالنّفط.

ولكن بعد الجريمة الّتي حصلت في بغداد وصلت الأزمة بينَ البلدينِ إلى أعلى مستوياتها.

تحوّل سليماني إلى رمز لإيران يظهر بأنّ هذهِ العمليّة لن تبقى دون ردّ.

في العراق الّذي تحتلّ المرتبة الأولى في مجال الحرب بين الولايات المتّحدة الأمريكيّة وإيران سيكون هناك مراحل متشابهة في المستقبل.

الأزمة الموجودة بينَ إيران والولايات المتّحدة الأمريكيّة ستؤثّر على الجماعات الدّينيّة والأقلّيات الموجودة في العراق.