​​​​​​​من التحول السياسي إلى التحول الاجتماعي

رؤوف كاراكوجان
 بقدر ما تغيّر التحولات السياسية المجتمعات؛ بقدر ما تلعب الدور المؤسس لها، وتحدث التحولات الاجتماعية وفق التغيرات التي تطرأ في المجالات الإدارية والعسكرية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية وتختلف أسس إدارة المجتمعات وفقًا لتصوراتها.

فالإدارات السياسية للنماذج العقلية القائمة، من الملوك الآلهة إلى النماذج الحديثة للدول القومية، من الحداثة الرأسمالية إلى تجارب السلطة إلى الإدارات الاشتراكية، ليس لديها حل؛ سواء كانت أزمات إقليمية أو أزمات محلية أو مشاكل اجتماعية وبيئية عالمية، توجد أنماط التصور هذه في مصادرها.
ما حدث هو أزمة إنسانية؛ لأن الأنظمة المهيمنة خلقت مجتمعات مريضة. وأصبح الشغف في معظم الأعمال هو تحقيق التوازن بين الإنسان والطبيعة. إن أزمات المناخ والأوبئة والكوارث الطبيعية تستمد مصدرها من عقلية الحداثة الرأسمالية. كما  ألحق القدر الضرر الأكبر بالطبيعة، والذي إن لم يتم منعه سيصبح أكثر خطرًا على البشرية جمعاء، وتعتبر الأنظمة التي ترى الطبيعة على أنها "طبيعة برية" من التهديدات الرئيسة. ما لم تتغير العقلية السياسية التي تحكم المجتمعات اليوم فلن تتوقف هذه الكوارث. خاصة عندما ينظر المرء إلى المآسي والدراما البشرية والصراعات اللامتناهية والمعارك في المجتمعات والحروب التي تسببت بأضرار جسيمة. وسُيرى جيدًا مدى عدم جدوى هذه الأنواع من النماذج السياسية.

لقد استخدمت شعوب الشرق الأوسط الأعراق (المكونات العرقية) والمعتقدات والاختلافات الطبقية كأدوات للصراع والحرب وتجنبت غنى التعايش؛ فالمجازر الجسدية والثقافية والإبادة الجماعية والمذابح (العنف ضد جماعة) والإبادة العرقية والمذابح الجماعية التي تهين الإنسانية، هي من نتاج الوعي السياسي للحكام، ولن يتم حل المشكلات الاجتماعية ما لم تتغير أنماط التفكير هذه.

 ما نحتاجه لإيجاد الحل هو بنية اجتماعية جديدة من الإنتاج العلمي إلى الإنتاج الثقافي، ومن الإنتاج الاقتصادي إلى القيم السياسية الأخلاقية، فهناك حاجة إلى ذاكرة ديمقراطية ومقصدنا ليس الديمقراطيات الأوروبية، بل نماذج الحكم المسماة بالتشاركية والأغلبية والنسبية والتمثيلية والاجتماعية والليبرالية والبرلمانية والديمقراطية شبه المباشرة. فهي أصبحت مفاهيم تحد من قدرة الديمقراطية. لكن ما نتحدث عنه هو ديمقراطية راديكالية، وفي الحقيقة هو إنشاء وتنظيم حكم ديمقراطي.
مع إنشاء السياسة الديمقراطية تعبّر الاختلافات الاجتماعية عن نفسها وتقود نفسها وتطور البنية العقلية لهذا الأمر. لكن المشكلة الأكبر هي أن هذا التغيير لا ينتشر في جميع أنحاء المجتمع.

 ما تقوم به الحداثة الرأسمالية هو تغيير المجتمع من خلال الإكراه والفرض واستخدام القوة؛ لكن ليس من الممكن أن تنجح. حتى أنها جعلت المشكلة أكثر تعقيدًا. وقد تجلت هذه الحقيقة في المجتمعات التقليدية في الشرق الأوسط بطريقة أكثر إثارة للاهتمام، وأصبح أسلوب التحوّل الاجتماعي من خلال الفرض الخارجي للتصورات السياسية الاستعمارية المهيمنة، القمعية المصدر الأساسي للمشكلة. الكرد هم أوضح مثال على هذا الأمر .
فعلى الرغم من أنهم قسموا جغرافيتهم ومنعوا (حظروا) هويتهم اللغوية والثقافية وارتكبوا بحقهم المذابح وحاولوا صهرهم؛ إلا أنهم لم يتمكنوا تمامًا من إبعادهم عن حقيقتهم (جوهرهم).

تتمثل مهمة السياسة في إعادة بناء نفسها وفقًا لاحتياجات المجتمع والعمل كآلية حاكمة، ولا يعني ذلك تدمير المجتمع، وجمع قيمه الأساسية وتغييرها. أو إعادة بنائها. إنها ليست هندسة اجتماعية (إعادة تصميم للمجتمع)؛ بل هي خلق لثقافة التعايش القائمة على الأعراف الديمقراطية. وحتى لو تم إنشاء أكثر نظام فكري مثالي وخالٍ من العيوب فليس من الممكن أن تمهد الطريق للتحول في المجتمع حتى ينتشر في المجتمع كله.

يجب أن تتقدم هذه التغييرات عقليًّا وحياتيًّا. الثورة الكردية في روج آفا نموذج مهم لهذه القضايا. لقد أصبحت الحركة الشبابية والنسائية وكافة مكونات شعوب روج آفا عناصر مهمة في هذه الثورة، وما يجب القيام به هو رفع مستوى الوعي والتنظيم والثورة على أساس هذا النموذج.
تجربة روج آفا هي في حد ذاتها تجربة مهمة. فثورة روج آفا ليست مجرد تغيير سياسي وإداري. إنها بداية لبناء مجتمع ديمقراطي، ومدى نجاحه أو تحقيقه هو موضوع نقاش مختلف. لكن النظام والسياسة التي يتم اتباعهما هما بالتأكيد نموذج جديد.

 إن العقلية السياسية التي نشأت مكان النظام البعثي هي عقلية جديدة، ولكي تكون قوة ثورية وبديلة لنموذج الصهر هناك حاجة للوقت والمعرفة والتجربة القيادية، وبالطبع تؤثر الصعوبات الناجمة عن ظروف الحرب أيضًا على تطور هذا الأمر، ومع ذلك يجب أن يكمل بناء المجتمع الديمقراطي ويضع التغيير السياسي في خدمة التحوّل الاجتماعي ويؤسس المجتمع الديمقراطي.