​​​​​​​معهد أمريكي: أزمة الأردن انتهت لكن استقراره يحتاج إلى رعاية

رأى محللون في معهد واشنطن أن الأزمة في الأردن قد انتهت في الوقت الحالي، لكن الخلاف العلني المذهل في صفوف العائلة الهاشمية هو بمثابة تذكير بأن استقرار الأردن يحتاج إلى رعاية وليس شيئًا يجب أن يعتبره أصدقاء واشنطن أو عمّان في المنطقة أمرًا مفروغًا منه.

وقال المحاضر السابق في القانون الدولي بالأردن، غيث العمري، والمدير التنفيذي لمعهد واشنطن ومؤلف كتابين عن السياسة الأردنية والتاريخ روبرت ساتلوف في تحليل مشترك لهما، إن "الأنباء التي جاءت من عمّان عن احتمال حدوث انقلاب، واعتقال مسؤولين كبار سابقين آخرين - تشكل أمرًا غير مألوف للغاية في هذه المملكة الشرق الأوسطية المعروفة بهدوئها والتي تقترب في غضون أسابيع قليلة من الذكرى المئوية لتأسيسها".

وفي حين أنه من غير المرجح أن تظهر الصورة الكاملة قريبًا، إذا ظهرت بالفعل، فإن هذه التطورات تركز الانتباه على الوضع الداخلي في الأردن وتسلط الضوء على الحاجة إلى تعزيز الاستقرار لدى حليف رئيس للولايات المتحدة بعد فترة من عدم الاهتمام النسبي من قبل واشنطن.

'مسعى أردني لتجنب أي صدام داخل العائلة الحاكمة'

ورأى المحللان أنه في البداية، سعى المسؤولون إلى التقليل من أهمية التصرفات الأخيرة للأمير حمزة، التي بدت من بعيد كأنها تقع في مكان ما داخل المنطقة الرمادية بين الانتقادات العلنية والخطوات العملياتية لتنفيذ انقلاب. لكن هذا الوضع تغيّر حين أصدر رسالتين مصوّرتين في 3 نيسان/ أبريل، إحداهما باللغة العربية والأخرى بالإنكليزية.

ووصفت مقاطع الفيديو هذه القيود التي فرضها رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية على تحركاته واتصالاته، ثم انتقد الفساد وسوء الإدارة في المملكة، حيث ادّعى أنها استمرت فترة دامت "بين 15 و20 عامًا"- أي طوال فترة حكم الملك عبد الله وقرار عزله من منصب ولي العهد.

وفي أعقاب هاتين الرسالتين، تبنّت الحكومة الأردنية لهجة أكثر صرامة تجاه حمزة، حيث اتهمه وزير الخارجية أيمن الصفدي خلال مؤتمر صحفي عقده في 4 نيسان/ أبريل بـ "تصرّفات ... تستهدف الأمن والاستقرار في البلاد"، ثم زاد الأمير حمزة بعد ذلك من حدة التصعيد بتعهده علنًا بأنه "لن يمتثل" لأوامر [الجيش] بعدم التواصل مع العالم الخارجي".

ولتجنب أي صدام مباشر قد يشوّه صورة النظام الملكي، عرض العاهل الأردني على حمزة سبيلًا بديلًا للمصالحة وفقًا للتقليد البدوي المعروف بالصُلحة، وعهد إلى عمه حسن، الذي يحظى باحترام كبير، بتولي المناقشات الحساسة.

وأسفرت هذه المساعي عن عقد اجتماع بين كبار الأمراء في منزل حسن، حيث وقّع حمزة على رسالة استثنائية تعهّد فيها بالولاء لعبد الله وولي العهد الحالي حسين.

'قد لا يكون الفصل الأخير'

ويبدو أن هذا التنازل يشير إلى انتهاء الحلقة الراهنة [من الخلافات بين الجانبين] على الرغم من أنه من غير المحتمل أن تكون الفصل الأخير من الصراع بين الأخوة غير الأشقاء. مع أن المواجهة غير مستبعدة في النهاية، فحتى هذه ستنتهي على الأرجح برحيل حمزة عن البلاد بدلًا من سجنه وتحويله إلى شهيد للمعارضة.

وبحسب المحللين، تشير الأدلة السردية إلى أن هذه الرسائل تلقى صدى لدى نسبة كبيرة من الشعب. وبالفعل، لم تُعرب أي شخصية عامة بارزة تقريبًا عن دعمها علنًا لحمزة باستثناء والدته.

 وعلى الرغم من أن هذا الموقف قد كشف عن عداوة هاشمية تتأجج منذ زمن بعيد، إلا أن الأمر قد ينتهي بتخفيف الضغط المحلي على البلاط الملكي على المدى القريب من خلال تحويل الانتباه بعيدًا عن "كوفيد-19" وغيره من التحديات الاجتماعية والاقتصادية.

ومع ذلك، تبقى مصادر الاستياء الكامنة التي استغلها حمزة حقيقية، وستعاود الظهور حتمًا مرة أخرى في المستقبل إذا لم تعالجها عمّان.

وتشمل هذه قضايا طارئة مثل الوباء العالمي، فضلًا عن القضايا الأكثر هيكلية مثل الإصلاحات الاقتصادية والسياسية وإصلاحات الحوكمة الأوسع نطاقًا.

وكما حدث في الماضي، من المرجّح أن تشهد التداعيات المباشرة لقضية حمزة تعزيز قطاع الأمن على حساب الإصلاح، كما يتضح من الدور المركزي الذي لعبه رئيس الأركان العامة اللواء يوسف الحنيطي في عزل الأمير.

ومن الممكن أيضًا أن يبطِل هذا الوضع تأثير الرسالة التي وجّهها العاهل الأردني في 17 شباط/ فبراير، وحظيت بتغطية إعلامية كثيفة إلى رئيس دائرة المخابرات العامة بشأن تقليص دور هذه المؤسسة النافذة في بعض المجالات الاقتصادية والسياسية.

وحتى قبل اندلاع الأزمة في بداية هذا الأسبوع، كانت الحكومة الأردنية قد أغلقت أساسًا منصة الدردشة الشعبية "كلوب هاوس" لمنع الانتقادات غير المرغوب فيها عبر الإنترنت.

وعلى الصعيد الخارجي، غالبًا ما شكا المسؤولون الأردنيون من الدول المجاورة، وواشنطن تعتبر الأردن من المسلّمات. وتحوَّل هذا الشعور إلى خوف في عهد إدارة ترامب، التي حافظت على مساعدات كبيرة للمملكة، لكن كان يُنظر إليها على أنها غير مهتمة بآراء عمّان بشأن السياسات في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

ويبدو أن أحداث بداية هذا الأسبوع قد ذكّرت العديد من العواصم بأن التطورات المحلية في الأردن يمكن أن تلعب دورًا مركزيًّا في الأمن في المنطقة.

وفي هذا السياق، يجب على عمّان التعامل بحذر مع اتهاماتها التي لا أساس لها حتى الآن بشأن ضلوع جهات خارجية مهمّة بالمؤامرة المزعومة.

فمن بين البلدان التي تم تناقل أسمائها - السعودية والإمارات وإسرائيل - ليست هناك مصلحة لأيٍّ دولة منها في زعزعة استقرار الأردن، ولا يمكن أن تكون أيٌّ منها قد اعتقدت أن مؤامرة رديئة قائمة على أمير ساخط وحفنة من مساعديه ربما تستطيع الإطاحة بعبد الله المحصّن.

وإذا أوصلت الادعاءات المحددة بشأن عوض الله وبن زيد إلى أدلة دامغة على تواطؤ مسؤولين سعوديين في مثل هذه المؤامرة، سيكون هذا الأمر مضرًّا لعلاقات الولايات المتحدة مع الرياض. ومع ذلك، فمع انعدام مثل هذا الدليل، من الضروري أن يتجنب الأردن تحويل علاقة متقلّبة بين العائلة المالكة السعودية ونظيرتها الهاشمية إلى ضربة دبلوماسية كاملة، لا سيما بالنظر إلى الدعم المالي والسياسي الحاسم الذي تقدمه الرياض لجارتها الأفقر بكثير.

وحول موقف الولايات المتحدة، لطالما كان استقرار الأردن أداةً قيمة لتعزيز المصالح الأمريكية في المنطقة، بدءًا من توسيع السلام العربي-الإسرائيلي وإلى مواجهة داعش. ولذلك، على المدى القريب، يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في التعبير عن دعمها الحازم للأردن وحث حلفائها - الدول العربية وإسرائيل وغيرها - على التعبير بشكل ملموس عن هذا الدعم.

إن إجراء مكالمة هاتفية بين الرئيس بايدن والملك عبد الله ستبعث رسالة قوية لتحقيق هذه الغاية. يجب على واشنطن أن تعمل أيضًا مع عمّان على التحقق من أي أبعاد خارجية جوهرية للأزمة، فإما توضح تلك الأبعاد أو تقضي على شائعات قد تكون ضارة. وفي هذا الصدد، يمكن لمدير "وكالة المخابرات المركزية" الأمريكية ويليام بيرنز - الذي كان السفير الأمريكي السابق في الأردن - أن يلعب دورًا مفيدًا.

وفي الوقت الحالي، يجب أن تتمثل الأولوية في مساعدة عمّان على تخطي هذه الحادثة بما يضمن الاستقرار، ولكن بالتوازي مع هذا الجهد - وحتى أكثر من ذلك - فبمجرد انحسار القلق الأولي بشأن قضية حمزة - يتعين على واشنطن إشراك عمّان بصورة غير علنية في تسريع سعيها إلى الإصلاحات الاقتصادية والسياسية وإصلاحات الحوكمة، مع الحفاظ على وتيرة تدريجية وسهلة القبول للتغييرات الجوهرية.

(ي ح)


إقرأ أيضاً