​​​​​​​كورونا يُدخل لبنان "العناية المشددة".. واليد العاملة الخاسر الأكبر

مع فجر يوم الخميس، دخل لبنان حالة الطوارئ العامة، في إطار إجراءات مواجهة كورونا، وسط ارتفاع حاد في الإصابات، ما دعا المسؤولين إلى وصف الوضع بـ "المخيف" معبّرين عن قلقهم من "انهيار صحي شامل".

يؤكد المتابعون للشأن اللبناني أن القوى السياسية في البلاد تتصرّف مع انتشار وباء كورونا، كما مع كل الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، منذ احتجاجات 17 تشرين، وما قبلها وما بعدها، ليضاف ضحايا الوباء إلى ضحايا المرفأ وجرحاه، من دون رفّة جفن، وسط انشغال شبه تام لهذه القوى بأزماتها السياسية والحكومية وتفسير الدستور.. بلا أي اعتبار لما يجري للإنسان اللبناني.

أمام هكذا مشكلات، لم تجد الطبقة السياسية حلًّا إلا الإقفال التام، مرة بعد أخرى، حتى وصل بها الحال إلى إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال أكثر من 10 أيام، متجاهلة اليد العاملة التي تعيش بشكل يومي، إضافة إلى الصناعيين المرتبطين بعقود تصدير إلى الخارج، والمزارعين والتجار.

'نتائج سلبية'

النتيجة السلبية لهذا القرار فتح الباب مجددًا أمام مناقشة كافة القرارات الصادرة في إطار التعبئة العامة المفروضة في البلاد، والجدوى منها في ظل انعدام ثقة كبير من اللبنانيين بخطط الحكومة لمكافحة انتشار الفيروس، وهو ما ظهر واضحًا في أرقام الحالات المسجلة، والتي لم تسجل أي تحسن رغم إقفال البلاد مرات عديدة.

ولا يخفي محمد الحسن خشيته من كل الإجراءات المتخذة، وخوفه من أن تتسبب هذه القرارات غير المدروسة بمزيد من المخاطر على صعيد انتشار فيروس كورونا، فهو العامل على سيارة أجرة، يقول لوكالتنا: "اليوم الذي أعمل به أطعم أسرتي، واليوم الذي نمنع من العمل، نضع أيدينا على خدنا في البيوت".

ويؤكد الحسن أن الكثير مثله في هذه البلد، معتبرًا أن "الدولة اللبنانية تتعامل مع المواطنين وكأنهم فئران تجارب، كل يوم يصدر قرار جديد دون دراسة جدوى أو أثر بعيد الأمد، ويفرض علينا تنفيذه من قبل أشخاص لا يشعرون بالمواطن، فهم بالأساس غير مشمولين بهذه القرارات، ولا تنعكس عليهم لا صحيًّا ولا اقتصاديًّا ولا نفسيًّا".

مبالغ مادية موجعة!

وتؤكد الجهات الأمنية أن "مقررات مجلس الدفاع الأعلى ستُنفذ بحذافيرها على اللبنانيين في كافة المناطق اللبنانية من دون استثناء، وخاصة في المناطق التي شهدت فوضى وفلتانًا غير مسبوق لجهة عدم الالتزام بإجراءات الوقاية".

وشددت على أن "ما شهده اللبنانيون في الفترة الماضية من استهتار لن يتكرر، لأن القوى الأمنية مدعومة من الجيش اللبناني ستقوم بتطبيق الإجراءات المتخذة، والمخالفون سيحالون إلى القضاء المختص وسيتم تغريمهم مبالغ مادية موجعة من قاضي الأمور المستعجلة".

سامر العلي عاطل عن العمل منذ أكثر من سنة، مثله مثل 40 في المئة من الشباب اللبناني، يؤكد في حديثه لوكاتنا أنه لن يدفع أي محضر، "أمي وأبي أحق من هذه الدولة بتكلفة هذه المحاضر في ظل هذه الأوضاع المعيشية والاقتصادية، لم يكن من حقهم أن يحتجزونا في الأساس بهذا القرار، كنت متوجهًا إلى عملٍ وُفقت بالحصول عليه لمدة محدودة، ولأني عاطل عن العمل عجزت عن تفويت هذه الفرصة، أوقفتني القوى الأمنية وأعطوني محضرًا بتكلفة نصف ما جنيته في ذاك اليوم، شعرت بمظلومية كبيرة".

ولا يختلف حال سعيد عن سامر، إذ يقول: "قررت الحكومة أن المتوجهين من وإلى المطار يشملهم الاستثناء من هذه القرارات، لكون المطار بقي مفتوحًا حينما أغلقت البلاد، أحضرت خالتي القادمة من ألمانيا وفي طريق عودتي أوقفتنا القوى الأمنية وسطرت محضرًا آخر بحقي، في حين كان لدي قناعة أن توجهي لإحضارها بسيارة أجرة سيعرضنا للتخالط والمخاطرة بالتقاط الفيروس أكثر بكثير من سيارتي الخاصة، واليوم يتبين أنني كنت محقًّا بمخالفتي والدولة مخطئة بقرارها".

'نتيجة الإغلاق قاسية'

وهذه الإغلاقات المتتالية في لبنان، تؤثر بشكل مباشر في المواطن اللبناني، وفي اقتصاد لبنان المتهالك أصلًا، وبهذا الخصوص يؤكد الخبير في الشأن الاقتصادي باتريك مارديني لوكالتنا، أن "نتيجة الإغلاق ستكون قاسية على المواطن، خاصة الطبقات المتوسطة والفقيرة، لأن هذه الطبقة إن لم تعمل لا يمكنها العيش، وهنا جزء كبير من الشعب يعيش على الدخل اليومي".

وأضاف مارديني: "حتى الطبقة التي لديها مدخرات، فهي محجوزة في المصارف، ولا تستطيع الحصول عليها، وبالتالي الإغلاق سيؤثر فيها أيضًا".

وتابع حديثه قائلًا: "بالنسبة للمواطن الذي يعمل في مؤسسة أو شركة، قد يتقاضى راتبه، لكن هذه الشركة إن لم تنتج لن تبيع، وستصل إلى وقت لن تعطي الرواتب، أو ستعطي نصف راتب، وقد تستغني عن خدمات بعض موظفيها، وقد يصل بها الحال إلى إغلاق الشركة، إذًا تأثير الإغلاق سيؤذي البلد كله، لأن الشركات والمؤسسات ستغلق، ولبنان يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية خانقة، ليأتي الإغلاق ويزيد من هذه المعاناة، فالمؤسسات التي كانت تأمل بتحسن الوضع الاقتصادي في البلد، وما زالت قائمة بأعمالها، هذا الإغلاق سيقضي على هذا الأمل".

'تشكيل الحكومة'

وعن مدى التأثير الإيجابي لتشكيل الحكومة على الاقتصاد اللبناني، قال الخبير بالشأن الاقتصادي إن "تشكيل الحكومة هي خطوة في الاتجاه الصحيح للخروج من هذه الأزمات، لكنها لن تعالج أي مشكلة، لأنه إذا تشكلت حكومة فاشلة، ستزيد المشاكل بدل حلها، أو قد تتشكل حكومة لا تعمل، أو أقطابها يتناحرون دون الوصول إلى نتيجة مرضية وإصلاحات، وبالتالي تشكيل الحكومة ليست ضمانة للإنقاذ".

وختم مارديني كلامه بالقول: "أولوية الحكومة في حال تشكلت، هو وقف تدهور الليرة اللبنانية، من خلال العمل مع صندوق النقد الدولي، والمبادرة الفرنسية، واليوم هناك طروح متقدمة في هذا الموضوع، تحديدًا طرح "مجلس النقد"، فبمجرد الإعلان عن هذا المجلس، ستعود الليرة إلى الانتعاش، ويخفف الأزمة على المواطن اللبناني".

'قرارات خاطئة'

وانتقدت جهات معنية طريقة السلطات اللبنانية بما يخص تدابير المطار، رغم أن انتشار الوباء صار محليًّا، ولم يعد بسبب الرحلات كما جرى في شباط الماضي، بعدما بدا أنها تحمل إشارات الاستفادة المالية، إن لمصلحة رسم إجراء الفحوصات، ما دام المسافرون سبق أن أجروا فحوصات قبل مجيئهم إلى لبنان.

كذلك الأمر بالنسبة إلى الإقامة في الفنادق أولًا لمدة 48 ساعة ثم لأسبوع، وأسعار الغرفة الواحدة تراوح بين 300 ألف ليرة و700 ألف لليلة الواحدة، وهي غير مبررة ما دام المسافر سيخرج منها إلى منزله، سواء كانت النتيجة سلبية أو إيجابية، علمًا أن النتائج تصدر في أقل من ساعات قليلة، ولا يحتاج المسافر إلى البقاء في الفندق.

وأوصت "لجنة متابعة تدابير كورونا" بالإقفال التام للبلاد، بما فيه مطار بيروت الدولي، لكن الاختلاف بين لجنة كورونا وإدارة مطار بيروت، حال بين ذلك.

وأشارت إدارة المطار إلى أن عدد الإصابات بفيروس كورونا بين الوافدين عبر المطار ضئيلة جدًّا، ولا تستدعي إقفال المطار، وأكدت أن المطار يتبع إجراءات لجنة كورونا عبر تخفيض عدد الركاب الوافدين بنحو 20 في المئة".

'انهيار القطاع الصحي'

وثمة وجوه كثيرة لتأثيرات انهيار القطاع الاستشفائي على صحة المُقيمين، فإلى العجز عن إسعاف بعض الحالات بسبب الضغط على الأسرّة، تبرز تداعيات المشكلة الاقتصادية على نوعية الخدمات الصحية التي يتلقاها المريض، وتضطر بعض المُستشفيات، بفعل الأزمة، إلى استخدام معدات ومستلزمات طبية مخصّصة للاستعمال مرة واحدة لأكثر من مرة بعد تعقيمها، علمًا بأن تعقيم بعض المعدات لا يُخلّصها من "آثار" المريض السابق، والأخطر هنا هو إعادة استخدام بعض المعدات الموصولة على أجهزة التنفس، ما يسبّب حُكمًا تداعيات خطرة، وفق مصادر معنية باستيراد تلك الأجهزة.

وفي هذا الوقت، تستمر أسعار أجهزة تصنيع الأوكسيجين بالارتفاع في السوق السوداء بسبب انقطاعها ومحدودية كمياتها لدى الشركات، وقد تضاعف سعر بعضها ثلاث مرات.

'تخبط القوى السياسية'

وأمام كل هذه المشكلات، يسأل المواطن اللبناني الحكومة المستقيلة والمجلس الأعلى للدفاع، ماذا بعد انتهاء فترة الإقفال؟ وهل ستنجز خلال عشرة أيام ما لم تنجزه خلال سنة تقريبًا؟ ولماذا لم يُرفع سابقًا عدد الأسرّة في المستشفيات الحكومية التي صرفت عليها مليارات الدولارات على مدى سنوات؟ ولماذا لم تستطع السلطة في حالات الطوارئ أن تؤمّن الحد الأدنى من التنسيق مع المستشفيات الخاصة التي يمتنع بعضها عن القيام بواجبه الإنساني؟ ولماذا توجد أسرّة خاصة لمرضى فئة أولى من سياسيين وعائلاتهم، ولا توجد أسرّة لمرضى عاديين؟ ولماذا لم تشرح الحكومة أو المجلس كيف يتحوّل الناس، في بلد كان يروّج للسياحة الاستشفائية، إلى أطباء في بيوتهم ومستوردي أجهزة وأدوية؟

كل ذلك ولم تخرج الحكومة أو المجلس الأعلى للدفاع بشرح كافٍ ووافٍ عن اللقاح وعدم السرعة في الإجراءات، لأن قضية بهذه الخطورة لا تتعلق حصرًا بوزير الصحة، بعدما طرح نواب وأطباء أسئلة حول حصر اللقاح بالوزارة، فلم توسّع حلقة الإفادة من القطاع الخاص، ومنها الطبي في استقدام لقاحات أخرى بسرعة تغرق السوق اللبنانية، وفي مقدمها البريطاني الذي لا يحتاج إلى إجراءات طبية متقدمة كلقاح فايزر؟ ولكن الحلقة الأهم هي: من سيستفيد من اللقاح المحصور بالوزارة؟

(ح)

ANHA


إقرأ أيضاً