​​​​​​​خطة عودة النازحين السوريين في لبنان.. بين الفشل والتنفيذ

عاد ملف النازحين السوريين في لبنان إلى الواجهة مجددًا، لا سيما وأنه يؤدي دورًا مهمًّا في الأزمة الاقتصادية اللبنانية لما تعتبره الدولة أحد مسارب الإنفاق دون المساعدة من الدول المانحة.

وأقر مجلس الوزراء اللبناني "ورقة السياسة العامة لعودة النازحين السوريين"، وهي أشبه بخطة لإطلاق عملية جماعية لإعادتهم، تم حصرها بوزارة الشؤون الاجتماعية، بعدما تم تسجيل عمليات لإعادة النازحين رعاها أكثر من طرف في السنوات الماضية، ولم تحقق إلا عودة بضع مئات منهم.

هذه الورقة التي أُعدت في عهد وزير الدولة السابق لشؤون النازحين صالح الغريب، أي في زمن حكومة سعد الحريري الثالثة، عرضت للمرة الأولى على طاولة مجلس الوزراء بعدما عدّلها وزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية، كونها محور خلاف سياسي بين الأفرقاء، بمجرد أنها تنطلق من ضرورة التنسيق المباشر مع السلطات السورية لإنجاحها.

"خطة" تفاقم المشكلة

وبهذا الخصوص، قال المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية زياد عبد الصمد لوكالتنا: "إن خطة مجلس الوزراء رديئة وسيئة جدًّا ولا ترتقي إلى مستوى الخطة، لأنها لا تعالج المشكلة، بل تساهم في تفاقمها، وكنا قد اقترحنا منذ بداية الأزمة على الحكومات السابقة تأسيس لجنة وزارية تضم مختلف الوزارات، كون التعاطي مع أزمة اللاجئين يتطلب مقاربة شاملة تنخرط فيها وزارات الاقتصاد والعمل والصحة والتعليم والبيئة، بالإضافة إلى وزارتي الصناعة والتجارة، ولكن هذا لم يحصل، وكانت ككرة نار تتقاذفها الوزارات رغم أهمية (خطورة) الملف على المستويات كافة".

يعود ويؤكد عبد الصمد أن "هذه الخطة دون المستوى وغير قابلة للتطبيق، ولا يمكن موافقة المجتمع المدني اللبناني عليها، وهو الذي يرى أن المقاربة مرتبطة بحقوق الإنسان واحترام المواثيق الدولية التي وقّع عليها لبنان، وإن لم يكن طرفًا في الاتفاقية الدولية الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951، إلا أن لبنان طرف في الاتفاقيات والعهود الدولية التي تملي عليه الالتزام بها وهي تنطبق على اللاجئ السوري من موقع مسؤولية الدولة المضيفة، وعدم زجه بأتون الصراعات".

التقييم الوارد في الخطة حول عودة الأمن إلى سوريا كحجة لدفعهم إلى العودة غير واقعية، إذ لا يأخذ بالاعتبار التوتر في عدد من المناطق، لا سيما في الشمال الشرقي وفي إدلب ووجود لبقايا خلايا لداعش وغيرها من التحديات، هذا فضلًا عن العقبات التي تضعها الحكومة السورية نفسها ربما لإعاقة عودتهم، منها قانون العفو وأيضًا القرار بإلزام العائدين تصريف مئة دولار إلى العملة السورية على المعابر.

لا أعباء للجوء

وأوضح عبد الصمد أن وجود اللاجئين قد يشكّل ضغطًا إضافيًّا على الخدمات العامة التي تعاني بالأصل من أزمات بنيوية قبل الأزمة السورية، "فأزمات الكهرباء والنفايات والاتصالات والمواصلات.. كلها أزمات موجودة قبل وجود اللاجئ السوري في لبنان، وبالتالي لا تتحمّل مسؤوليتها حركة النزوح السوري، بل من يتحملها الخلل البنيوي الذي يعاني منه النظام اللبناني غير القادر على معالجة هذه الاختلالات".

وفي حين أثّر اللاجئون السوريون في الاقتصاد اللبناني عبر أساليب مختلفة، كزيادة الضغط على البنية التحتية العامة المتأزمة، ونظام الرعاية الصحية الأولية، والنظام التعليمي، ونظام إدارة النفايات وقطاع الطاقة، إلا أنهم يساهمون أيضًا في الاقتصاد اللبناني إيجابيًّا.

 يؤكد ذلك المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية لوكالتنا بالقول: "يرتبط سوق العمل في لبنان بالعمالة الأجنبية، خاصة السورية، وأثناء إعمار لبنان بالتسعينات كان السوريون يعملون ويتقاضون رواتبهم، لكن ينفقونها على أسرهم في بلادهم، فشهد لبنان حركة رؤوس أموال بالمليارات سنويًّا باتجاه سورية، أما في الوقت الراهن، فالعمال مع أسرهم مستقرون في لبنان، لكنهم ينتجون وينفقون في لبنان".

ويتابع عبد الصمد حديثه: "كثير من اللاجئين السوريين خلال نزوحهم إلى لبنان أدخلوا معهم أموالهم ومدخراتهم وأنفقوها هنا، حيث إن 60 % منهم يستأجرون مكان سكنهم ما يعتبر مساهمة في الدورة الاقتصادية، وهذا ما لا نسمع أحدًا يتحدث عنه، فضلًا عن المساعدات الدولية التي يتلقاها لبنان بسبب وجود اللاجئ السوري".

حكومة فاشلة تنتج سياسات فاشلة

"نحن في منظمات المجتمع المدني نعمل على "سردية" معاكسة، ونقوم بحملات للضغط والتأثير في الرأي العام، يوضح عبد الصمد لوكالتنا: "تعتمد السردية على تقارير تحدد الأثر الإيجابي للجوء السوري في لبنان من خلال المساهمة في العمالة وتدفق المساعدات التي يستفيد منها اللاجئون، ولكن أيضًا تخصص منها مبالغ للخدمات العمومية والمجتمعات المضيفة، علينا أن ندرس بدقة الآثار السلبية وإقرار السياسات والبرامج التي تعالجها مثلًا كيف يمكن توسيع سوق العمل اللبناني بما يخدم الاقتصاد اللبناني ويستوعب العمالة الوافدة ويخفف من المنافسة، الحكومات اللبنانية المتعاقبة تعاملت بشكل سلبي مع موضوع "الحماية" الذي يرتكز بشكل أساسي على التسجيل ومنح إقامة مؤقتة بدل اعتبارهم خارجين عن القانون وملاحقتهم كمجرمين ما يعرضهم للاستغلال والابتزاز، هذه ممارسات أساءت إلى سمعة لبنان كما أنها ساهمت في تأجيج العلاقة بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة ورفعت منسوب التوتر الذي غالبًا ما يؤدي إلى العنف".

يتابع عبد الصمد: "تواصلنا مع الجهات المانحة لإيصال وجهة نظر المجتمع المدني اللبناني المختلفة عن وجهة نظر الخارجية اللبنانية، ونحاول التواصل مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بما فيها البرلمانات الأوروبية وكذلك المنظمات الدولية المعنية".

يختم المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية حديثه مع وكالتنا بالقول "العنوان الأساسي للأزمة هو سياسي، ليس اقتصاديًّا ولا ثقافيًّا ولا اجتماعيًّا، وبالتالي بحاجة إلى معالجة على المستوى السياسي، وحاليًّا نحن أمام حكومة وعهد فاشلين، وبالتالي لا يمكن لهما إلا إنتاج سياسات فاشلة، لذلك المجتمع المدني يطالب برحيل هذه الحكومة، لأنها تسببت بضرر كبير على المجتمع اللبناني".

خطة قابلة للتطبيق!

في المقابل يعارض الأستاذ الجامعي والخبير في الشؤون الإقليمية وفيق إبراهيم، ويرى أنّها خطوة مهمة للفريقين السوري واللبناني، ويقول لوكاتنا "اليوم وصلت سورية لتحرير 70 في المئة من أرضها ومعظمها هادئة وآمنة، في المقابل الوضع الأمني والاقتصادي في لبنان غير مستقر، وبعد أن وصل إلى إفلاس تام، يأتي إقرار هذه الخطة لتلبية حاجات الطرفين".

ويؤكد إبراهيم أن "الدولة اللبنانية ستنسق مع سورية وأمريكا في آن معًا، وقد تتمنع واشنطن، ففي حال بقي مليون سوري في لبنان، هل ستدفع الولايات المتحدة هذه التكلفة؟ بالطبع لا، لماذا لا ندفع الأموال التي تدفعها الأونروا للنازحين لهم ولكن في بلدهم سورية؟!".

الخطة.. بين الحكومة الحالية والسابقة

رغم أن هذه الورقة أعدت في زمن حكومة سعد الحريري، لكنها لم تقر، يقول الأستاذ إبراهيم إن "الحكومة السابقة وقوى 14 آذار والبطريركية المارونية، هم من كان يعارض عودة النازحين إلى بلادهم، وكانوا يتذرعون بعدم الأمان في سورية، وبخوفهم عليهم من القتل، ليتبين فيما بعد أن هناك قرارًا أمريكيًّا بُلّغت به هذه الأطراف بأن عودة النازحين ممنوعة في الوقت الحاضر، لأنهم ورقة لإبقاء عدم الاستقرار في سورية ولاستعمالهم فيما بعد في مسائل عدة".

يتابع إبراهيم بالقول: "الحكومة الحالية برئاسة حسان دياب ليست من لون واحد، هي مستقلة لكنها مؤيدة من حزب الله وتحالفاته ورئيس الجمهورية وتياره، وهذا عامل مهم جدًّا للإصرار على عودة النازحين، ويستثنى من الحكومة الوزراء الذين يمثلون وليد جنبلاط".

ويؤكد الأستاذ الجامعي والخبير في الشؤون الإقليمية أن "هذه الحكومة هي الأفضل لتأمين عودة آمنة للنازحين بالتنسيق مع الدولة السورية، إلا إذا قامت أمريكا بتأمين أموال كبيرة للدولة اللبنانية على أساس إبقاء النازحين، عند ذلك سيؤدي إلى تضارب في المشاورات بين القوى الوطنية، وقد تؤدي إلى عرقلة عودة النازحين".

تركيا كغيرها تستخدم النازحين كورقة

ويقول الأستاذ وفيق إبراهيم لوكالتنا: "إن الممانعة الأوروبية ستخف لكن ستبقى الممانعة الأمريكية، وأيضًا تركيا لن تقبل بعودة النازحين الذين على أرضها لأنها تستخدمهم في شمال سورية وشمال غرب سورية".

يتابع إبراهيم حديثه لنا بالقول: "تركيا كلبنان والأردن، استعملوا ورقة النازحين في مسائل انتخابية ورئاسية، وحتى في دعم التنظيمات الإرهابية، فعندما يصاب النازحون السوريون بالجوع يصبحون قابلين للالتحاق بالتنظيمات الإرهابية بأي مبلغ كان، لذلك كان هناك إصرار تركيّ ولبنانيّ وأردنيّ لإبقاء النازحين على أراضيهم، لكن اليوم انكشف الموضوع وبات الإرهاب محصورًا بأنحاء معينة من سورية".

"عدم العودة القسرية"

امتنع لبنان عن التصديق على الاتفاقية المتعلقة بوضع اللاجئين عام ١٩٥١ وبروتوكولها في العام ١٩٦٧ الذي يحدد الإطار القانوني لوضع اللاجئين، وتنص هذه الاتفاقية على مبدأ "عدم العودة القسرية" للاجئين أو طردهم إلى أماكن يمكن أن تتعرض فيها حياتهم وحرياتهم للتهديد، كما يمنع رفض النازحين الذين يسعون إلى الدخول بأمان إلى الحدود في جميع الظروف، وقد كان لهذا الإجراء أثر في كيفية تأقلم الحكومة اللبنانية مع أعداد اللاجئين الهائلة ضمن حدودها، لكنها وحتى يومنا هذا، فشلت في اعتماد سياسات محددة لإدارة قضايا اللاجئين، فنعتتهم بالمشردين والنازحين بدلًا من اللاجئين.

وفي العام ٢٠١٥، وضع مكتب الأمن العام قيودًا صارمة على الراغبين في الحصول على تصريح للإقامة في لبنان، حيث يتطلب منحها موافقة مكتب الأمن العام مع رسوم إلزامية قدرها ٢٠٠ دولار، وهي رسوم لا يستطيع معظم اللاجئين السوريين تحملها لأن ٦٨٫٥ في المئة منهم يعيشون تحت خط الفقر، بسبب هذه القيود، وبحسب تقديرات مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، انخفضت نسبة اللاجئين السوريين الذين يحملون تصاريح إقامة من نحو ٧٦٫٣ في المئة في العام ٢٠١٤ إلى ٢٦ في المئة فقط في العام ٢٠١٧.

(ي ح)

ANHA


إقرأ أيضاً