​​​​​​​كان هدف سيفر تعميق الأزمات

زنار يلدز

 تم إعداد محتوى معاهدة سيفر لبناء صراعات جديدة في الشرق الأوسط، جعل نظام الهيمنة على الشرق الأوسط مركز الاضطرابات العالمية وسعى إلى إبادة الشعوب على يد بعضها البعض.

في 11 كانون الثاني 1918، انتهت الحرب العالمية الأولى بانتصار دول التحالف (بريطانيا وفرنسا وروسيا) على دول التحالف الآخر (ألمانيا والنمسا والمجر وإيطاليا). كما انحازت الإمبراطورية العثمانية لقوى التحالف الآخر، وخاصة ألمانيا، لذلك وبعد هزيمة الدول الحليفة، تم إعلان الدولة العثمانية كدولة مهزومة.

لكن تقسيم الجغرافيا العثمانية كان قد بدأ بالفعل قبل نهاية الحرب، وتمت صياغة خطة التقسيم باتفاقية سرية بين بريطانيا وفرنسا وبموافقة روسيا، ووقّع جورج بيكو الفرنسي ومارك سايكس البريطاني معاهدة سايكس بيكو في 16 أيار 1916، وعملت قوات الحلفاء وفق هذه المعاهدة ونشرت قواتها على الأراضي العثمانية.

'ليس من الممكن إنشاء دولة كردية'


بعد أن حصلت بريطانيا على كركوك في 9 أيار 1918، أطلق الكرد حركة مقاومة ضد القوات البريطانية، وكان هذا الموضوع موضوعًا جديدًا بالنسبة لبريطانيا، وذلك لأنه بعد انتهاء الحرب في الموصل ووان وآمد وأورمية وزاخو دخل الكرد في المقاومة ضد الاحتلال. وكان التخوف الرئيس لدى الكرد هو تغيير ديمغرافية كردستان. لأنه تم استخدام بروبوغاندة (دعاية)"اجلبوا الشعبين الأرمني والسرياني إلى المنطقة وامنحوهم الأراضي الكردية".
 

وبدأ محمود برزنجي التحرك في كركوك والموصل والسليمانية. من أرضروم إلى كركوك بدأ الكرد المقاومة ضد سياسات الاحتلال. وعلى حدود شمال وشرق كردستان بدأ الشيخ طاهر وسمكو الانتفاضات.
في عامي 1918 و 1919 دارت معارك ضارية بين القوات الكردية والبريطانية، وتعرضت مدن الموصل والسليمانية وحلبجة لقصف الطائرات البريطانية عدة مرات، وأصبح هذه الموضوع موضوع نقاش بين قوات التحالف، وفي 27 شباط 1918 أرسل بيكو برقية إلى وزارة الخارجية الفرنسية يقول فيها:
 "أظهر لي الاجتماع الذي عقدته مع مارك سايكس أنهم يفكرون في بناء إمارة كردية مستقلة تشمل الموصل. "لكنني لم أقبل هذا وذلك للأسباب التي أعلمتكم بها سابقًا وأوضحت أن هذه الحلول تتعارض تمامًا مع مصالحنا".

بشكل خاص أراد الدبلوماسيون البريطانيون العاملون في المنطقة بناء سياسة تتفق مع مصالحهم.
في ذات الأيام قدم الأكاديمي البريطاني م. أكيلستان رايلي، الذي يبحث في شؤون الكرد، تقريرًا لوزارة الخارجية البريطانية يقول فيها "بسبب الوضع المعقد للمجتمع الكردي، لا يمكن إقامة دولة للكرد. لذا مساعي الدولة البريطانية التي تريد إقامة دولة كردية ستكون بلا نتيجة".
عندما عُرض هذا التقرير لوزير الخارجية البريطاني ستيفان بيتشون قال "انضم لرأي السيد رايلي حول ما كتب عن وجوه النقص في المجتمع الكردي".
مع وصول القوى الإمبريالية المحتلة ظهرت قوة فاعلة وديناميكية في المنطقة، وعلى الرغم من توزعها وعدم خبرتها، إلا أنها أظهرت مقاومة كبيرة، وبدلًا من أن تأخذ بريطانيا من هذه القوة مواجهة لنفسها أرادت الاستفادة منها؛ لأن صراعات القوات الكردية لم تقتصر على المحتلين فقط، بل كانت هناك صراعات مع العثمانيين وكذلك مع شعوب المنطقة. خاصة بعد أن انضمت الألوية الحميدية التابعة للعثمانيين الى المذبحة الأرمنية عاشوا صراعات عميقة مع الشعب الأرمني.

وفي الوقت نفسه عاشوا في صراع مع العثمانيين لأنه ظلوا تحت الاحتلال العثماني فترة طويلة، وقاموا بعدة انتفاضات ضده، واختلفوا مع العرب بسبب الخلافات العنصرية. عندما عرفت بريطانيا بهذه الخلافات سعت إلى تخليص نفسها من الصراع الكردي من خلال تصعيده.
استخدم القائد عبد الله أوجلان اسم مصيدة الكرد(Xafika Kurdan)  لهذه السياسة، وتم استخدام الاختلافات القومية التي كانت موجودة في جغرافيا مزوباتاميا ضد قوى المقاومة.
وتم استخدامها كمصيدة خاصة ضد مصطفى كمال الذي قاوم الاحتلال الإمبريالي في الأناضول، وضد الملك فيصل الذي مثل القبائل العربية في العراق. كانت دائمًا العصا مرفوعة فوق رؤوسهم.

لم تكن  فرنسا تريد إخافة الأتراك
 

لم يكن وضع فرنسا أيضًا بعيدًا عن هذه السياسة، ومع سيطرة بريطانيا على جزء كبير من جغرافية كردستان أصبحت قلقة بشكل متزايد بشأن المسألة الكردية. لكنها لم تفعل شيئًا أكثر من سياسة "المصيدة الكردية".
حيث أنشأت فرنسا في سوريا وغرب كردستان حكومة مرتبطة بها، ولم ترغب فرنسا في هذه الحكومة أن تصبح القضية الكردية قضية خلافية بينها وبين الحكومة التركية، ومن أجل منع التمرد على الحكومة السورية أعطت الكرد بعض الحقوق الاجتماعية. لكن الهدف الرئيس لفرنسا كان مضايقة تركيا؛ لذلك دعمت بريطانيا في السياسة العامة.

الممثل الكردي شريف باشا

 

بدأت محادثات سلام سيفر في ظل هذا الجو عام 1919 وحتى اختتامه في 10 آب 1920، وأقيمت العديد من المؤتمرات والاجتماعات. وفي تلك المؤتمرات والاجتماعات، تمت الموافقة على محمد شريف باشا الباباني ممثلًا للكرد. لكن شريف باشا والعديد من الأطراف والتنظيمات الكردية أرادت انضمام أشخاص آخرين أيضًا.

 وبشكل خاص تقدم فهري بك والشيخ طاهر، بصفتهما ممثلين عن كردستان الشرقية، بطلب الانضمام، لكن هذا الطلب قوبل بالرفض من قبل الدبلوماسيين البريطانيين. ومن جهة أخرى جاء وفدا السليمانية، برئاسة زكي رشيد والشيخ أحمد برزنجي إلى بيروت، وطلبا من فرنسا التوجه إلى باريس. لكن بسبب محاربة السليمانيين لبريطانيا لم تسمح فرنسا لهم بالذهاب. لذلك  مثّل شريف باشا الكرد في الاجتماعات منذ بداية الاجتماعات وحتى 5 أيار1920


خلافات القاهرة وبغداد واسطنبول
 

خلال الاجتماعات أخذ شريف باشا آراء العديد من الكرد، وعلى وجه الخصوص أراد من تجمّع استقلال كردستان ومقرها القاهرة والمتأثرة بأسرة بدرخان، وجمعية تعالي الكردية ومقرها اسطنبول وتقع تحت تأثير الإمبراطورية، التأثير على شريف باشا.

من ناحية أخرى، فإن بعض مراكز الانتفاضة في كردستان على اتصال بشريف باشا من بغداد، وهناك آراء مختلفة جدًّا من المراكز الثلاثة تصل إلى باريس، وتقول القاهرة إنه لا سبيل لقبول أي شيء سوى كردستان مستقلة وموحدة. إذا تم قبول أي شيء غير هذا فستكون هذه خيانة.

كما دعوا من اسطنبول إلى إقامة حياة وإدارة مشتركة مع الأتراك، ولم تر القوات التي تحارب وتقاوم في كردستان الاجتماعات ذات مغزى، ويقولون إنه لا توجد إمكانية لعقدها على الأرض، وبعضهم، وبصفتهم مستقلين، يرون أن بعض الحقوق القومية كافية.

بيان مشترك للكرد والأرمن

إن تعميق الصراع الأرمني -الكردي يثير جدلًا كبيرًا. والهدف هو تسليم الأراضي ذات الأغلبية الكردية للأرمن، وبالتالي إثارة حرب كردية أرمنية. يقول الوفد الأرميني نفسه إنه لا توجد إمكانية لعودة الأرمن إلى هذه الجغرافيا. والوفد الكردي منزعج أيضًا من هذا، ومن المعروف أنه بهذه الخريطة تتعمق صراعات المكونات وتنتشر الحرب. لذلك أصدر الوفدان الأرمني والكردي في 25 كانون الثاني من عام 1919 بيانًا مشتركًا جاء فيه أنهما يريدان حل مشاكلهما في جميع أنحاء المنطقة بطريقة سلمية مع المكونات، ويظهر مع هذا البيان الموقف المشترك للوفدين الكردي والأرمني. لكن عندما لم تتغير مواقف بريطانيا وفرنسا، انسحب شريف باشا من الاجتماع في 5 أيار 1920.


شهدت بداية القرن العشرين توترات ونزاعات عميقة داخل نظام الهيمنة، لذلك غمسوا العالم في الحرب من أجل التغلب على الأزمات التي يواجهونها، وفي نهاية الحرب انتشرت صراعات وتوترات نظام الهيمنة في جميع أنحاء العالم وتم إنشاء بعض مراكز الصراع العالمية التي لم تستطع التخلص من تلك الصراعات على مدى مئة عام، وكان أحد هذه المراكز الرئيسة هو الشرق الأوسط الذي لا يزال غير قادر على التخلص من تلك الصراعات.
 

 بعد الحرب العالمية الأولى، جاءت القوى المهيمنة إلى الشرق الأوسط بهدف التقسيم واستخدام سياسة فرق تسد، ولم يكن لهذه القوى المهيمنة أي أساس سوى مصالحها الخاصة، ولتحقيق هذه المصالح استفادت من النزاعات القائمة. كما أرادت إثارة النزاعات في الأماكن التي لا يوجد فيها صراعات.
وظهرت هذه السياسة بوضوح في معاهدة سيفر. إذ ربطوا معاهدة سيفر بأنفسهم واستخدموه كأداة للتقسيم وما تزال مستخدمة ضد بعضهم البعض حتى يومنا هذا.